المنشور

سورية أيضا.. لِمَ لا ؟


شهدت سورية حركات احتجاج فى العديد من المدن، وبغض النظر عن حجم هذه التحركات واحتمالات توسعها، فقد أشّرت إلى أنها ليست خارج الوطن العربى الذى يشهد انتفاضات انتصر بعضها ومازال بعضها الآخر يتراكم من أجل ذلك. ويمكن أولا ملاحظة العنف الذى وجهت به هذه التحركات، وحملات الاعتقال التى طالت المئات، التى يبدو أنها نتاج إحساس النظام بأنه يجلس على برميل من البارود، والذى شهد نتائج ذلك فى تونس ومصر وليبيا واليمن، لهذا يتصرف بـ«حسم».

لكن ليست المشكلة هي في أن سورية هي جزء من البلدان العربية التى انتفضت شعوبها، ولا نتيجة تأثر بعض الشباب فيما جرى، وميله للتقدم من أجل أهداف طالما طرحها الشعب، وكانت أساس انتفاض الشباب فى تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين وعمان والأردن والجزائر والمغرب، فلاشك فى أن الجو العربى العام يدفع نحو الخروج من القنوط واليأس الذي دُفع إليه الشباب نتيجة انسداد الآفاق، لكن الذي يجعل لهذا الحراك أثر هو أن الظروف التي باتت تعيش فيها الطبقات الشعبية هي متشابهة في كل هذه البلدان، رغم كل ما يقال عن اختلافات أو تمايزات.

فقد جرت تحولات اقتصادية عميقة خلال السنوات الماضية كانت أسرع من كل السنوات التي بُدء فيها بـ«الإصلاح الاقتصادي» سنة 1986، وأدت إلى النتائج ذاتها التي حدثت في تونس ومصر. فقد توسع دور قطاع العقارات والسياحة والبنوك داخليا، وتوسع الاستيراد نتيجة تراجع حاد في الإنتاج المحلى. وهو الأمر الذي أدى إلى تهميش قطاع واسع من الطبقات الشعبية، سواء نتيجة البطالة التي ربما تصل إلى 30% من القوى العاملة، أو الإفقار نتيجة انخفاض الدخل مقابل ارتفاع مذهل في أسعار السلع التي باتت عالمية (أو حتى أكثر من ذلك نتيجة احتكار فئة حاكمة). كما تمركزت الثروة في قلة محيطة بالسلطة باتت وافرة الثراء والبذخ، وتحتكر كل المشاريع التي تدرّ الربح، وتسيطر على كل «الاقتصاد الأسود».

تقول دراسات الحكومة إن متوسط الدخل هو 11 ألف ليرة سورية شهريا، بينما وعلى ضوء دراسة الحاجات الأساسية للمواطن لا بد من أن تكون 31 ألف ليرة سورية، أي ثلاثة أضعاف الراتب الحالي (وتشير إلى أن الحد الأدنى في دمشق لا بد أن يكون 40 ألف ليرة). هذا الوضع وحده يفسّر تراكم الاحتقان لدى قطاعات واسعة من المجتمع، وإحساسها بالعجز عن العيش، وهى الحالة المثالية لكل انفجار اجتماعي يفضى إلى الثورة.

وإذا لمسنا أثر «الانفتاح» الاقتصادي والتحكم الاحتكاري في الاستيراد فسنجد أن رفع أسعار المازوت والبنزين خلال السنتين الماضيتين قد أفضى إلى انهيار مريع في الزراعة حوّل سورية إلى دولة تستورد القمح بعد أن كانت تصدّر أجود أنواعه، وانتهى تصدير القطن، وانهارت مناطق زراعية مهمة مثل الجزيرة، ونزح أكثر من مليون فلاح إلى أطراف دمشق وحوران والمدن الأخرى. وهذا الأمر حصل مع صناعة النسيج التى شهدت انهيارا كبيرا، خصوصا مع ارتفاع أسعار المواد الأولية والمازوت، واستيراد السلع الصينية ثم التركية، من قبل محتكرين يهدفون إلى الربح الأعلى.

طبعا دون أن نتحدث عن انهيار التعليم والقطاع الصحي، وتعمم الفساد. وانهيار «القطاع العام» بعد نهب طويل له، وإيكاله لمديرين لا كفاءة لديهم، ويعملون على المصلحة الشخصية، والذين منهم نشأت «طبقة جديدة» سميت برجال الأعمال الجدد، والتي باتت تهيمن على مجمل الاقتصاد، الذي بات اقتصادا ريعيا.

هل فعلت رجالات النظم فى تونس ومصر أكثر من ذلك؟ الغريب أن التشابه كبير بين مجمل النظم العربية (حتى فى الاتهامات التى تكيلها على المحتجين، مثل القلة المندسة، وزج اسم الفلسطينيين)، فقد باتت نظم بوليسية وتحكم قلة سلطوية فى مجمل الثروة، وتنشط فى العقارات والخدمات وكل ما يدرّ ربحا ريعيا. فحين لا يجد الشعب ما يسمح له العيش، خصوصا الشباب الذى يعانى من بطالة كبيرة، لا تعود المسألة بسيطة، أو تستطيع سلطة مهما كانت قوتها الأمنية وقف دفق الشعب الذى يكون أخطر من تسونامى.

وأشير إلى أنه هنا لا يفيد الكلام «ضد الإمبريالية»، ولا الحديث عن «الممانعة»، بعد أن يصغ الاقتصاد بما يخدم سيطرة النمط الرأسمالى، والطغم الإمبريالية، هذه الطغم التى سعت، ومن أجل تعميم منطق المضاربة فى أسواق الأسهم والبنوك، إلى تهديم الاقتصاد المنتج لمصلحة اقتصاد ريعى يقوم على نهب الثروة التى بناها الشعب خلال عقود طويلة من تاريخه. وبالتالى لا يفيد الموقف السياسى، أو التبرير بالموقف السياسى، ولا الحديث عن مؤامرات.

الاقتصاد نهب، والشعب أفقر، فى ظل نظام قام على أساس دكتاتورى، وكانت الدكتاتورية ضرورية لتسهيل النهب، وباتت ملازمة لاستمراره. لكن حين لا يكون هناك من فارق بين الحياة والموت لن يختار الشعب سوى الانتفاض، فلا يقبل أيا كان أن يموت بصمت. وحينها شاهدنا ماذا كان وضع النظم. الشعب هنا يريد الخير والحرية، ولقد بات الشعب هو اللاعب الأول.

الوضع يحتاج إلى تغيير عميق فى النمط الاقتصادى وفى النظام السياسى.