المنشور

الولوج إلى الحوار من خلال الباب الموارب


الحديث عن الحوار في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها وطننا الحبيب و في ظل التشاحن الطائفي نحو المنزلقات الخطيرة، قد يغدو تطاولاً على المباديء و حديثاً يطال الخطوط الحمراء لدى البعض في المعارضة البحرينية، التي رفضت الحوار من قبل عندما كانت الأوضاع أنسب و موازين القوى أفضل، حيث كان باب الحوار مفتوحاً على مصراعيه من قبل صاحب الحوار ولي العهد الداعي إلى الحوار دون قيود و دون سقف، أما الأن و بعد إعلان حالة السلامة الوطنية فإن ما يرشح عن الجهات المعنية و المسئولين في الدولة تؤكد على أولولية الأمن و الاستقرار في البلد مع الإبقاء على باب الحوار المرجو موارباً. فالباب الموارب للحوار قد يفتح من جديد بعد استتباب الأمن حسب التعبير الرسمي و قد يغلق للأبد. و هنا الخطورة الكامنة وراء إنهاء الحوار و غلق بابه إيذاناً بانتصار القوى المحافظة في الحكم في مقابل ما تبقى من تيار إصلاحي لا يجد أمامه أوراقاً يستخدمها لوقف النزيف الوطني و إقناع الآخر المحافظ الذي يرى في تجربة 1975 خير مثال على القضاء على الفلتان الأمني و الإضرابات التي عمت البلاد خلال الفترة من 72- 75 باستخدام القوة من خلال حل البرلمان و قانون/و محاكم أمن الدولة.
 
و يجب الاعتراف بكل جرأة و شجاعة بأن المعارضة قد ارتكبت أخطاء جسيمة و على رأسها تفويت فرصة الحوار التي كانت تتآكل كلما مر الوقت و ارتفع سقف المطالبات التي وصلت إلى الدعوة لاسقاط النظام و إقامة الجمهورية. و لم يكن التيار المتطرف في المعارضة يهمه إلا التباهي بالانتصارات الوهمية و الزج بالشباب المخلص في معركة معروفة النتائج سلفاً في مجتمع يعيش انقساماً و انشطاراً طائفياً عمودياً و افقياً حتى النخاع. و حتى الشعارات المنادية بالوحدة الوطنية و المنددة بالطائفية لم يكن لها وجود على أرض الواقع، الذي بدأ يتجه نحو الهاوية و الدرك الأسفل.
 
و بالرغم من تباين القراءات للوضع السياسي بين أقطاب المعارضة خلال الفترة من 14 فبراير إلا أن التيار المتطرف و المزايد في المعارضة هو الذي كان يجر بقية القوى نحو المجهول و لم تتجرأ القوى الأكثر عقلانية في المعارضة الإفصاح أمام الجماهير(خاصة في الدوار و أمام الصحافة) علناً عن عدم تأييدها لشعار اسقاط النظام و إقامة الجمهورية، بل كانت ردود أفعالها تجاه الحوار خجولة و مترددة بل و وجلة من غضبة الجمهور المشحون الذي كان يرفض حتى المطالبة بالملكية الدستورية بل وصل الأمر به إلى اعتبار الميثاق الوطني الذي صوت عليه الشعب بما يشبه الإجماع بأنه لم يعد مرجعية سياسية قانونية بعد الآن.
 
و من الواضح أن المعارضة المتطرفة قد فقدت بوصلتها و فقدت معها الاتجاه الصحيح، بل كانت منقادة عفوياً وراء الشارع المشحون و القيادات النرجسية التي توهمت بأنها ستستلم السلطة غداً أو بعد غد على أكثر تقدير. لذلك تمكن التيار المحافظ في الحكم من حسم الأمر لصالح الحل الأمني بعد أن انتفت كل المبررات للحوار المنشود بعد الدعوات المتكررة و التحذير من فوات الوقت و الفرصة.
 
و الآن و بعد أن دخلت البلاد في وضع السلامة الوطنية و حدث ما حدث كيف لنا أن ندفع الباب الموارب و نفتحه على مصراعيه لبدء الحوار و الانتقال إلى مرحلة جديدة نوقف بها النزيف الوطني، و نعيد الأطراف و الناس إلى الرشد و إلى الأسلوب الحضاري لإدارة دفة الصراع و حشد كل الطاقات لإعادة اللحمة الوطنية و وضع الخطوات العملية لتهيئة المجتمع للعودة إلى السلم  الأهلي المتضعضع حالياً. و إعداد برنامج عمل وطني لتصفية الطائفية أمنياً و مؤسسياً و مجتمعياً، و من بعد ذلك تصفيتها في النفوس بعد أن طال الشرخ الطائفي العائلات.
 
لذلك فإنني أرى بأن أولى الأولويات العمل معاً لدفع الباب الموارب لكي ينفتح على مصراعيه، و هذا يتطلب قبل كل شيء تهدئة الأوضاع و تهدئة النفوس. على أن يكون مرجعنا الأساسي المحاور السبع التي أكد عليها سمو ولي العهد لإجراء الحوار، و ما أكده قبل ذلك جلالة الملك بأنه سيأخذ كل ذي حق ٍ حقه. و بإمكاننا لاحقاً إدراج الاقتراحات التي ذكرتها سابقاً. على أن يترافق مع فتح باب الحوار تراجع الإجراءات الأمنية رويداً رويداً و إفساح المجال لطرح الحل السياسي دون غالب أو مغلوب، مع التأكيد على أهمية إسكات الأصوات و الأبواق الطائفية البغيضة و ترشيد خطاب الإعلام الرسمي و إبعاده عن الشحن الطائفي مهما كانت المبررات من وجود قنوات طائفية تهيج الجماهير و تكذب على ذقونهم بقلب الحقائق، كذلك فإن على الناس أن تتدارك الحقيقة الحلوة/المرة بأن قدرنا أن نعيش معاً شيعة و سنة و لا يمكن لأي طرف أن يلغي الطرف الأخر لأي سبب كان و مهما كانت المبررات و الذرائع و هي كثيرة لدى الطائفيين من الطرفين. فلنرجع إلى طبيعتنا و سجيتنا كما كنا و أن نبتعد عن الأوهام و الأحلام و الشعارات البراقة فلا أحد ينفعنا لا الأمريكان و لا الانجليز ولا حتى القوى الإقليمية، إذا ما انجرفنا نحو الهاوية.
 
بقلم يوسف زين العابدين زينل 
    محام/نائب سابق