المنشور

نوابنا.. شكر اللـه سعيكم


رب ضارة نافعة.. النواب الذين خاضوا واستفاضوا وزايدوا في موضوع زيادة الرواتب فاجأونا حقًا بما لم يكن في الحسبان، فقد ظننا رغم أن بعض الـظن إثم – ان كل اللغط، وكل الصخب، وكل الضجة التي أثاروها وعزفهم المستمر ولفترة من الزمن على لحن زيادة رواتب العاملين في القطاعين العام والخاص، قد تأسس على مواقف مبدئية وثابتة ومدروسة وتستشعر وتلامس مشاعر الناس ورغباتهم واحتياجاتهم.

هذا ما أكده كثير منهم، وليتهم اكتفوا بذلك وليتهم بقوا في دائرة الرغبات والاقتراحات والأمنيات التي لا تقدم ولا تؤخر، بل استغلوا «موسم الموازنة» ليطلوا علينا بتصريحات تلو «تصريحات»، و»عنتريات» تلو «عنتريات» لإرسال رسائل رتيبة مخصصة للناخبين، يتهددون فيها ويتوعدون بأنهم سيرفضون تمرير الموازنة العامة إذا خلت من الزيادة.

لمن يميل إلى النسيان من النواب، أو له فيه مصلحة، نستطيع أن نذكر كل واحد منهم بكل ما قاله كنائب، وحتى تلك الاقوال والتصريحات التي وردت تحت مظلة هذه البرلمانية او تلك، ونستطيع أن نلفت عنايتهم إلى أصواتهم التي علت وشددت بأنه لا عودة بالرجوع عن الزيادة وان أي مساس بمشروع الزيادة يعني رفضًا للموازنة ((!!)).

قالوا الكثير، وحاولوا إلهاءنا بمعارك إعلامية ودعائية مفتعلة حول هذا الرقم أو ذاك وحول محتواه ومدلوله، ويمكن الرجوع إلى أرشيف أي جريدة محلية للوقوف على إطلالتهم «الفولكلورية» التي كانوا يظهرون بها علينا في واقع غير «فولكلوري»..!!

لا نعلم حقيقةً ما إذا كان النواب الذين حملوا راية الزيادة، والذين بدا بعضهم لأول وهلة أنهم أهل اختصاص وعلم وفهم ونظر، وبعد كل الضجيج الذي أحدثوه، وبعد موقفهم المباغت بالموافقة على الموازنة، لا نعلم هل يشعر النواب الأشاوس أصحاب الصوت العالي بالحرج أم لا، بعد أن انفضوا عن أنفسهم ركام تصريحاتهم وانقلبوا بين ليلة وضحاها عن أقوالهم ووعودهم طارحين تبريرات تذهل المرء حين يمعن فيها وحين يقارنها بما سبق، ذلك شأنهم لا ريب وان كنا نشك في انهم يشعرون بالحرج، ولكن ما نرجوه من النواب ألا يتذاكون علينا، وان يحسنوا دومًا برشد و»فطانة» المواطن البحريني الذي نحسب انه يدرك الحقيقة المرّة، حقيقة أداء النواب على الأقل في مستوى تعاطيهم مع موضوع الزيادة والموازنة العامة، ولكن ما العمل فهؤلاء هم نوابنا، نتفق ونختلف على أدائهم، وربما يستفزنا شطحات بعضهم، المهم اننا لا نملك في الوقت الحاضر غيرهم في الميدان..!!

هؤلاء النواب هل غاب عنهم يا ترى وهم يطالبون بالزيادة بنسبة 25%، وحتى السيناريو البديل الذي اقترحوه تاليًا بأن تكون الزيادة 75 دينارًا – تصوروا القفزة – هل غاب عنهم أن الموازنة العامة لا تحتمل ذلك، ويكفي أنها سجلت عجزًا للعامين 2011-2012 تجاوز 1.5 مليار دينار وهو أعلى مقدار عجز سجلته موازنة في تاريخ البحرين، فيما بلغت نسبة الدَّين العام 48.9% من إجمالي الناتج المحلي المتوقع في عام 2012 وهي أيضا نسبة عالية غير مسبوقة.

ألا يعني ذلك شيئًا للنواب؟ ألا يفترض أن يحتكم طرحهم إلى الدراسات والتحليلات والمؤشرات الاقتصادية وهم يتداولون أهم مشروع قانون تنظره المؤسسة التشريعية بشقيه الاقتصادي والاجتماعي، وهل من المنطقي والمقبول أن تتبدل مواقف مجموعة النواب ناسفة كل ما كانوا قد ثبتوه بشأن التمسك بالزيادة ليطرحوا تبريرات كان من الأولى أن تكون موضع اعتبارهم لا أن يتبنوا مطالبات تزيد من المديونية والعجز وتورث أجيالنا ديونًا متراكمة، وكان حريًا بهم ربما تمهيدًا لطرح الزيادة على أساس عقلاني ومدروس بعيد عن الضجيج واستثارة مشاعر الناخبين، أن يركزوا على أولويات الإنفاق، وبرامج الحكومة، وخطة الدولة المالية، وسبل تطوير المالية العامة، والعوامل التي يمكن أن تؤثر على أهم عناصر الإنفاق والإيراد والعجز وكبح جماح المصروفات ومواجهته الهدر والفساد، وتطوير أساليب إدارة الدَّين العام هدفًا استراتيجيًا.

لا غضاضة في أن يبدي بعض النواب انزعاجهم من عدم توصلهم إلى اتفاق مع الحكومة بشأن الزيادة، أو أن يستثمر آخرون مناقشة الموازنة في انتقاد بعض السياسات وبعض بنود الموازنة وأوجه الخلل في بنيتها، ولا بأس أن يكون النواب عرضة لاتهام بأنهم خذلوا الناس عند أول امتحان، ولكن ما حدث أمر نراه يستدعي احترام عقولنا، كما يستوجب من النواب سعة الأفق والقيام بالمراجعة كنوع من محاسبة النفس من دون الانهماك بالشعارات وإصدار البيانات وترداد كلام ملتبس ومربك ومرتبك.

تبقى ملاحظة على الهامش وان كانت جوهرية، ما دمنا نتحدث عن النواب ومواقفهم، هي ملاحظة حتمًا لا علاقة لها بموضوع الزيادة، ولكن لها علاقة بالوطن، وبدور النواب الذين يفترض أنهم يمثلون شعب البحرين بكل مكوناته، وطالما هم كذلك، ألا يفترض ربما تفعيلاً لدورهم أن يدعون إلى جلسة استثنائية أو أكثر للبحث في كيفية مواجهة وطنية صادقة لكل ما يقّطع أوصال الوطن ويضرب من يريد قتل كل بارقة أمل. على أي حال لنوابنا نقول: شكر الله سعيكم..!!