المنشور

اليمن ودرب الآلام الطويل


على منوال الثورتين الشعبيتين التونسية والمصرية، نسج الشباب اليمني وأطلقوا تحركهم الشعبي السلمي الباغي إنشاء حياة سياسية جديدة في بلادهم التي أفقرها الاستبداد وفساد الحكم المتطاول لأكثر من ثلاثة عقود متصلة.
 
وعلى ذلك كان اليمنيون، شبابا ونساءً على حد سواء، أول من التقط من الشعوب العربية خيط ما صار يُطلق عليه بالربيع العربي ومبتغاه التغييري، حيث تلقفوه بلهفة وأمل كبيرين وتطلع لغد أفضل يقطع مع الراهن البائس الجاثم كابوسا على الصدور.
 
وعندما قرر اليمنيون النزول للشارع لمواكبة النهوض الشعبي العربي في فبراير الماضي، لم يكونوا ليتصوروا بالتأكيد انهم سيعانون كل هذه المعاناة الممتدة للمجهول قياسا لما قيضته الظروف والمصادفة التاريخية لأشقائهم في مصر وتونس.
 
فلقد بقي اليمنيون يتعذبون طوال هذه المدة الطويلة.. منذ مطلع العام الجاري وحتى اليوم، من دون أن تلوح لهم بارقة أمل في قرب انتهاء محنتهم الموشكة للتحول بين فينة وأخرى الى كابوس بدأ يطل برأسه متمثلا في اندلاع اشتباكات عنيفة بين القوات العسكرية والامنية التابعة للنظام وبين القوات المنشقة عليه وأفراد القبائل التي انضمت الى المحتجين والمعتصمين في صنعاء وتعز وبقية المدن اليمنية. وما بدأ اشتباكات متقطعة بالاسلحة الخفيفة سرعان ما تطور الى حروب صغيرة تستخدم فيها راجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة، ناهيك عن تزايد عمليات الاغتيال للشخصيات المحسوبة على الطرفين.
 
فما الذي جعل معاناة اليمنيين تطول وتستمر على مدى كل هذه الأيام والليالي الطوال رغم ضخامة الحدث التاريخي غير المسبوق الذي انشأوه ورغم جسامة التضحيات التي قدموها حتى الآن في سبيل الحرية والحكم المسئول؟ 
 
نزعم أن أكبر معوق أمام الولادة المتعسرة لليمن السعيد الجديد، يتمثل في كثرة عدد “اللاعبين” في الساحة اليمنية وتخصيصا في مخاض التحول العسير الذي يضم “كوكتيلا” من الأحزاب والحركات المختلفة والمتباينة الرؤى. فهناك القبائل ذات الأهداف المختلفة من التحول المأمول، وهناك اللقاء المشترك الذي وان بدا في العلن إطارا موحدا لأحزاب المعارضة اليمنية الكلاسيكية، فانه هو الآخر لا يخلو من تربصات وتباينات علنية وتناقضات مضمرة. وهناك المرأة اليمنية التي فرضت نفسها رقما صعبا في المعادلة السياسية الجديدة أو بالأحرى قيد التشكيل. في الجهة المقابلة هناك لوبي المصالح المرتبط مصيره بمصير الرئيس وبالبطانة المحيطة به، والذي لن يفرط فيها بسهولة، كما هو حال “رجال” مبارك في مصر اليوم. ولا ننس الحراك الجنوبي في الشطر الجنوبي من اليمن الذي تسيطر عليه نزعة الانفصال واعادة إحياء دولة الجنوب التي ابتلعها الشمال في صفقة سياسية اتضح للجنوبيين فيما بعد انها اذعانية. وهناك الحوثيون في الشمال الذين خاضوا حروبا ضروسا ضد الحكومة المركزية في صنعاء. وهناك تنظيم القاعدة الذي حوَّل بنادقه وقنابله البشرية باتجاه النظام عندما شعرت عناصره بتخلي النظام عنها والانقلاب عليها بعدما كان استخدمها في حرب 1994 بين الشمال والجنوب. ثم هناك أولا وأخيرا اللاعب الأساسي ليس في الحدث اليمني الكبير وحسب وانما في الحوصلة الاشكالية “للربيع العربي” بكليته، وهو هنا الولايات المتحدة التي صار لها كلمة فاصلة في انطلاقات وتداعيات الهبات الشعبية التي تجتاح العالم العربي منذ مطلع العام الجاري.
 
أمريكا تقول لـ “س” من الرؤساء “ارحل”، فيرحل، وتقول لآخر عليك ان تقوم بترتيبات انتقال السلطة، فيعرف “الآخر” الشفرة الخاصة بهذا الطلب أو الأمر، فهذه الشفرة تعطيه بعض الوقت لترتيب أوضاعه وأوضاع خلافته، بالتنسيق طبعا مع السفير الأمريكي والمبعوث الأمريكي الذي صارت معروفة وظيفته.
 
… أمريكا، على سبيل المثال، تطالب المجلس العسكري الذي تسلم زمام السلطة في مصر بعد أن أطاحت الثورة المصرية بالرئيس مبارك، بأن يتحرك “لاقناع” (كلمة في العرف الدبلوماسي تعني الضغط) قادة السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيسها محمود عباس لوقف اجراءات طلب العضوية الكاملة في منظمة الأمم المتحدة التي كانوا باشروها فعلا، والعودة بدلا من ذلك الى طاولة المفاوضات المباشرة مع اسرائيل، فيسارع الحكام الجدد في القاهرة لمناشدة الفلسطينيين لاستئناف المفاوضات المباشرة مع اسرائيل!
 
وعلى ذلك، فانه وبما ان الولايات المتحدة لازالت تعمل على تحليل حسابات الربح والخسارة في “صفقة” التغيير السياسي الجذري قيد التحقيق على الأرض من قبل صناع الحدث اليمني الأساسيين، فهي لا تريد الإقدام على خطوة نوعية كهذه قبل التثبت من أن النظام القادم أو من سيقوده سيواصل تأمين المصالح الأمنية والجيوسياسية الأمريكية في اليمن وفي منطقة البحر الأحمر. 
  
وعلى ما يبدو من ظاهر الأمور، وليس من كواليسها التي تفوق أضعاف أضعاف ظواهرها, فان الراجح أن لا تكون الساحة اليمنية على موعد قريب لإنهاء معاناة اليمنيين، طالما كان عامل الوقت الذي أصبح يراهن عليه بعض كبار اللاعبين (الأساسيين) في  ترجيح كفته – هو العنصر المرجح في مقاربة التغيير المنتظرة.