المنشور

حقيقة التسهيل الكمي




يعجب
المرء من الجهد الخارق الذي تبذله مجموعة من الاقتصاديين الأمريكيين
والأوروبيين من أجل تقديم المبررات والمسوغات “لآخر ابتكار” تفتقت عنه عقول
مصممي ومديري السياسات النقدية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا . .
ألا وهو ما يسمى ب “التسهيل الكمي” .


يكتب
أحدهم في الفايننشال تايمز (مارتن وولف) رافضاً الاعتراضات على قيام مصرف
انجلترا (المركزي) بزيادة ميزانيته بواقع أربعة أضعاف منذ أغسطس/آب 2007
إلى ما يقرب من 350 مليار جنيه إسترليني باستخدام “التسهيل الكمي”، بأن
التهديد يتمثل في الانكماش وليس في التضخم المفرط، وفي تعليقه على اعتراض
الاقتصاديين الملتزمين بالأساسيات الاقتصادية على تفعيل سلطة الدولة من أجل
طباعة وإصدار نقود عن طريق المصرف المركزي واستخدام السلطة لهذا الامتياز
الحصري بأسلوب غير مسؤول، اكتفى بالقول إن الدولة مازالت تحتفظ بالحق في
خلق النقود لمصلحة الجمهور . وفي رده على المعترضين بالقول إن مثل هذا
الاستخدام المتعسف لسلطة الدولة المالية يتعدى الحدود السليمة للدولة، لا
يعدو كما يزعم أن يكون منسجماً مع الوظيفة الطبيعية للدولة ولنظامها المالي
في طباعة النقود وإصدارها وطرحها في التداول أو في أن تستبدل بها
مديونياتها لدى الجمهور والمصارف التجارية من أجل مدهما بالسيولة التي
يحتاجونها!


وهذا
رأي فيه الكثير من التسطيح والكثير من الاستخفاف بالمعادلات النقدية
(لاسيما معادلات العرض النقدي المعروفة) وقبلها أساسيات العلاقة الضبطية
بين النقد وبين الاقتصاد متمثلاً في معروض السلع والخدمات .


وهنالك
العديد من الآراء الاقتصادية التي تذهب في ذات الاتجاه والتي ترتكز على
خلفيات أيديولوجية تتصل بالدفاع المبدئي بالحق أو بالباطل عن تعديات
وانتهاكات رأس المال لضوابط وقوانين السوق التي تشكل بوتقة النظام
الرأسمالي، أكثر منها اجتهادات اقتصادية ذات مصداقية وواقعية .


الآن
ما هو التسهيل الكمي الذي كَثُر الحديث عنه هذه الأيام على ألسنة كبار
مسؤولي السلطات النقدية الأمريكية والأوروبية وبمعيتهم عدد لا يستهان به من
الأصوات الإعلامية المساندة لهم؟


هو
في الواقع حيلة “جديدة” نسبياً كان قد عرضها في عام 1994 الاقتصادي
البريطاني الدكتور ريتشارد فيرنر خلال جلسة مداولات مستثمري المؤسسات في
طوكيو، باعتبارها شكلاً جديداً لسياسة نقدية تحفيزية من البنك المركزي .
أما الحقيقة فهي أن هذا “التسهيل الكمي” ما هو في الواقع سوى قيام البنك
المركزي من أجل مساعدة وإنقاذ البنوك والشركات من الإعسارات والإفلاسات
المالية وإعطاء حقنة منشطة للاقتصاد، بشراء ما بحوزتهم من أوراق مالية
(سندات خزينة حكومية وضمانات مالية حكومية) جامدة أو ميتة بالمعنى
الاقتصادي بسبب طول أمد حلول مواعيد استحقاق تحصيل قيمتها من قبل مُصدرها
وهو هنا الحكومة – شرائها بأموال نقدية تمكن هذه البنوك والشركات من الحصول
على السيولة اللازمة لتنشيط عملياتها الإقراضية وبالتالي تنشيط حركة السوق
.


والسؤال
الآن: ومن أين يأتي البنك المركزي بهذه الأموال، وهي ذات أرقام فلكية، كما
هو الحال في عمليات التسهيل الكمي التي نفذها على سبيل المثال لا الحصر
الاحتياطي الفدرالي الأمريكي على مدى الشهور الأربعين الماضية والتي وصل
إجماليها إلى نحو 8 .1 تريليون دولار (لوح رئيس الاحتياطي الفدرالي
الأمريكي بن برنانكي في السابع عشر من يوليو/تموز 2012 إلى استعداد واشنطن
لإعطاء الجرعة الثالثة من التسهيل الكمي لتعزيز انتعاش الاقتصاد الأمريكي
الذي لم تفلح معه حزم التحفيز المالي على ما هو ظاهر من مؤشر البطالة
المستهدف والتحسن المتواضع لسوق العقار، واقتراب موعد رفع الضرائب بداية
العام المقبل وخفض الإنفاق الحكومي) .


والجواب
هو من المطبعة الحكومية التي لا تقابلها أية احتياطيات نقدية أو ذهبية أو
أي نوع من أنوع الأصول أو إنتاج سلعي له قيمة اسعمالية وتداولية .


إنه
(التسهيل الكمي) مرحلة أخرى متقدمة على المرحلة التي تصل فيها قدرة الدولة
على مقابلة تخطي مصروفاتها لإجمالي إيراداتها في الموازنة، فتلجأ حينها
لتغطية هذا الفارق (العجز) بالاقتراض (حسبما ينصح الكينزيون بذلك لتنشيط
الاقتصاد وخفض البطالة) . في المرحلة الأولى التي يطلق عليها التمويل
العجزي أو التمويل بالعجز هنالك خصوم في صورة سندات حكومية على الأرجح،
واجبة السداد في مواعيد استحقاقها ومضمونة بالقوة السيادية الاقتصادية
للدولة . وأما في المرحلة الثانية من الإعسار المالي، وهي مرحلة التسهيل
الكمي، فإن الحكومة ممثلة في سلطتها النقدية (البنك المركزي) تبادر إلى
شراء الأصول المستندية لدى البنوك والشركات المعسرة لمدها بالسيولة التي
تمكنها من إنعاش عملياتها المالية بمد رواد السوق بالسيولة التي يحتاجونها .
فهي بهذا المعنى تشبه الحالة التي يلجأ إليها حامل الكمبيالة المعسر
مالياً إلى البنك أو إلى صيرفي أو تاجر آخر مقتدر لتحويل قيمة استحقاقها
(قيمة استحقاق الكمبيالة) باسمه أي تظهيرها بالمفهوم التجاري مقابل الحصول
على سعر الخصم لهذه الكمبيالة الذي يقل عن سعرها الاسمي والذي سيحصل عليه
بالكامل في هذه الحالة حامل الكمبيالة الجديد مكافأة له على انتظار موعد
استحقاقها .


على
أية حال، فإن السحب على المكشوف (عندما يسمح البنك لزبونه بأن يتجاوز في
سحوباته النقدية رصيده المودع لدى البنك)، أو ما يسمى تلطيفاً أو تضليلاً
“التسهيل الكمي”، هو إجراء متوقع في ضوء استنفاد الدول المأزومة مالياً
كافة أدواتها المالية (الضرائب تخصيصاً) وأدواتها النقدية (سعر صرف العملة
الوطنية وسعر الفائدة المصرفية تخصيصاً)، “فآخر العلاج الكي” كما يقول
المثل . فإنعاش الاقتصاد بالحزم المالية بالاستثمار الحكومي الضخم في
البنية الأساسية إجراء يمكن القيام به لمرة واحدة وينتهي مفعوله، وخفض سعر
الفائدة المصرفية لتحفيز الطلب على القروض قد وصل إلى الحضيض (يقارب صفر في
المئة) فتوقف عن أن يكون أداة جاهزة للاستخدام .


ومن
المفترض أن تؤدي عمليات التسهيل الكمي التي بدأتها الولايات المتحدة
وتبعتها بريطانيا وحتى البنك المركزي الأوروبي، إلى حدوث تضخم مفرط، وهذا
متوقع على أية حال لولا أن الثقة في الاقتصاد الأمريكي وعملتها الخضراء
أصبحت أكثر التصاقاً ب ال 11 حاملة طائرات و92 غواصة و24 فرقاطة ومئات
السفن والبوارج الحربية، فضلاً عن القوة الصاروخية الضاربة والقواعد
الأمريكية المنتشرة على امتداد الكرة الأرضية التي توفر الدعم اللوجستي
للشركات والمصالح الأمريكية أكثر التصاقاً بهذه القدرات من استنادها إلى
الأرصدة الذهبية والنقدية ومخزون الثروات والطاقات الإنتاجية للبلاد .