المنشور

شيخوخة السكان ومعدل نمو الطلب على الأصول




منذ
أن انفجرت فقاعة الأصول اليابانية مطلع تسعينات القرن الماضي واليابان
تعيش واحدة من أطول فترات ركودها . وهو ركود ناتج ليس عن عوامل قوى السوق،
كما جرت العادة، وإنما عن انهماك وتركيز الدولة ومؤسساتها على اهتمامها على
خفض جبل الديون التي تراكمت عليها خلال فترات التوسع والرخاء الاقتصادي
واستسهال تمويل المشروعات عجزياً .




ولقد
نال اليابانيون نقداً لاذعاً من شركائهم التجاريين في أوروبا والولايات
المتحدة على ما أسماه “بن برنانكي” رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
بمقاربتهم المتدرجة ويقصد البطيئة لإعادة احماء اقتصادهم .




كيف
يقول منتقدو اليابان أنه رغم ان بنك اليابان (المركزي) كان المبادر لاتخاذ
عدد من السياسات النقدية التي قلدها في ما بعد الاحتياطي الفيدرالي
الأمريكي وغيره، من قبيل تصفير سعر الفائدة المصرفية من أجل تحفيز الطلب
على القروض المصرفية وزيادة احتياطيات البنك، فإن بنك اليابان لم يفعل سوى
القليل وبصورة متأخرة لاستنهاض الاقتصاد (القصد هو رفع قدرته على امتصاص
جزء من صادرات الدول الحليفة المأزومة بالعجوزات والمديونيات، من أجل تقليص
عجوزاتها التجارية ومدفوعاتها الخارجية) .




الصورة
الاقتصادية في اليابان تبدو مشوشة بعض الشيء، فمن ناحية يبدو أن الطلب
نفسه على القروض منخفض من جانب القطاع الخاص المثقل أصلاً بالديون، بمعنى
ان الموضوع يتعلق بغياب الطلب أكثر منه غياب العرض . وهذا ما يذهب إليه
معهد نومورا للأبحاث الذي يقول إن الشركات والعائلات اليابانية تركز على
سداد ديونها والتخفف من أعبائها أكثر مما تهتم بالانفاق الجديد .




ولا
يجانب الصواب معهد نومورا للابحاث حين يفسر بطء عملية إعادة التوازن
للموازنة العامة للدولة اليابانية بشيخوخة السكان المشكلة الأكثر استشعاراً
في اليابان من بقية الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة التي تعاني نفس
المشكلة المتمثلة في أن الشباب ومتوسطي الأعمار يشترون الأصول لادخارها
لسنوات التقاعد، وغالبا ما يمولون صفقات الشراء هذه بواسطة القروض . أما
كبار السن فيبيعونها عند التقاعد . ومع تزايد أعداد قوة العمل النشطة
اقتصادياً (أي عدد السكان القادرين على العمل، من سن 15 الى 60 سنة) فان
أسعار الأصول سترتفع مع ارتفاع الطلب عليها، وحين يصل هؤلاء المتسببون في
سن شبابهم في الطلب القوي وارتفاع أسعار الاصول، حين يصلون إلى سن التقاعد
فإن الاتجاه المعاكس يأخذ مجراه .




وكان
“ايلود تاكاتس” وهو من بنك التسويات الدولي، قد عرض مؤخراً لفكرة العلاقة
بين شيخوخة السكان وأسعار الأصول، التي ركز فيها على العقارات السكنية أكثر
من الأصول المالية، على اعتبار ان الاصول العقارية أقل تأثراً بتدفقات رأس
المال عبر الحدود . وقد جمع لذلك بيانات ديموغرافية من 22 بلداً متقدماً
اقتصادياً، تشمل اجمالي السكان، ونسبة السكان المتقدمين في السن إلى اجمالي
قوة العمل النشطة اقتصادياً أو نسبة اتكالية المتقدمين في السن . حيث وجد
أنه خلال الفترة من 1970 حتى عام 2009 كل ارتفاع بنسبة 1% في حصة الفرد من
اجمالي الناتج المحلي وارتفاع بواقع 1% من اجمالي السكان يقابل كل منهما
ارتفاع بنسبة 1% في اسعار العقار السكني . في حين ان ارتفاع بواقع 1% في
نسبة اتكالية المتقدمين في السن يواكبه انخفاض بواقع 66 .0% في الأسعار
الحقيقية للعقار السكني . وباستخدام نماذج تنبؤ الأمم المتحدة للسكان فإن
فرضيته آنفة الذكر تذهب إلى أن أسعار العقار السكني ستواجه خلال السنوات
الاربعين المقبلة مشكلة شيخوخة السكان . في الولايات المتحدة، على سبيل
المثال، سوف ترتفع 80 نقطة أساسية في السنة، بما هو أقل في حال استبعاد
العوامل الديموغرافية . وفي الدول المتميزة بشيخوخة السكان مثل اليابان
وألمانيا وإيطاليا فإن أسعار العقار سوف تهبط بواقع 1% سنوياً .




أما أسعار الأوراق المالية (الأسهم والسندات) فهي لا تواكب بالضرورة أسعار العقار .




تلك تبقى فرضيات اقتصادية أُحادية رغم أهميتها وصحتها التطبيقية النسبية التي لا غبار عليها . ينطبق ذلك على فرضية “ايلود تاكاتس”  التتبعية
التاريخية الاقتصادية كما على النموذج الاقتصادي المصمم في هذا المجال من
قبل بنك الاحتياط الفيدرالي بمدينة سان فرانسيسكو . فهنالك عناصر أخرى لم
تتضمنها أو لم تأخذها في الاعتبار الفرضيتان المذكورتان، وهي عناصر يمكن
وحدها ان تطوح بهما، وهو ما يقر به “تاكاتس” والبنك الأمريكي معاً، خصوصا
مع ظهور مستجدات جديدة في هذا الصدد، منها اتجاه الدول الأوروبية واليابان
لتمديد سن التقاعد ليس فقط بسبب ضغط مشكلة شيخوخة السكان الناتجة عن عدم
مواكبة معدل نمو المواليد لمعدل الوفيات (مستوى الاحلال الطبيعي للسكان)،
وانما تحت ضغط الأزمات المالية وبضمنها أزمة صناديق الضمان الاجتماعي .