المنشور

الشباب العربي لم يتحرر بعد من قبضة الديكتاتورية

إن مجريات الأحداث في المجتمعات العربية لاسيما التي مازالت تشهد
احتجاجات يومية ومستمرة في مشهدها السياسي تعكس بكل تأكيد أوجه الصراع
القائم بين دعاة الحرية والديمقراطية، وبين من يدعم الأنظمة الديكتاتورية،
التي لا تريد هذا النوع من الصراع أن ينتشر ويرمي بظلاله داخل مجتمع اعتاد
على الطاعة والعطايا، بدلاً من حقوق مكتوبة في دستور ديمقراطي يشارك الجميع
في صياغته من أجل استقرار بنية المجتمع، كما هو الحاصل في المجتمعات
المتقدمة.

إن الصراع الدائر اليوم في المشهد العربي ما هو إلا ترسبات
ثقافة السيد والعبد، وهو صراع قادم من ترسبات ثقافة السلاطين ودولهم التي
اتسعت قوتها ونفوذها في حقب مختلفة، كحقبة الإمبراطورية العثمانية التي
وثقها التاريخ العربي والإسلامي. ولهذا فإن ترسبات هذه الممارسات والتقاليد
نابعة من ثقافة عاشتها شعوب المنطقة بمختلف أعراقها وأجناسها على أساس
أنهم رعية وليسوا مواطنين بحقوق.

لقد تطورت علاقة الدولة والفرد على
مر الزمن في المجتمعات الأخرى ليصبح مواطناً يحمل حقوقاً تحفظه، وتشكلت
معها أنظمة سياسية على هذا النمط الذي يكفل توازن الدولة مع مجتمعها بصورة
مدنية خالصة، وبصورة لا تنتهك فيها حقوق الإنسان بعد أن وقَّعت نصوصاً
دوليةً في مرحلة أخرى تتعهد بعدم انتهاك هذه الحقوق باعتبارها حقوقاً كونية
تشمل الجميع دون إقصاء لأي طرف أو جماعة، وبأي شكل من الأشكال.

وعندما
يأتي الذكر لما يحدث في الشوارع العربية من احتجاجات منذ مطلع 2011 وحتى
اليوم من ملاحقات مستمرة بين الشباب الغاضب والقوات الأمنية بأنواعها
وأشكالها، يلاحظ أن دائرة هذا الصراع في تنامٍ، كون المجتمعات العربية لم
تتحرر بعد من ثقافة السيد والعبد والإقطاعية اللامنتهية في استرخاص قيمة
الإنسان والتعامل معه بصورة تتنافى مع ملامح وطبيعة المرحلة الراهنة التي
يعيشها العالم من حيث تفعيل واحترام حقوق الإنسان.

إن الشباب العربي
اليوم تواقٌ إلى الحرية والتخلص من تقاليد سياسية بالية تتحكم في مصيره
وترسم صورة ضبابية لمستقبله الذي يتأرجح تحت رحمة ممارسات تعتمد على تنازل
الإنسان عن كرامته، مقابل تجريده من حقوقه بحيث لا يملك قراراً بيده في
التحرر.

لقد بحث الشباب العربي في السنوات الثلاث الأخيرة عن ضالته
في فضاء الإنترنت وعبر وسائط الإعلام الجديد، ليقول ما يريد أن يقوله رغم
محاولات قمع صوته عبر قوانين زائفة الهدف منها الحد والمنع لهذه الأصوات.
والشباب العربي ليس ملاحقاً في آرائه عبر الإنترنت فحسب، ولكنه أيضاً مازال
يُلاحق في شوارع مدينته وقريته وميادينه في كل بلد عربي، ليس بحثاً عن
الخبز، ولكن بحثاً عن الحرية التي يريد استردادها دون معونة غربية.

مراقبو
حراك الربيع العربي وجدوا في حراك الشباب، حراكاً تلقائياً في ظل غياب
الحل السياسي واستمرار ممارسات «الدولة العلية» ضد مطالب الناس الذي يريدون
نظام دولة ومواطنة حقيقية. كما أن التفريق بين بلد عربي وآخر من أجل حفظ
مصالح الغرب لفترة زمنية لن يستفيد منها الغرب بقدر أن حالة الاستعداء
ستتنامى ضده بسبب تناقضه في دعمه للديمقراطية وحقوق الإنسان في مجتمعاته من
جهة، وبين دعمه وتأييده لدول عربية دون أخرى كما جاء جلياً منذ أيام في
خطاب الجمعية العامة للأمم المتحدة للرئيس الأميركي باراك أوباما.

وقد كتب المحلل البارز في صحيفة «ذي أنديبندنت» البريطانية أدريان هاميلتون في مقال نشرته الصحيفة في 28 سبتمبر/أيلول عن ذلك قائلاً:

«الانتفاضات
التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط كانت كلها تستهدف حكومات يدعمها الغرب،
وأن المتظاهرين هاجموا أنظمةً كانت تعتمد المحسوبية والقمع وتحظى بتأييد
الدول الغربية، وإن ما قاموا به لا علاقة له بالقبول أو عدمه من الدول
الغربية».

وأضاف هاميلتون أنه «ليس هناك شيء أحب إلى زعماء الغرب
أكثر من «وضع اليد» على الربيع العربي. وقد حاول الرئيس الأميركي باراك
أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون كلاهما ذلك هذا الأسبوع في
الأمم المتحدة. وكان أوباما أكثر تأنياً في ضوء الاحتجاجات المناوئة
للولايات المتحدة، والتي أدت إلى مقتل سفيره في ليبيا. أما كاميرون الأكثر
زهواً فقد وجَّه كلامه ضد الرئيس السوري وضد إيران».

وهو ما يجعل
الكثير من المراقبين الغربيين يتنبأون ببروز موجة عداء جديدة قد تنفجر من
قبل الشباب العربي ضد الغرب الذي يوصف بـ «المنافق»، لاستمرار حمايته
لأنظمة عربية ديكتاتورية. ولن تزول هذه التهمة إلا عندما تعترف دول مثل
المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية بسوء الأنظمة في المنطقة،
ومدى تقاعسها مع ملفات حقوق الإنسان والديمقراطية.

ريم خليفة
صحيفة الوسط البحرينية