المنشور

في مديح «الحرب الباردة» – ورد كاسوحة

ليس سهلا أبداً أن يجرّب المرء التموضع إلى جانب رأسمالية في صراعها على
النفوذ (اقرأ: الأسواق) ضدّ رأسمالية أخرى. هنالك من فعل ذلك بسهولة من دون
أن يكلّف نفسه عناء السؤال عن تبعات التكيّف مع صراع الرأسماليات بعضها ضد
بعض. بالأمس فقط سقط ثلاثة قتلى في لبنان، بينهم مسؤول أمني رفيع في آخر
حلقة من حلقات هذا الصراع. سيمرّ وقت طويل وسيسقط مزيد من الضحايا قبل أن
ندرك أنّ التكيّف مع الصراع أسوأ من الصراع ذاته. فهذا الأخير يخاض عادة
عبر أطراف أصيلة ومعنية بالمعركة من باب الدفاع عن «أمنها القومي» وتوسّع
أسواقها. أمّا التكيّف مع الصراع فيخوضه من لا طاقة له على مجابهة
الرأسماليات سواء في صراعها أو في اتفاقها لاحقاً. لدينا اليوم بعض من هذه
العناصر هنا. وهي تشكّل في اجتماعها معاً نوعاً من العودة إلى منطق صراعي
لا يحبّذ الخطاب المهيمن استعادته. وإذا فعل فمن باب تجويفه ومسخه إلى
مصطلح لا يعني شيئاً في حدّ ذاته: «الحرب الباردة». إذ ما معنى أن نستأنف
الانشغال بفكرة الحرب تلك من دون أن يصاحب ذاك الاستئناف وعي بالمصالح
الفعلية التي كانت تقف وراءها وتديرها من وراء الستار. كلّ ما يقال اليوم
عن تلك الحقبة أنّها خلّفت مآسي ومجازر وتسببت بمجاعات وكوارث اقتصادية،
وبالتالي كان ضرورياً إنهاؤها حتى تعود الحياة على هذه الأرض ممكنة! عشنا
تقريباً أكثر من عشرين عاما ونحن نقتات على هذا القول (اقرأ: الهراء)،
وكنّا نواجه غالباً بأصناف مختلفة من التشهير كلّما أبدى أحدنا رغبة ولو
بسيطة في مناقشة أجزاء فحسب ممّا يقال. حين يستعيد المرء ذلك الآن يشعر
بالندم فعلاً على بذله جهداً كان يمكن توظيفه في نقاشات أهمّ بكثير من
إقناع الخصوم بأنّ الحرب التي ينظّرون لانتهائها لم تنته بعد. هنالك دائماً
ما يغيب عن الخطاب النيوليبرالي المهووس بفكرة القطيعة مع تلك الحقبة.
ينسى هؤلاء أنّهم كانوا ماركسيين يوماً ما، وأنّ الماركسية هي في الأساس
منهج جدلي قبل أن تكون نظرية في السياسة (وقبلها في الفلسفة والاقتصاد) بما
هي (أي السياسة) صراع بين الطبقات الاجتماعية. هذا الصراع هو بالتحديد
مضمون المنطق الجدلي أو الديالكتيكي. وهو أيضاً المضمون الغائب عن كلّ
التنظير النيوليبرالي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق وحتى اليوم.
ثمّة بالفعل إصرار طفولي من أولئك النيوليبراليين على أن تأخذ الإمبراطورية
السوفياتية السابقة معها كلّ الجدل الذي رافق مخاضها إبّان الحرب العالمية
الأولى وبعدها. فزوالها بالنسبة إليهم لم يكن زوالاً لنظام أو لتحريف طاول
الممارسة أكثر من مطاولته للنظرية، بقدر ما كان زوالاً للتعدّدية المذهلة
التي أتاحتها القراءات المختلفة للتجربة الماركسية. ومن سوء حظّهم أنّ تلك
التعددية لم تختف، لا بل تزايد الإقبال عليها في حقبة كان يبشّرنا فيها
الخطاب المهيمن وأدواته الصدئة بالعكس. لنقل إنّ الدينامية التي افترضوا
أنّها ستصاحب انهيار الاتحاد السوفياتي السابق قد أتت بمفاعيل عكسية، والّا
فكيف نفسّر هذه العودة القوية لليسار بتلاوينه المختلفة إلى واجهة الصراع
في المنطقة والعالم؟ الأرجح أنّ انهيار التجربة السوفياتية لم يكن في صالح
اليمين عموماً، بخلاف كلّ ما كتب وقيل حينها عن ثبوت العكس. وهذه مشكلة
اليمين دائماً: يكتفي بالتحليل السطحي للظواهر ويبني على ذلك لاحقاً
استراتيجيات لا تصلح حتى للاستهلاك الحزبي الداخلي. ليجرّب أحدكم قراءة
تحليل سياسي بسيط في إحدى الصحف اليمينية الذائعة الصيت في لبنان مثلاً.
سيكون محظوظاً لو استطاع قراءة أكثر من خمسة أسطر منه. الملل هنا ليس
ناجماً عن صياغة النص بحدّ ذاته. ربما يكون هذا الأخير في أفضل حالاته
لغوياً، لكن مع غياب القدرة على إنتاج الأفكار، لا يعود مهمّاً الكلام عن
صياغة لغوية متينة لها. حين تعجز الآلة اليمينية المترامية الأطراف عن
صياغة جملة واحدة مفيدة طوال عقدين من الزمن، فهذا يعني أنّها قد أفلست
وأوشكت على الهزيمة. لم تفلس في مواجهة اليسار الذي أعلنت هزيمته من طرف
واحد فحسب، بل في مواجهة مجتمعات بأكملها أيضاً. مجتمعات تغلي وتفور
بتناقضات وصراعات لا يمكن الإمساك بها أو تحليلها إلا بواسطة عدّة نظرية
متينة ومتماسكة. خذوا مثلاً الأزمة التي أعطبت الاقتصاديات الرأسمالية في
العام 2008. لم يبد حينها أنّ هنالك مرجعيات نظرية قادرة على تفسير ما جرى
غير المرجعيات الماركسية. العودة إلى ماركس في تلك الأيام لم ترق
للنيوليبراليين، لكنهم اضطروا إلى التسليم بذلك، لأنّهم اكتشفوا أنّ
التنظير الليبرالي الذي يعودون إليه في كلّ شاردة وواردة لم يكن يملك أجوبة
مقنعة عن سؤال الأزمة. وهي أزمة بنيوية وليست عارضة كأزمة انهيار الاتحاد
السوفياتي السابق. من هنا يأتي السؤال: لماذا اعتبرت مشكلة الانهيار
تأسيسية ومفصلية في بنية النظام الدولي، فيما لم يتمّ اعتبار الأزمة
الاقتصادية الرأسمالية كذلك رغم أن كلّ ما نعيشه اليوم هو نتاجها في
النهاية؟ سأحاول الاجابة بدلاً عن اليمين وثرثاريه المشغولين الآن بأمور
أكثر أهمية من محاججة يساري متحمّس. يصعب أوّلاً أن تعثر على قيمة للجدل في
كلّ الإرث اليميني الليبرالي منذ آدم سميث وحتى الآن. والاستثناء الذي
مثّلته المرحلة الكينزية (نسبة الى جون مينارد كينز الاقتصادي الانكليزي
الشهير) كان مبنياً على الاستعانة بأفكار ماركسية والاشتغال عليها لكي تبدو
آلية النهب التي تقوم عليها الرأسمالية أكثر احتمالاً. أي أنّ الحقبة
الوحيدة التي شهدت إعادة إنتاج فعلية للنظرية الرأسمالية الكلاسيكية لم تكن
بعيدة عن التأثير الماركسي المباشر.
هذا في المنهج، أمّا في الوقائع فالأمر لا يختلف كثيراً أيضاً. إذ بعدما
جرى التخلّي تدريجياً عن الصياغة الكينزية للرأسمالية (كان شرطها تدخّل
الدولة في الاقتصاد لضبط حركة رؤوس الأموال المنفلتة بعد الكساد الكبير في
1929) لمصلحة نيوليبرالية لا تريد للدولة أن تتدخّل إلا لمصلحة الأغنياء
وأصحاب الرساميل الكبيرة، أصبح من المستحيل إثارة أيّ نقاش في الغرب بخصوص
ذلك. فبمجرّد أن تطرح هذا الأمر للنقاش ستصبح تلقائياً مارقاً وعدواً
للنظام، وستوضع من جانب حرّاس الإمبراطورية في خانة من يعيق تطوير آليّة
النهب كما تصوّرها كلّ من مارغريت تاتشر ورونالد ريغان. هكذا حصل مع كثير
من اليساريين الذين جرّبوا في تلك الحقبة أن يكونوا نقديين إلى حدّ ما،
وألا يستسلموا للخطاب المهيمن. في هذا الإطار أيضاً يمكن وضع الصيغة التي
أراد الثنائي تاتشر وريغان حصر الصراع مع السوفيات داخلها. إذ لا يكاد
المرء يعثر في أدبيات تلك الحقبة على كلمة واحدة تخصّ الأسواق التي كان
يسعى كلّ طرف إلى توسيعها وضمّها إلى إمبراطوريته. كان الكلام محصوراً فقط
في الاستراتيجيات والأحلاف العسكرية وصراعات كلّ معسكر مع خصومه في المعسكر
الآخر. وهذه أمور كانت تحصل فعلاً، لكنها لا تعدو كونها قشرة خارجية فحسب.
أمّا الأساس حينها فبقي دائماً صراع الرأسماليتين الأميركية والسوفياتية
على الأسواق الناشئة والطرفية. أصلاً هو (أي الصراع) لم يغادر هذا المرّبع
مطلقاً، إلا أنّ الوعي بهذا المستوى كان ممنوعاً علينا حينها. كلّ الخطاب
النيوليبرالي عن تلك الحقبة كان يصبّ في هذا الاتجاه. والحرب الباردة
بصياغتها المبتذلة ليست إلا تعبيراً عن ذاك المنع، فهي الإطار الوحيد
المسموح التحدّث عنه، وخارجها لا وجود لأيّ حديث آخر. لا رأسماليات في طور
التوسّع والتدخّل عسكرياً في الأطراف لإيجاد أسواق جديدة، ولا توازنات
ناجمة عن صراعها بعضها ضدّ بعض ولا من يحزنون. كان ينقصنا فقط لتكتمل
«معرفتنا» بتلك الحقبة دليل إرشادي يتحدّث عن المرحلة ويتكنّى باسمها: دليل
الحرب الباردة! صحيح أنّ هوليوود لم تقصّر حينها في ذلك، لكن صياغتها
المرئية لذاك التجريد الممسوخ كانت بحاجة إلى مزيد من الصقل والخيال. ربّما
لا يجب أن نتوقّع الكثير من جهاز هو ابن النظام أولاً وأخيراً. ولأنه كذلك
بدا مشغولاً بكيفية مواكبة انتصار النظام على خصومه وإسناده صورياً.
تقريباً لا نملك عن ذاك الصراع اليوم إلا صورة هوليوود ومخيّلتها (الفقيرة)
عنه. لو كنّا نملك أكثر من ذلك لما بدونا عاجزين إلى هذا الحدّ عن إدراك
حقيقة ما حصل بعد «انتهاء الحرب» بتسعة عشر عاماً فقط. في العام 2008 بدت
الصورة مقلوبة ومغايرة كليّاً لكلّ ما عمّمه الابتذال الليبرالي منذ العام
1989. لقد نهض اليسار حينها لسبب بسيط هو أنّه لم يهزم كما أوهمنا الخطاب
المهيمن. أمّا الرأسمالية فشارفت وقتها على الهزيمة لسبب يعتبر بسيطاً هو
الآخر: أنها لم تنتصر. ولأنّ كلّ ما بني على باطل فهو باطل فإنّ دفن تلك
المرحلة برموزها وانتصاراتها الوهمية لم يعد ممكناً فحسب، بل بات ضرورياً
أيضاً. هو ضروري للقول بأنّ الرأسمالية لم تفلح يوماً في إقناعنا بسرديتها.
لم تفلح لا لأنّها لا تريد، بل لعطالتها النظرية ولعجزها عن إنتاج وعي
قادر على اللحاق بالواقع وبديناميته الصراعية. لا يعني ذلك أنّ اليسار قد
انتصر بقدر ما يعني أنّ إمكانية انتصاره قائمة وممكنة. فما دام الصراع
موجوداً ومستمرّاً سيظلّ هنالك مجال لحسمه من أحد الطرفين. وما نعيشه اليوم
من حراك في المنطقة والعالم هو من نتائج استمرار الصراع بين الامبريالية
ودول الجنوب (ليس هنالك من تسمية أفضل للائتلاف المناهض للغرب حالياً). أما
لماذا لم يحسم الصراع بينهما بعد فلذلك أسباب عدّة من أهمّها أنّ ما من
دولة بين دول «المنظومة الاشتراكية» السابقة كانت اشتراكية بالمعنى
الماركسي. كلّ ما في الأمر أنّ دولة كبرى (الاتحاد السوفياتي السابق) قد
انهارت لأنّها تخلّت عن اشتراكيتها، واختارت أن تتحوّل إلى رأسمالية وأن
تخوض مع رأسمالية أخرى أكبر منها صراعاً غير متكافئ بالمرّة. هذا الصراع
بين رأسماليتين واحدة ناشئة وأخرى في الطور الامبريالي حوّلته الامبريالية
الأميركية (عبر التلاعب بصياغته) إلى انتصار لها على «الصيغة الوحيدة
الممكنة للاشتراكية». من هنا نشأت فكرة «هزيمة الاشتراكية أمام الرأسمالية»
وتعمّمت تالياً لتصبح السردية الوحيدة لمآل الحرب الباردة بين
الإمبراطوريتين الأميركية والسوفياتية. مع اتضاح العكس اليوم وانتقال
الصراع إلى داخل الامبرياليات الغربية نفسها (الحراك الراديكالي في اليونان
واسبانيا والبرتغال وايطاليا لا يشي بأقلّ من ذلك) يبدو الأمر مرشّحاً
لتفاعلات لا يمكن حصرها أو توقّعها. وأوّل هذه التفاعلات هي تشكّل الطبقات
الاجتماعية في إطار الصراع القائم واحتلالها صدارة المشهد حالياً. حتى في
الدول التي تشهد انقسامات مغايرة (على أساس طائفي أو قبلي أو جهوي) هنالك
ملامح لطبقات في قيد التشكّل. وإذا أصبح الأمر حقيقة فعلاً، فذلك يعني أنّ
الصراع بين الطبقات سينتقل من دولة إلى أخرى وخصوصاً في الشمال، تماماً
كنظرية «أثر الدومينو» الامبريالية (هكذا تساعد الامبريالية ضحاياها من دون
أن تدري!). استراتيجياً (لهواة النوع) يمكن وضع تطوّر مماثل في خانة إعادة
التوازن إلى العالم بعد هيمنة الامبرياليات الغربية عليه لعقدين من الزمن.
وهذه من الملامح الايجابية «القليلة» الباقية من حقبة الصراع بين الغرب
والاتحاد السوفياتي السابق. أقول ذلك ليس من باب المديح لتلك الحقبة، بل
نكاية بمن حوّلها إلى هراوة يضرب بها كلّ من رفض الاستسلام للخطاب المهيمن
وإمّعاته «الليبرالية».


* كاتب سوري
جريدة الأخبار اللبنانية