المنشور

خريف النَُخَب في ربيع العرب – سليم مصطفى بودبوس

مرّت بعض الدول العربية بهزّات سياسية قوّضت عروشاً ما كان لها أن
تتزلزل أركانُها لولا انتفاضة الشعوب التي خرجت في تونس ومصر وليبيا واليمن
ولاتزال في سورية بين مدّ وجزر مع النظام القائم. وكاد يجزم المتابعون أن
الثورة في تونس فاجأت الجميع بالداخل والخارج، وأن النخب الثقافية
والسياسية كانت في شبه غيبوبة ولم تتوقع غالبيّة النخب العربية الحراك
الشعبيّ الذي أدّى إلى اشتعال فتيل الثورة بدءاً من تونس وانتهاء بسورية.

ونظراً
لشدة الاستبداد في هذه الأنظمة الجمهورية، اقتنع أغلب المثقفين والنخب
السياسية أن التغيير السياسيّ لا يكون في نظرها إلاّ من الداخل، أي من داخل
الأنظمة الحاكمة نفسها، وخصوصاً مع بدء فكرة توريث الحكم كما حصل بعد رحيل
حافظ الأسد في سورية، وكما كان يهيّئ له حسني مبارك في مصر، ومعمّر
القذافي في ليبيا.

وهكذا جاءت الثورات بعيدةً جداً عن تنظير أغلب
النخب الثقافية وانتظاراتها، لأنها لم تتمكن من فهم دقيق وقراءة معمّقة
للحظة التاريخية وما هيّأ لها من أحداث داخلية في الحالة التونسية والمصرية
واليمنية وخارجية في الحالة السورية والليبية.

ولعل أزمة النخب
الثقافية العربية تتلخص في ضعف فهم حركة الجماهير وفشلها في صنع تلك الحركة
وقيادتها، بل وفي دخول العديد من المثقفين في عداءٍ مع حركة الجماهير،
فكانت الثورة، خصوصاً في تونس ومصر، امتحاناً عسيراً للنخب الثقافية
والفنية. وانكشف القناع خلال ذروة الأزمة وقبل سقوط النظام في تونس ومصر عن
وجوه طالما ظنّت الشعوب أنها تدافع في كتاباتها أو أعمالها الفنية عن
المحرومين والـ «الغلابى»، لكن ما كان ذلك إلا قناعاً سرعان ما انكشف وسقط
القناع على القناع على حدّ تعبير الشاعر محمود درويش، وتهاوت تلك القمم
الثقافية والفنية والسياسية بعد أن كانوا في قلوب الجماهير قبل عقولهم.

ومن
أسباب أزمة المثقفين وعدم وعيهم التام باللحظة التاريخية، قلة تواصلهم أو
غيابه أحياناً مع الجمهور، وانعزال المثقف وانشغاله بمعارك فكرية بعيدة عن
اهتمامات الجماهير ومشاكلهم اليومية. وحتى إن تناولها المثقف فقد كان في
أغلب الأحيان عاجزاً عن الإقناع بأفكاره، كما استعصى عليه المسك بهموم
الحياة اليومية والمعيشية للجماهير العربية، وهو ما جعل المثقف يفشل في
بناء خطاب بديل عن خطاب السلطة. وازدادت الفجوة بين النخب والشعوب حتى
اختار المثقفون اتجاهات شتّى: فمنهم من أغرق في العموميات أو التجريد أو
الترف الفكريّ الذي لا يتصل بواقع الحال في البلدان العربية، ومنهم من ظلّ
في برجه العاجي حتى الآن وتخلف عن صناعة التاريخ مع الشعوب، ومنهم من اقترح
– والنظام يلفظ أنفاسه الأخيرة في مصر أو تونس – حلولاً وسطية من قبيل
الإصلاح والإبقاء على الموجود في محاولة لاستيعاب الوضع القائم.

ومنهم
من ظل على خيانته للشعوب ووفائه للسلطة يروّج سياستها ويزيّن للناس
طغيانها، طمعاً في مكانةٍ أرقى بعد إخماد حالات الثورة المتصاعدة آنذاك.

وبحجة
الخوف من المجهول وتصفية الحساب مع الخصوم الفكريين، انحازت بعض النخب من
الليبراليين واليساريين إلى الأنظمة القائمة آنذاك خوفاً من الإسلاميين
الذين استرجعوا جماهيريتهم في العشرية الأخيرة. ومن المثقفين مَن رفضوا
الثورات بحجة عدم جاهزية المجتمع للخيار الديمقراطي. وبهذا وذاك خسرت النخب
الجماهير، وصارت تسير خلف ركبهم خلال الثورات بل تبرّأت منهم الشعوب بشكل
كبير جداً.

إن معظم هذه النخب سقطت في امتحان الربيع العربي، وبعد
انتصار هذه الثورات أخذت النخب تراجع نفسها وتتشكل من جديد في كيانات
ثقافية أو سياسية حتى ليكاد يقول الواحد منا إنها في فترة مخاض عسير قد
يعتبرها البعض فرصةً لاستعادة ثقة الجماهير العربية قد لا تتكرّر مرةً
أخرى.

سليم مصطفى بودبوس
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3825 – الثلثاء 26 فبراير 2013م