المنشور

الربيعُ العربي اضطراباتٌ ضد أسلوبِ إنتاجٍ متخلف

عبرت أحداثُ الثورات العربية عن احتجاجاتٍ لم تبلغ مستوى الوعي تجاه جذور المشكلات التي تعانيها الجماهير العربية.
الأسلوب الانتاجي المعتمد على تصدير مادة خام تعرقلَ أكثر بهيمنة رأسماليات دول شمولية التي هي تعبيرٌ عن تضييع فائض القيمة على النُخب البيروقراطية الحاكمة والأحزاب الحاكمة الجماهيرية، وكلما كانت هذه الآليةُ قويةً استنفد أسلوب الإنتاج نفسه أكثر.


ربما كانت المادةُ الأولية هي الفوسفات أو البترول أو حتى القات أو مجموعة من المواد الصناعية والزراعية، وهي تعطي أسلوباً شبه موحّد لدى هذه الدول، حيث إن المادةَ الخام لا تشكلُ شبكة صناعية اجتماعية سكانية واسعة، فلا تعطي مجالاً لصناعات شعبية تلغي البطالة الواسعة، ولا تدمج الشباب القوة الرئيسية في الإنتاج والعلوم في الاقتصاد، وهذا يترافق مع تحجيم القطاعات الاقتصادية الحرة والإنتاجية الصغيرة، ومع علاقات اجتماعية أبوية، لا تتيح لعمل جماهيري ذكوري متطور فدع عنك الحضور النسائي المأزوم، وهذا يردفه وعي طائفي ديني محافظٌ يقتاتُ على سببياتِ الحِرف لا معرفة القوانين الكبرى للوجود، وكمثالٍ على هذا ما طُرح في وعي المعتزلة منذ ذلك الوقت، فيقالُ من صَنع الطاولة؟ فيكون الجواب هو النجار ومن صنع الكون؟ فيقال هو رب العالمين.


لهذا فإن الوعي المذهبي السياسي المكون بهذه العقلية هو الذي يقفز للسلطات ويعيش إجابات الحِرف، لا أسئلة الصناعات الكبرى والثورة التقنية والعلمية.


فلا يدرك أن أسلوب الانتاج المتخلف هو سبب أزمات الإسكان والانحراف الأخلاقي والإدمان لا الأخلاق والحداثة والتغريب!


شبكةُ صناعات كبرى جماهيرية هي نتاج تراكمات اقتصادية وسياسية تنموية تستطيع حتى رأسمالية دولة شمولية كالصين أن تقوم بها عبر التخطيط خاصة مع توافر قوى العمل الشعبية غير المكلفة كثيراً.


وحتى بدون مادة خام كبرى مهيمنة يمكن إطلاق قوى العمل، لكن شبكات البيروقراطية العربية اتحدت مع مذاهب سياسية محافظة متخلفة حجّمت من قوى العمل الجماهيرية وافتقدت الحيوية في أجهزة الدول.


أسلوب الإنتاج المتخلف عبر سيطرة المادة الخام الرئيسية يتواكب مع قطاعات اقتصادية مفككة، فليس هناك جهاز دولة ديناميكي يستطيع أن يخلق تعاوناً بين هذه القطاعات ويطلق طاقاتها ويخلق خططاً عبر دراسة السوق وظروف التصدير.


المشكلة ليست في الرئيس أو الحزب الحاكم المشكلة في أسلوب الإنتاج وهو الذي شكَّل الرئيس والحزب الحاكم، فعبر فائض اقتصادي وجمود الهياكل الاقتصادية وتوجه الفوائض للرساميل العقارية والخدماتية، يتقلص أسلوب الانتاج حتى يضمر ولا يستطيع أن يلبي كل متطلبات القوى الحاكمة وتبذيرها وسوء إدارتها.


بين السببياتِ المولِّدة للانفجارات والوعي بها مسافاتٌ كبيرة، فأغلبُ الوعي اتجه إلى النتائج لا إلى الأسباب، والوعي الشعبي ووعي النخب، تقلصت الفوارق بينهما، بالتركيز على النتائج التي يجب أن تتغير وترك الأسباب المسببة للنتائج.


غدت المعارك حول الرئيس والدستور والحزب الحاكم وهل هو حزب ديني أم علماني، لا أن يتوجه الصراع حول مَن لديه خطة لتغيير أسلوب الانتاج المريض، ومن يقدر على إدارة البلاد بكفاءات نزيهة حصيفة تتجه لمولدات الانتاج الضعيفة والمعطلة وتحركها.


وكم يقدر هذا الحزب على تفعيل الانتاج بدرجة ثلاثة أو درجة خمسة وتكون نتائجه في تشغيل الناس كذا، فيعرف معدلات الأجور والأسعار والإدخار، والحزب المنافس يطرح أرقاماً مسئولة أخرى وتكون المباراة حقيقية في صناديق الاقتراع ونتائج الانتاج.


بهذا تحولت الثورات إلى اضطرابات فلم تحدث نقلة في الطبقة الحاكمة للرأسمالية الحكومية البيروقراطية المتكلسة، التي يجب هي كذلك فصلها عن الإدارة وتوجيهها للعمل والانتاج الخاص لا للتحول إلى عدو يتسلل كما حصل ويصير جزءًا من الأحزاب الدينية الحاكمة عبر تغيير ديكور وجهه ووضع مسبحته في يده.


تراكضت الإداراتُ نحو استغلال الشركات العامة للشركات الخاصة وتضييع الفوائض الاقتصادية على الجماعات الحاكمة وبقاء نمط إنتاج المواد الخام وبقاء التخلف والأمية والثقافة الاستهلاكية السوداء مما ينتج جماهير أكثر تخلفاً وغضباً وفوضوية