المنشور

في ذكرى رحيل ابن البحرين محمد جابر صباح


ما أسرع مرور الوقت وكأننا فقدناه بالأمس – تمر هذه الأيام الذكرى
الأربعون لرحيل المناضل الوطني وأحد نواب كتلة الشعب في أول برلمان بعد
الاستقلال محمد جابر صباح. ترك رحيله لوعة وألماً في قلوب أهله ورفاقه
وأصدقائه ومعارفه الكثيرين. وانعكس ذلك في الحضور الكبير يوم التشييع في
مقبرة المحرق.






بو جابر ومنذ صباه كان يعمل على خدمة بلده وأبناء شعبه،
يسعى لتحقيق استقلال البحرين وبقية دول الخليج العربية وصولا الى الاتحاد
فيما بينها، ينعم فيه شعبه بالسيادة الوطنية والحرية والديمقراطية
والازدهار الاقتصادي.


ولذلك لم يتوانَ بو جابر عن البحث عن أفضل الطرق
لتحقيق هذه الأهداف وانتقل من قناعة الى قناعة دون تردد أو تعصب لقناعاته
السابقة حتى استقر بشكل نهائي ضمن جبهة التحرير الوطني. وكان ما يميزه في
كل تلك المراحل هو الانتماء الوطني والقومي والتقدمي العابر للطائفية.
تعاطف
مع حركة هيئة الاتحاد الوطني سنة 54-1956 التي تأثربها كثيرا وساهم بنشاط
في انتفاضة مارس 1965 ضد الاستعمار من أجل الاستقلال والاصلاح الديمقراطي.
كما ساند الحركة العمالية في بداية السبعينات وانتخب في المجلس الوطني سنة
1973 ضمن قائمة كتلة الشعب، حيث عمل مع بقية رفاقه والنواب الوطنيين لتحقيق
المزيد من الاصلاحات نحو التحول الديمقراطي في البلاد.


ولم تستطع
الملاحقات والاعتقالات، بعد حل المجلس الوطني في صيف 1975، أن تثنيه عن
قناعاته، فأكمل نشاطه بإصرار في حراك التسعينات وساهم في العريضة النخبوية
والعريضة الشعبية مع سائر رفاقه من أجل تحقيق الانفراج السياسي والإصلاح
الديمقراطي. وفي نفس الوقت كان يرفض كل الشعارات والأفعال المتطرفة وكذلك
الأطروحات الهلامية الغير واضحة المطالب في الدفاع عن مصالح الشعب، التي
بدأت تبرز في تلك المرحلة.


ومع استلام جلالة الملك الحكم وطرح مشروعه
الإصلاحي وما أثاره من نقاشات وحوارات بين مختلف القوى السياسية وقبولها
المشاركة بالتصويت على ميثاق العمل الوطني ومنها جبهة التحرير الوطني دعم
بو جابر المشروع الاصلاحي وكان طوال السنوات الماضية مؤيدا لمنجزات الإصلاح
ومعارضا إيجابيا ينتقد السلبيات في المجتمع والدولة للنهوض بهما. وواصل
مساهماته في التحول في العمل السياسي العلني في البلاد. فكان من مؤسسي
جمعية العمل الوطني مع رفاق آخرين من جبهة التحرير اقتناعا بضرورة توحيد
القوى الوطنية واليسارية. وعلى أثر فشل تلك المساعي تم تأسيس المنبر
الديمقراطي التقدمي وكان بو جابر من مؤسسيه. وتقديرا للتاريخ النضالي
الطويل لمحمد جابر قرر المؤتمر التأسيسي تشكيل هيئة استشارية من قدامى
مناضلي الجبهة برأسته ليكون عونا لمجلس إدارة المنبر في أول تجربة له في
العمل العلني بعد عقود من العمل السري.


وتجدر الاشارة هنا ان المنبر كان
أول جمعية سياسية يتخذ مثل هذا القرار وفيما بعد اتخذت بعض الجمعيات نفس
القرار وشكلت هيئاتها الاستشارية. إلا ان الهيئة الاستشارية للمنبر، ورغم
الأسبقية، لم ترَ النور أبدا لأن مجلس الإدارة الذي خوله المؤتمر لمناقشة
وتحديد أعضائها عمليا أجهض هذا القرار بسبب بعض أعضائه الرافضين ضمنا لهذا
القرار.


وما دعاني للتطرق الى هذا الموضوع هو ان المنبر في إحدى
إصداراته الأخيرة بعد وفاة بوجابر ذكر عنه انه كان رئيسا للهيئة الاستشارية
دون الإشارة الى ان هذه الهيئة لم تبرز للوجود من باب الدقة. ولذلك اقتضى
التأكيد على هذه الحقيقة لإزالة اللبس.


هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى
فلا اعتقد ان بو جابر سيزيد أو سينتقص من دوره النضالي الوطني الكبير رئاسة
هيئة بقيت حبراً على ورق المؤتمر التأسيسي، لأنه كما عرفته لم يكن يوما
يطمح لمنصب. كان همه أن المنبر يقوى ويزيد من قدراته ونشاطه لأجل العمل
لخدمة الشعب وتعزيز مكتسباته. ولذلك كان حريصا وصريحا في مناقشة السلبيات
في المنبر والعمل على تصحيحها.


واستمرارا لهذا النهج كان موقفه من أحداث
فبراير 2011، وقد رأيت مدى قلق بوجابر مع بداية تلك الأحداث وتحذيره
الدائم من الشعارات المتطرفة والتصعيد غير المبرر، ومطالبته قيادة المنبر
بمراجعه موقفها واتخاذ موقف يرفض التصعيد والشعارات والمطالب غير الواقعية
التي تشق الصف الوطني وتقسم الشعب. وكان ضمن العشرات من المنبريين الذين
طالبوا بالالتزام ببرنامج المنبر ونظامه الداخلي والرجوع الى الجمعية
العمومية لمناقشة مستجدات الأحداث واتخاذ موقفا موحدا منها. وللأسف لم يحصل
هذا في حينه مما أدى الى تعميق الخلاف في المنبر واستقالة وانكفاء العشرات
من المنبريين والعديد من كوادر وقدامى المناضلين. وللأسف الشديد رحل
المناضل الوطني العنيد بو جابر وفي حلقه غصة مؤلمة على أوضاع المنبر دون
الاهتمام الواجب بها من قبل المعنيين، وكذلك على الانقسام العميق الذي أصاب
نسيج مجتمعنا البحريني لم يرى تاريخ البحرين مثيلا له بسبب الفتنة
الطائفية البغيضة.


لذلك كان الراحل في أيامه الأخيرة، ورغم معاناته من
اشتداد المرض عليه، يحمل هم الوطن والمنبر ويصر في أحاديثه لكل من يزوره من
الرفاق على الحديث عن المنبر وضرورة استعادة وحدته ومكانته الطليعية
بأفكاره الوطنية التقدمية العابرة للطوائف، ليتمكن من درء الفتنة الطائفية
وخدمة الشعب كل الشعب والوطن كل الوطن. وذلك عبر الالتزام بالنظام الداخلي
وبرنامج المنبر لتحقيق المطالب الشعبية لإصلاح المجتمع والدولة وتعزيز
المكتسبات الديمقراطية ومجلس منتخب كامل الصلاحية عبر انتخابات عادلة
وتحسين مستوى معيشة المواطنين ومكافحة الفساد والحفاظ على المال العام ووقف
تدمير البيئة وتلوثها ومكافحة الأمراض الناتجة عنها وغيرها الكثير.


تلك
كانت هموم رفيقنا الراحل المناضل الوطني محمد جابر ووصيته والتي شاركناه
بها ونؤكد عليها ونتذكرها في أربعينيته وسنستمر في النضال من أجلها.


رحلت يا بو جابر جسدا ولكنك ستبقى في ذاكرة شعبنا وفي قلوب محبيك.