المنشور

أين أصوات الإعتدال الديني؟

بات الواحد منا خلال ساعات اليوم الأربع والعشرين عرضة لجرعات فوق طاقته على التحمل من الغلواء المذهبية، ودعوات التحريض والتكفير والفرقة وبث الكراهية والبغضاء التي تأتيه من مصادر شتى وعبر جميع وسائل الاتصال المتاحة.


فإن نجوت بنفسك من مشاهدة محطة فضائية تحرض على الفتنة، وتحث على الاقتتال بين المسلمين، وتنال من الناس في أشخاصهم وأعراضهم بما لايقبله ذوق سليم ولا فطرة سوية ولا تشريع ينظم العلاقات بين الأفراد والمجموعات، وإن تحاشيت، متعمداً واعياً، قراءة مقالات تشي عناوينها وأسماء من يُسود سطورها، بأنها تصب في طاحونة الشحن البغيض، ستداهمك رسائل التحريض ذاتها عبر «برود كاست»، من هنا أو هناك، على هاتفك النقال، أو تغريدات مسمومة على «توتير» أو سواها من وسائط، للدرجة التي تجعلك، في لحظات غضبك من هذا كله، أن تلعن هذه الوسائط ، لا لعلة فيها، وإنما في الأشرار الذين حولوها أدوات لتحريض أبناء أمة الاسلام على أن يكرهوا بعضهم بعضاً، ويشدوا الأصابع على الزناد تمهيداً لأن يجهز الواحد منهم على الآخر، اخيه في الدين واللغة والثقافة والتاريخ والأرض الواحدة.


وأعرف أشخاصاً ممن فقدوا صبرهم على تحمل تلقي هذا النوع من الرسائل، فأعلنوا عن انسحابهم من مجموعات اليكترونية، تصلهم عبرها مثل هذه الخطابات على نحو ما فعلت رئيسة جمعية الاجتماعيين الدكتورة هدى المحمود التي أعلنت انسحابها من إحدى المجموعات التي تضم نخبة من السياسيين والنواب وقادة الجمعيات السياسية والكتاب، ممن يفترض فيهم الترفع عن خوض سجالات تفوح منها الرائحة المذهبية، لكنهم، رغم ذلك، لم ينجوا من هذا الوباء المدمر الذي يجتاح مجتمعنا الصغير كما يجتاح عالمنا العربي والإسلامي كله. 


قرأت لأستاذ تونسي، هو رئيس الرابطة التونسية للتسامح صلاح الدين المصري؛ قولاً في ندوة نظمت في تونس منذ نحو عام يصف فيها التسامح مدخلا أساسيا لترسيخ حالة الحوار والنقد وتبادل الاعتراف بين الجميع ونشر ثقافة الاختلاف كما أننا نستلهم قيمة التسامح من التراث الإنساني والبشري ومن تراث الحضارة الإسلامية التي تجسد التسامح مع روح العفو والاعتراف بالآخر في سيرة الرسول، محذراَ من تحول الانتماءات الفرعية إلى انتماء أصلي يطغى على الانتماء الوطني وحتى يكون الانتماء منفتحا معتدلا وليس منغلقا متشددا. 


في مثل هذا الجو المحتقن، المسموم، الموبوء، المعبأ بالهواء الفاسد، والخالي من «اوكسجين» التسامح، يبرز سؤال موجع عن دور ومكانة دعاة هذا التسامح والإعتدال الديني ممن حباهم الله حسن البصيرة وبعد النظر ورجاحة العقل. أين هؤلاء؟، أين ذهبوا؟، أين تواروا؟، كيف سمحوا لأقزام الفتنة أن تطغى على قاماتهم التي عرفت بأنها رموز للاعتدال والحكمة والغيرة على مصالح البلاد والعباد؟


كيف حدث أن أخليت المنابر الدينية، وغير الدينية، لأشباه الفقهاء وأنصاف المتعلمين والجهلة الغرباء عن تاريخ وحاضر دينهم وثقافة مجتمعاتهم بأن يتصدروا المشهد، ويملأوا الفضاء بفحيح وسموم الأفاعي القاتلة التي تدفع الشبان نحو التهلكة ومصائر الأوطان نحو الفتنة والخراب؟ وأين أولي الأمر من هؤلاء، أيرضيهم أن تنزلق الأمور هذا المنزلق الخطر الذي ليس بعده، سوى السديم.