المنشور

في التطورِ العربي العام

الدول العربية ذات مستويات تطور مختلفة، وهي مشدودة ككل دول العالم إلى
التطور التحديثي العلماني الديمقراطي، ونرى الآن كيف أن فرنسا هي قمة
التطور الصراعي الاجتماعي الديمقراطي الحديث، حين نضج هذا التطور خلال
القرون الثلاثة الأخيرة، وكون هذا المستوى الذي هو محصلة لمستويات التطور
الاقتصادية الاجتماعية الثقافية الطويلة.


ومن هنا نرى النموذج التونسي
ومقاربته لهذا التطور وكيف راح الصراع الاجتماعي يتبلور، فالطبقتان
البرجوازية والعمالية واضحتان وضوحاً سياسياً كبيراً، فمنظمات قوى رأس
المال والمصالح الخاصة، متبلورة مثل منظمات العمال والحرفيين والشغيلة
عامة.


أحزاب اليسار وأتحاد الشغل تعبر عن الانفصال الاقتصادي الفكري
الذي لم يكتمل تماماً، فالفئات الوسطى الصغيرة وجمهور من الشغيلة كذلك لا
تفرق بين الوعي الديني والحقيقة، فالوعي الديني الإسلامي المحافظ هو شكل
الحقيقة لديها، ومن يعتنقه يعبر عن الناس ككل كما تتصور في وهمها
الأيديولوجي.


ولهذا فرغم ظروف عيشها الصعبة ومعاناتها من الاستغلال
الحكومي حيث الرأسمالية الحكومية البيروقراطية مركز الاستغلال في العالم
الشرقي، فإنها تؤيد هيمنة استغلالية جديدة على هذه المُلكية العامة وقد
كانت باسم الحزب الدستوري وتغدو الآن باسم حزب النهضة.


وقد ساهم وعي
اليسار الجامد في هذا الوهم، فلم يفهم الإسلام الحالي كأشكال محافظة مذهبية
معبرة عن الطبقات العليا الاستغلالية القديمة وبعض التفسيرات الجديدة
المحدودة، وبالتالي كان لا بد أن يمتلك تفسيره الشعبي النقدي لرؤية
الإسلاميين، لأن اليسار الديمقراطي هو وريث كل التجليات الشعبية المناضلة
عبر التاريخ، ولهذا يهتم بكل الحقب التاريخية دون أن يذوب في مستوياتها
الفكرية، وهو أمرٌ لا ينفصل عن علمانيته، وفصله الدين عن السياسة، وهو
موقفٌ مركب دقيق كذلك.


التبلور الفكري الناضج في تونس يحتاج لخلخلة
الوعي المذهبي السياسي المحافظ واكتشاف جمهور النهضة لمصالحهم الطبقية
المختلفة، وتجاوز الصيغة المحافظة هي مسألة قراءات معمقة في التراث وفي عمق
الصراع السياسي الراهن.


هذا التبلور بين الطبقتين الحديثتين نجده
يتقارب في مصر والمغرب، ومصر استطاعت إحداث قفزة، لكن جمهور العمال
والبرجوازية أو الفئات الوسطى عامة، متداخل هنا مع أجهزة الدولة، وإذ راح
يبلور أيديولوجيته السياسية التحديثية في الدستور الجديد لا يزال يصارع من
أجل هذه البلورة والانتماء الراسخ للديمقراطية الحديثة على النمط الفرنسي
المتبلور.


إن خروج الصراع الطبقي إلى الوضوح وإلى المؤسسات الديمقراطية
الحديثة، وقد منعته مخاوفٌ أسطورية رهيبة خلال قرون، هو الحل السياسي
المعاصر للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية.


والأيديولوجيات الدينية هي
ضبابٌ فكري سياسي راجع للعصور الماضية، وحين تتكثف وتمنع الرؤى الاجتماعية
والطبقات والفئات من اكتشاف مصالحها والدفاع عنها بشكل حضاري تُحدث صراعات
مَرضية في المجتمعات تدفعها للانهيار، فبدلاً من المصالح الحقيقية
المتعارضة تظهر مصالح ذاتية معرقلة هي تدخلات الدول ونَزعاتها الدينية
والقومية المعبرة عن قوى بيروقراطية وعسكرية وتقليدية.


لهذا فإن تبلور
هذا المستوى من التطور الاجتماعي السياسي في بعض دول شمال أفريقيا العربية
لم يصل لدول المشرق العربي الإسلامي، الذي راح يغوص في صراعات ما قبل
الحداثة، فالطبقتان الحديثتان المتبلورتان لم تظهرا على مستوى الخرائط
الوطنية بوضوح من خلال أشكالها السياسية الاجتماعية وحضورها في المؤسسات
العامة.


ولهذا فإن كثافة حضور المنظمات الدينية المذهبية القومية المتصارعة يجسد هذا التخلف على المستوى الاقتصادي الاجتماعي.


فهذه المنظمات لا تريد التعبير عن فئات بل كذلك عن مذاهب كلية وقوميات لم
تتبلور وتعيش في اضطرابات خلال قرون، وهي بهذا تجرُّ الخرائطَ الوطنية
للتمزق والحرق في أثناء انسحابها للعصور الوسطى.


إن منظمات أرباب العمل
والعمال خاصة في مستوياتها السياسية النقابية لم تتبلور وتغدو ذات أهمية
وطنية، كما يحدث في تونس عبر تضامن ووحدة مؤسسات أرباب العمل وإتحاد الشغل
على المستوى السياسي الوطني، مع وجود المصالح المتباينة على المستوى
الاقتصادي.


إن الدينيين ذوي العقلية المحافظة يفرضون نفوذهم في المشرق ،
معطين الصراعات الاجتماعية البسيطة أشكالاً مذهبية وقومية رهيبة غير ممكنة
الحل خوفاً من ظهور أشكال الحداثة الديمقراطية التي تنزع سلطاتهم المتكلسة
عبر قرون.