المنشور

دور النيابة العامة في ضمان حقوق المتهم (2)

لما كانت حقيقة وظيفة النيابة هي اتخاذ الاجراءات في كل جريمة تُبلّغُ
إليها، طالما توافرت العناصر القانونية لتلك الجريمة وفقاً للتطبيق الجاد
للشرعية واحترام القانون، بأن تبدأ في التحقيق، وتُحيل الدعوى بعد ذلك
للمحكمة لتطلب منها معاقبة المتهم الذي أحالته بموجب الدعوى الجنائية، بعد
تمام استجوابه، فلابد أن يُفصِحَ ممثل النيابة عن صفته للمتهم بعد أن يتحقق
ممثل النيابة ذاته من شخصية المتهم قبل الشروع في استجوابه. والمتهم هو
الخصم المقابل للنيابة في الدعوى الجنائية، سواء فاعلاً أصلياً للجريمة أم
شريكاً لفاعلها الأصلي. ويشترط فيمن توجّه له التهمة أن يكون سليماً في
قواه العقلية كي يكون قادراً على الدفاع عن نفسه أصالةً أو من خلال مدافع
يختاره أو يقبله، فإن كان المتهم مجنوناً أو مصاباً بعاهة تُقعده عن الدفاع
عن نفسه، تعيّن على النيابة أن تُصدر أمراً بألا وجه لإقامة الدعوى
الجنائية؛ لانعدام المسئولية، مع وجوب إيداع المتهم الذي منعت العاهة
العقلية من إقامة الدعوى الجنائية ضده، إحدى المحال المُعدة للأمراض
العقلية، وهو أمر وجوبي يكون إغفاله مُعيباً للأمر أو الحكم بألا وجه
لتحريك الدعوى العمومية.
وبعد التحقق من شخصية المتهم وعدم وجود مانع
مما تقدم في شخصه، تشْرَعُ النيابة في استجوابه فيما هو منسوبٌ إليه على
نحو تفصيلي وصولاً لتوجيه التهمة له ومواجهته بالأدلة القائمة ضده، ويجب
على النيابة العامة، وهي تباشر التحقيق مع المتهم مراعاة ما يلي :
1.
ليس لممثل النيابة، في سبيل الوصول للحقيقة، أن يعمد لخداع المتهم بالكذب
أو الاحتيال عليه؛ لما في ذلك من تضليل للمتهم يمس حريته في إبداء أقواله.
2.
معاملة المتهم بأدبٍ واحترام لحقوقه الإنسانية وصولاً للحقيقة، مع تمكين
المتهم من إبداء أقواله في حُرية تامة بعيداً عن التعذيب أو المعاملة
الحاطة بالكرامة، فقد يتعرض المتهم أثناء الاستجواب لمؤثرات عدة، منها
الوعد والإغراء بالإفراج عنه أو بتحسين مركزه في المحاكمة، فتتأثر حريته
بين الإقرار والإنكار؛ وهو لذلك سببٌ للارتياب في الاعتراف المتولد عن ذلك
الاستجواب، يُهددُ قوته كدليل. ويزداد الوهن الذي يلحق ذلك الدليل إذا حصل
التأثير على إرادة المتهم من خلال الإكراه المعنوي بتهديده. فالوعيد
والتهديد يُنقِصُ من حرية المتهم في اختيار ما يقول؛ لأنه يُنذر بالشر إن
لم يوجّه الخاضع له إرادته للسلوك المطلوب، ومن قبيل ذلك تهديد المتهم
الخاضع للتحقيق بقتله أو تسليمه لأهل المجني عليه لينتقموا منه، أو بالقبض
على عزيزٍ له، حيث نصت الفقرة (د) من المادة العشرين من الدستور على أنه
«لا يُعرّض أي إنسانٍ للتعذيب المادي أو المعنوي، أو للإغراء، أو للمعاملة
الحاطة بالكرامة، ويُحدد القانون عقاب من يفعل ذلك. كما يبطُل كل قول أو
اعتراف يثبتُ صدوره تحت وطأة التعذيب أو بالإغراء أو لتلك المعاملة أو
التهديد بأي منها.
3. عدم جواز انتهاك خصوصية المتهم باستراق السمع على
حديثه مع أهله أو محاميه، ولا بتعريضه للوسائل الفنية أثناء الاستجواب حتى
لو وافق هو على ذلك؛ لما فيها من مساس بحقه كإنسان في سلامة جسمه مادياً
ومعنوياً، وهو حقٌ لا يملك التنازل عنه؛ لكون حياة الفرد تندمج مع حياة
المجتمع اندماجاً غير قابلٍ للإنفكاك. وعدم الاعتداد برضا المتهم هنا مردّه
أن الرضا يفترض حُرية الاختيار والقرار، وهو ما لا يمكن الزعم بتوافره
لمتهم يخوض خطر أن تكون نتيجة استعمال تلك الوسائل ضده؛ وهي نتائج لا يمكن
افتراض قبول البوح بها، وإلا فما الذي حال بينه وبين البوح بها دون إخضاعه
لتلك الأجهزة الفنية.
4. عدم إرهاق المتهم باستجواب مطول؛ لأن الاستجواب
إجراءٌ غير مشروع من إجراءات التحقيق، فلا يكون ما ترتب عليه صحيحاً ما لم
يكن متوافقاً مع القانون، ولكون إطالة الاستجواب تضعف معنويات المتهم
وتقللُ من حدة انتباهه أثناء إجابته على أسئلة ممثل النيابة، فيحمله على
الاعتراف، أو الإدلاء بقول ليس في صالحه. وقد أوصت اللجنة الدولية للمسائل
الجنائية بتحريم إخضاع المتهم لاستجواب مطول، دون السماح له بالراحة
والتغذية الطبيعية والنوم في الأوقات المناسبة. وقد استقر الفقه والقضاء
الجنائي المقارن على اعتبار الاستجواب المطول من وسائل التعذيب غير العنيف؛
لأنه يُضعفُ إرادة المتهم، بحيث يجعلُ الاعتراف المترتب عليه جديراً
بالبطلان.
5. للمتهم أن يصمت ويرفض الكلام أو الإجابة على أسئلة ممثل
النيابة خشية الإدلاء بأقوالٍ تضره، وذلك حق مُستمدٌ من حريته في إبداء
أقواله، وقد أكدت هذا الحق التشريعات المقارنة، فأوجبت المادة (78) من
القانون الإيطالي على ممثل النيابة أن يُخطِرٓ المتهم بحقه في الصمت؛ وزاد
على ذلك القانون الهندي فاستوجب أن يُعلن المتهم استعداده للاعتراف بأن
أقواله قد تستخدم ضده أثناء محاكمته مع منحه مهلة (24) ساعة للتفكير.
وقد
قضت محكمة النقض المصرية بأنه طالما كان صمتُ المتهم وامتناعه عن الإجابة
استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون، مستمدٍ من حريته في إبداء أقوال، فلا
يجوز للمحكمة أن تستخلص من صمت المتهم قرينة ضده.
6. دعوة محامي المتهم
للحضور مع موكله، فقد نصت الفقرة (ج) من المادة (20) من دستور البحرين على
أن‌ المتهم بريءٌ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمّن له فيها
الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة
وفقاً للقانون. في حين قررت الفقرة (هـ) من ذات النص أنه: «يجب أن يكون لكل
متهم في جناية محامٍ يدافع عنه بموافقته».
ولاشك أن كلمة جميع مراحل
التحقيق الواردة في النص الدستوري تشمل الفترة التي يكون فيها المتهم في
عُهدة النيابة، عملاً بدلالة كلمة (جميع) التي لا يُفهم منها سوى الإطلاق
والاستغراق، لكن الفقرة (ج) توحي بأن الوجوب مقصورٌ على حالة كون التهمة
جناية وعلى ذلك جرت أحكام المحاكم في تفسير ضيق ضار بمركز المتهم الذي تقضي
الفلسفة القانونية الجنائية حملها لصالح المتهم وليس بما يضره!
وبذلك
جرى حكم المادة (134) من قانون الإجراءات الجنائية التي تُقرر أنه «في غير
حالتي التلبس والاستعجال بسبب الخوف من ضياع الأدلة، لا يجوز لعضو النيابة
العامة في الجنايات أن يستجوب المتهم أو يواجهه بغيره من المتهمين أو
الشهود إلا بعد دعوة محاميه للحضور إن وجد. وعلى المتهم أن يُعلن اسم
محاميه بتقرير في قسم كتاب المحكمة أو إلى مأمور السجن، كما يجوز لمحاميه
أن يتولى هذا التقرير».
ولا يجوز للمحامي الكلام إلا إذا أذن له عضو
النيابة العامة، وإذا لم يأذن له وجب إثبات ذلك في المحضر». ويتطابق النص
البحريني المتقدم مع النص المصري الذي بعد أن جعل حضور المحامي مع المتهم
في تحقيقات النيابة وجوبياً، عاد ليفرغَ ذلك الوجوب من محتواه، باستيجاب
دعوة المحامي للحضور، إن وجد!
وتستطرد المطابقة مع النص المصري في جعل
حق المحامي الذي اعتبر القانون حضوره وجوبياً، إن وجد! وغالباً لا يكون
موجوداً، كما وقد أنيط بممثل النيابة سلطة الإذن للمحامي بالكلام؛ مما
يمكِّن ممثل النيابة من أن يجعل حضور المحامي مع المتهم الخاضع للتحقيق في
جناية، مجرد ديكور أو شكل يُضفي مشروعية ظاهرية على تحقيقات النيابة مع
المتهم بجناية. وقد بالغت النيابة العامة في فهم هذا الجواز الممنوح لها
على سبيل الرخصة ومارسته كما لو كان عزيمةً واجبة! وهو خلاف ما قصده المشرع
وما نهجته العهود الدولية ذات العلاقة، والتي انضمت إليها البحرين، وأصبحت
جزءاً من نسيجها التشريعي، بل لا نُغالي إن قلنا إنها تعلو على التشريع
الوطني؛ ولذلك يتعين على عضو النيابة المباشر للتحقيق أن يدعو محامي المتهم
في جناية على الأقل، إن وُجد، وإثبات ذلك بمحضر التحقيق، وإثبات عدم وجود
المحامي بعد سؤال المتهم، ولن يضير التحقيق التريث لحين حضور المحامي بعد
دعوته في وقت مناسب، وانتظاره الوقت المناسب، مهما كانت سرية التحقيق
وتعجُل النيابة في الفراغ من ذلك التحقيق؛ لما في ذلك من شهادة على سلامة
التحقيق ونزاهته، ودفعٍ للقيل والقال.
على أنه لا ينبغي أن يتبادر إلى
الذهن، بأن الفهم الضيق لحق المتهم في حضور مدافعٍ عنه، والذي يُقصَرُ على
حالة التحقيق معه في جناية، ليس معناه منع محاميه من الحضور معه حتى لو كان
متهماً في جُنحةٍ، فلا يصحُ منعه من الحضور.
وانطلاقاً من كون النيابة
العامة هي الخصم الشريف، والحارس الذي مهمته سيادة القانون، فينبغي ألا
ينحرف عضو النيابة بسلطته المقررة بالفقرة الثانية من النص التي تمنع
المحامي من الكلام إلا إذا أذِنَ له عضو النيابة، بأن يسمح للمحامي
بالتداخل كلما أراد، وكان ذلك لمصلحة التحقيق كما تطلب القانون والعهود
الدولية التي غايتها دائماً الحفاظ على حقوق المتهم كإنسان، وأهمها حصوله
على مُحاكمة منصفة وفقاً للمقرر بالمادة (14) من العهد الدولي للحقوق
المدنية والسياسية، والتي لا تتحقق بغير ضمان حق المتهم في الحصول على
مدافع يختاره أو يقبله، في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة .
7. جرى نص
المادة (135) من قانون الإجراءات الجنائيةِ على أنه «يجب أن يمكّنَ محامي
المتهم من الإطلاع على التحقيق قبل الاستجواب أو المواجهة بيومٍ على الأقل
ما لم يقرر عضو النيابة العامة غير ذلك». ولتعزيز دور النيابة العامة في
توفير ضمانات المتهم، ومن باب حُسن الصناعة التشريعية، كان يتعين أن يتطلب
نص القانون هنا أن يُسبب عضو النيابة قراره في هذه الحالة.
وفي جميع
الأحوال لا يجوز الفصل بين المتهم ومحاميه الحاضر معه أثناء التحقيق، فهما
يُعتبران من جهة الحضور شخصاً واحداً بحسب عبارة الأستاذ الفقيه رؤوف عبيد؛
مما مقتضاه ولازمه أن ظهور المحامي في دور إيجابي مع المتهم يحقق مزيداً
من الضمانات التي تطلبها الدستور والقوانين المحلية، والعهود والمواثيق
الدولية الخاصة بحقوق الإنسان التي تعلو مرتبة على التشريع الوطني لو
تعارضا، كما تدفع عن إجراءات التحقيق شبهة مخالفة القانون، وتُحصِنُها من
الدفوع بالبطلان، أثناء فترة المحاكمة، على أساس مُخالفة الشرعية
الإجرائية. (يتبع).

عبدالله الشملاوي