المنشور

المادة (1 البند هـ) من الدستور ومفهوم المشاركة في الشئون العامة

نواصل ما بدأناه في مقالنا السابق من عرض الأسباب التي ركنت إليها
المحكمة الدستورية في قرارها على نص المادة (1 /هـ) من الدستور الذي قضى
بأن «للمواطنين، رجالاً ونساءً، حق المشاركة في الشئون العامة والتمتع
بالحقوق السياسية، بما فيها حق الانتخاب والترشيح، وذلك وفقاً لهذا
الدستور وللشروط والأوضاع التي يبينها القانون. ولا يجوز أن يحرم أحد
المواطنين من حق الانتخاب أو الترشيح إلا وفقاً للقانون». فاستظهرت إرادة
المشرع الدستوري على نحو مغاير لما قصده وعناه فقررت أن هذا النص جعل من
الاستفتاء وانتخابات مجلس النواب مناطاً لهذا الحق وناطقاً، بدلالة كما
تقول المحكمة مقتضى نص المادة 43 من الدستور التي نصت على «للملك أن يستفتي
الشعب في القوانين والقضايا الهامة التي تتصل بمصالح البلاد، ويعتبر موضوع
الاستفتاء موافَقاً عليه إذا أقرته أغلبية من أدلوا بأصواتهم، وتكون نتيجة
الاستفتاء ملزمة ونافذة من تاريخ إعلانها، وتنشر في الجريدة الرسمية»، ونص
المادة (56) التي نصت على «يتألف مجلس النواب من أربعين عضواً يُنتخبون
بطريق الانتخاب العام السري المباشر وفقاً للأحكام التي يبينها القانون».
وصولاً إلى القول بأن قانون مباشرة الحقوق السياسية الصادر بمرسوم بقانون
14 لسنة 2002 قد ورد مقتصراً على التنظيم التشريعي لانتخابات مجلس النواب،
وخلا من ثمة إشارة إلى الانتخابات البلدية، إذ نص في مادته الأولى على ما
يلي: «يتمتع المواطنون رجالاً ونساء بممارسة الحقوق السياسية الآتية: إبداء
الرأي في كل استفتاء طبقاً لأحكام الدستور، انتخاب أعضاء مجلس النواب،
ويباشر المواطنون الحقوق سالفة الذكر بأنفسهم وذلك على النحو وبالشروط
المبنية بالقانون». واعتبرت أن مؤدى ما سلف أن الدستور قد عهد إلى المشرع
تحديد أداة تشكيل هيئات الإدارة البلدية في سياق ما يستقل بتقديره من
اعتبارات تستهدف المصلحة العامة.

قرار المحكمة تجاهل مفهوم المشاركة بالشئون العامة

ورأينا
فيما سلف يتلخص في أنه لا صحة على الإطلاق أن نص المادة (1/هـ) من الدستور
سالف الإشارة إليها جعلت من الاستفتاء وانتخابات مجلس النواب مناطاً لهذا
الحق وناطقاً، فهذا النص قد نصّ بوضوح على أنه «للمواطنين، رجالاً ونساءً،
حق المشاركة في الشئون العامة…»، ومفهوم إدارة الشئون العامة مفهومٌ
واسعٌ لا يقتصر على التمتع بالحقوق السياسية بل يشمل شتى أوجه الإدارة
العامة، كما يخص تحديد وتنفيذ السياسة العامة التي ستتبع على الأصعدة
الدولية والوطنية والإقليمية والمحلية. ومشاركة المواطنين في إدارة الشئون
العامة بصفة مباشرة، لا يقتصر على اختيار دستورهم أو تعديله، أو البت في
مسائل عامة عن طريق الاستفتاءات الشعبية أو انتخاب المجالس التشريعية بل
يشمل حق المواطنين في أن يشاركوا مباشرة بانضمامهم إلى المجالس الشعبية
المخولة بسلطة اتخاذ القرارات في المسائل المحلية أو في شئون جماعة معينة،
وبانتسابهم إلى هيئات تنشأ بالتشاور مع الحكومة لتمثيل المواطنين.

ويجب،
حين يقر الدستور بحق المواطنين في المشاركة في الشئون العامة، ألا يميز
القانون حين ينظم هذا الحق بين المواطنين، وألا تفرض عليهم قيود غير
معقولة، فهذه المشاركة وضرورتها لا تقتصر على مواطن محدد، إذ هي حق للجميع
وواجب على الجميع. وعلى هذا الأساس فإن إرادة المشرع في المادة الأولي
البند (أ) من الدستور لم تنصرف إلى حصر الحق في الانتخاب والترشيح في مجلس
النواب أو في الاستفتاء كما ذهبت المحكمة الدستورية في قرارها، بل انصرفت
أيضاً إلى حق المواطنين في أن يشاركوا مباشرة بانضمامهم إلى المجالس
الشعبية المخولة بسلطة اتخاذ القرارات في المسائل المحلية. ولا ينال من ذلك
ما استندت عليه المحكمة الدستورية من قول بأن قانون مباشرة الحقوق
السياسية الصادر بمرسوم بقانون 14 لسنة 2002 قد ورد مقتصراً على التنظيم
التشريعي لانتخابات مجلس النواب، وخلى من ثمة إشارة إلى الانتخابات
البلدية، ذلك أن قانون مباشرة الحقوق السياسية يظل قانوناً شأنه شأن أي
قانون آخر قابلاً للعوار، والطعن عليه بعدم الدستورية، وعدم النص في هذا
القانون على الانتخابات البلدية لا يعني إطلاقاً أن المشرع الدستوري حرم
المواطنين من اختيار ممثليهم في المجالس البلدية في إطار مفهوم المشاركة في
الشئون العامة، بدليل أن المشرع العادي قد نظم هذا الحق بموجب المرسوم
بقانون رقم (3) لسنة 2002 بشأن نظام انتخاب أعضاء المجالس البلدية، فنصّ في
مادته الثانية على أنه يتمتع بحق انتخاب أعضاء المجالس البلدية المواطنون
البحرينيون -رجالاً ونساءً- إذا توافرت في كل منهم الشروط التي حددتها هذه
المادة.

التعديل يخالف مبدأ عمومية الانتخاب والترشيح

إن مبدأ
حق الانتخاب والترشيح، بمعنى فتح باب الانتخاب والترشيح على أساس من
المساواة أمام كل المواطنين، يعد من أهم المبادئ الدستورية التي كفلها
الدستور، وإرساؤها ووضعها موضع التطبيق ليس في الانتخابات النيابية فحسب بل
والانتخابات البلدية أيضاً. وطبقاً لنص المادة (1/هـ) وفي إطار ما نصت
عليه من حق المشاركة بالشئون العامة، غير أنه لا يجب أن يفهم من هذا النص
الدستوري حين ترك تنظيم حق الترشيح والانتخاب للقانون بوضع شروط أو قيود
معينة عليه، أو حين قرر عدم جواز حرمان أحد المواطنين من حق الانتخاب أو
الترشيح إلا وفقاً للقانون، أن يحرم هذا القانون كل المواطنين في محافظة
العاصمة من ممارسة حقهم الدستوري في الترشيح والانتخاب للمجلس البلدي؛ أو
أن يتم تنظيم هذا الحق بصورة تنال من جوهره وتعتدي عليه.

وبالقطع
واليقين، إن إرادة المشرع هنا قد انصرفت إلى أن حق أو حرية الترشيح
والانتخاب ليست مطلقة، وترك للقانون أن يضع من الضوابط والشروط الشكلية
والموضوعية لممارسة هذا الحق بحيث لا تتنافى مع مبادئ المساواة
والديمقراطية، وانطلاقاً من أهمية هذا الحق، فقد أخذ المشرِّع الدستوري
بمبدأ عمومية الانتخاب والترشيح، على أساسٍ من المساواة أمام كل المواطنين،
إلا أن بعض الاعتبارات القانونية والسياسية والاجتماعية تتطلب تحديد بعض
الشروط الموضوعية والشكلية التي لا تتنافى مع مبادئ المساواة والديمقراطية،
والتي لا تتناقض مع عمومية هذا الحق.

وقد وضع المشرع العادي بموجب
المرسوم بقانون رقم (3) لسنة 2002 بشأن نظام انتخاب أعضاء المجالس البلدية
مثل هذه الشروط والضوابط لممارسة حق انتخاب أعضاء المجالس البلدية، دون أن
يعني ذلك حرمان سكان محافظة بأكملها من اختيار من يمثلهم في هذه المجالس.
(يتبع).