المنشور

النيوليبراليون العرب


مثلما استنسخ اليساريون العرب الأوائل، الفكر الثوري العالمي الصاعد آنئذ (في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين) في سماء أوروبا، بطريقة ميكانيكية، هي أقرب إلى البؤس الفلسفي الخالي من أي إسقاط واقعي إبداعي، فإن من استطابوا تسميتهم من قبل غرمائهم بالليبراليين الجدد في عالمنا العربي، أو ال”نيوليبراليين” العرب، هم بدورهم اختاروا من الطرق أقصرها، لتقديم أنفسهم ومنظوراتهم لمقاربة إعادة احياء وإنتاج الحياة والمجتمع المدنيين (الليبراليين) في العالم العربي . . وذلك باستنساخ وإعادة تركيب مفاهيم ورؤى وتوجهات ومواقف الليبراليين الجدد في الولايات المتحدة (معقل المذهب النيوليبرالي)، وأوروبا .

ومعلومٌ أن الليبراليين الجدد يكادون يتماهون مع اليسار المتطرف، في صراع الضدين التاريخي بين اليمين واليسار . فكلاهما لا يرى سوى في المقاربة الراديكالية والجذرية، سبيلاً لشق طريق البناء وترقية المجتمعات . فمثلما وجد اليساريون الراديكاليون العرب لأنفسهم أرضاً خصبة في أحزمة الفقر والبؤس العربية، فقد وجد الليبراليون الجدد في الأخطاء الفادحة، والكارثية أحياناً، للقوى والأحزاب القومية العربية التي قـيض لها الوصول إلى السلطة في غير بلد عربي، ضالتهم للتماهي السياسي والإيديولوجي مع طروحات اليمين الأمريكي واليمين الأوروبي فيما يتعلق بمفاهيم الحداثة السياسية والاجتماعية، وقبلهما الاقتصادية التي شكلت مربض الفرس في منظور اليمين الأمريكي الراديكالي لإعادة هيكلة الدولة والمجتمع الامريكيين .

ولكن العرب النيوليبراليين لم يكونوا في الفترة التي أعقبت الصراع القومي العربي – الاستعماري، يتوفرون على الطاقات الفكرية والملكات الإدارية والتنظيمية، ولا على الامتداد والعمق الاجتماعي الذي يسمح لهم بالتعبير عن مرئياتهم بصورة مقنعة ولافتة وجاذبة للاهتمام، بالرغم من حضورهم القوي واللافت إبان فترة الصراع تلك، والتي كان لهم فيها حضور قوي ولافت وإن كان بصفتهم ليبراليين كلاسيكيين آنذاك، إلى أن جاءت حرب الخليج الثانية (حرب تحرير دولة الكويت من الاحتلال العراقي التي اندلعت في 16 يناير 1991) . التي وفرت أجواء الصدمة الشعبية وحتى النخبوية التي سببها عدوان غاشم شنه نظام لطالما تشدق بالعروبة وبالأمة الواحدة ضد دولة وشعب عربيين شقيقين، مناخاً رائقاً لتسويق مفاهيم وأفكار ورؤى الليبرالية الجديدة في “الأسواق العربية” .
والواقع أن هناك لبساً كبيراً وأساسياً لدى كثيرين في الفهم المتداول نخبوياً لمفهوم وجوهر الليبرالية الجديدة، بمن فيهم أولئك الذين ركبوا موجتها الأمريكية، معتقدين أن تماهيهم الميكانيكي مع سياسات اليمين الأمريكية والأوروبية، يجعل منهم بالضرورة ليبراليين جدداً، وأن هذه المحاكاة هي بحد ذاتها الممارسة الليبرالية الجديدة . ولأن المعرفة الاقتصادية الأكاديمية غير متوافرة لدى معظم هؤلاء فإنهم غير مدركين، على ما هو ظاهر من تعبيراتهم، أن المذهب النيوليبرالي هو مذهب اقتصادي بامتياز، وانه يصل في مستوى تطرف انحيازه إلى رأس المال الكبير وملاك الأصول، وفي مواقفه الاجتماعية المتطرفة في معاداتها لمصالح الفقراء والمهمشين وذوي المداخيل المحدودة، يصل إلى منزلة القمع الاقتصادي والاجتماعي الاستبدادي (العنصري في جوهره) . ولأنهم غير منتمين “عضوياً” (طبقياً) للنسيج الداخلي لرأس المال الكبير وللحلقة الضيقة من الأوليغارشيا المالية النافذة في عظم دوائر صناعة القرار داخل بلدانهم، وهي خاصية ينفرد بها النموذج الأمريكي للرأسمالية في أعلى مراتب “خصخصتها”، لذا سوف تبدو “تغريداتهم” ضمن هذا “السرب” الذي لا ينتمون إليه، ضرباً من السذاجة المعرفية والفكرية . . وفي تفاصيلها، السياسية والاجتماعية!

على المقلب الآخر، سوف نجد ما يوازي – أو تدقيقاً ما يحاكي أو يجاري – ذلكم التسطيح من جانب أولئك المتبنين والمتغنين بنصرتهم للمذهب النيوليبرالي الأمريكي، سوف نجد تسطيحاً مقابلاً من جانب فرقاء تيارات اليسار العربي بمشاربها القومية والتقدمية المختلفة، في قراءتهم وتقييمهم للأوساط الليبرالية العربية الآتية هي الأخرى من خلفيات يسارية، والتي عمدت لإطلاق مبادرات ذات وجهة تجديدية للمقاربة الليبرالية التي تعتقد أنها الأصلح والأنسب لمعالجة المأزق النهضوي والحضاري العربي الراهن . حيث سارع بعض الأوساط النخبوية السياسية والثقافية العربية إلى تحويل تلك النزعة الليبرالية المندفعة من مكان ما لنفس النسيج بغية إحداث جلبة في حالة السكون والخدر الفكري المديني أمام حالة فوضى الوعي الاجتماعي التي أشاعتها قوى الإسلام السياسي، خصوصاً في العقدين الأخيرين، تحويلها إلى مادة للقذف والتكفير، فتُلقِي جزافاً “تهمة” الليبرالية الجديدة في وجه من يُراد تكفيرهم فكرياً وتسقيطهم سياسياً بهدف إخراجهم من “الملة”، فقط لأنهم أظهروا حيويةً وفاعلية في إعادة قراءة المأزق، والاجتهاد في البحث عن ممكنات التغلب عليه عبر مقاربات يزعمون أنها مناسبة للتعامل مع هذا المشكل الحضاري المتضخم تحدياً وأخطاراً .

والراجح أن العكس هو الصحيح، إذ ستأخذهم العزة بالإثم وسيتشبثون أكثر فأكثر بسردياتهم النقلية لمفهومهم، غير المسنود بعلم الاقتصاد السياسي، للخطوط العامة لليبرالية الجديدة، ونسختها الأمريكية تحديداً، وذلك على ما أظهره منظور المانيفست الذي أصدروه ودبجوا في متنه تصوراتهم النيوليبرالية التي يعتقدون أنها البلسم المناسب لشفاء الجسد العربي العليل، وبياناتهم الشحيحة والمتقطعة الصادرة بين آن وآخر لإثبات استمرار وجود الذات أكثر منه استسقاء بتفان لنبتة يؤكدون فيه اهتمامهم برعايتها . . حتى صح القول على ليبراليتهم – على ما نزعم – إنها ليبرالية مفصلة بحلة جديدة تتناسب وانقلابات القيم والمفاهيم والانزلاقات النسيجية الاجتماعية في مجتمعاتنا العربية.
 
الجمعة 21 نوفمبر 2014