المنشور

شكراً لتونس


على إحدى الفضائيات شاهدت مواطناً تونسياً قائلاً إن مجرد وجود دور ثانٍ في الانتخابات مؤشر على أن العملية الديمقراطية في تونس تجري في الطريق الصحيح، وأنه ولى العهد الذي “يفوز” فيه الرئيس أو يجدد له ب 90% فما فوق، وأن يأتي رئيس بنسبة واقعية من الأصوات تتجاوز الخمسين في المئة قليلاً أو كثيراً، فيما ينال منافسه بقية الأصوات دليل على أن المجتمع يتمتع بتعددية حقيقية . والتعددية موجودة في كل المجتمعات، لكنها بحاجة إلى آليات الديمقراطية التي تسمح لها بالتعبير عن نفسها، من خلال توفر حرية الاختيار والمفاضلة بين المرشحين، ومن خلال وجود النظام الانتخابي الديمقراطي الحر .

في انتخابات رئاسة الجمهورية كما في انتخاباتها التشريعية الأخيرة، تعيد تونس التأكيد أنها الاستثناء العربي الوحيد، حتى الساعة على الأقل، الذي يؤكد أن الآليات الديمقراطية قادرة على احتواء حالات الفوضى وتقييد الاستبداد، ولعل السبب في ذلك يعود إلى ما سبق أن قلناه هنا مرة من أن ثورة الياسمين تعطي أُكلها في التحول الديمقراطي، لأنها لم تفتعل أو تختلق تعسفاً من دون نضوج مقدماتها .

ومع أن حديثاً دار ويدور كيف لثورة فجرها وصنعها الشباب أن تحمل إلى رئاسة الجمهورية رئيساً مسناً فإن العبرة تظل في طبيعة البرنامج الذي يحمله الرئيس والقاعدة الاجتماعية الداعمة له، وبالقياس للتيارات المدنية العريقة في البلدان العربية، فإن تيارات الإسلام السياسي إجمالاً أكثر فتوة في أعمار قادتها ومنتسبيها، لكنها برهنت خلال الأعوام الأخيرة التي قدر لها فيها أن تكون في السلطة، أنها لا تملك برنامجاً شاباً، أو موجهاً نحو المستقبل، وإنما تعدنا بآليات وبرامج وطرق تعود ببلداننا القهقرى .

لذلك كان أغلبية التوانسة على حق في اختيارهم لرئيسهم الجديد، بعد أن أدركوا أن ميراث تونس من المنجزات الاجتماعية والثقافية التي وضعت قواعدها الراسخة في الحقبة البورقيبية، خاصة في السنوات الأولى لتأسيس الجمهورية، بات في خطر، خاصة على صعيد حقوق المرأة وعصرية التعليم ونمط الحياة الذي اعتادوه .

الديمقراطية في تونس في بداياتها وهي تجابه أخطاراً عدة، بينها خطر الارتداد عن الثورة وعودة مافيات الفساد، وبينها التطرف والعنف، ولكن مشكلات الديمقراطية تحل بالمزيد منها، والأبصار شاخصة نحو المجتمع المدني التونسي اليقظ، الذي للجبهة الشعبية وللحركة النقابية موقع القلب منه ليكون حارساً ورقيباً .

شكراً لتونس التي تبقي الأمل حياً في قلوبنا . 
 


حرر في 24 ديسمبر 2014