المنشور

انتعاش الروح الحربية الأمريكية


 
بعدما نجحت ضغوطها في إفشال اتفاق “مينسك 1” الذي تم التوصل إليه أواخر شهر سبتمبر/ أيلول من العام الماضي في روسيا البيضاء بين الحكومة الأوكرانية والانفصاليين وروسيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، الذي نص على سحب الأسلحة الثقيلة والمسلحين الأجانب لضمان وقف إطلاق النار في شرق أوكرانيا وإبعاد المدفعية 15 كلم عن خط المواجهة من الجانبين لخلق منطقة عازلة لفصل القوات الحكومية عن المقاتلين الموالين لموسكو تبلغ مساحتها 30 كلم، وعلى عدم استعمال الأسلحة الثقيلة في المناطق المأهولة، ومنع المقاتلات والطائرات بلا طيار من التحليق فوق المنطقة الأمنية التي ستكون تحت مراقبة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، بعدما نجحت ضغوطها في إفشال ذلكم الاتفاق، ها هي واشنطن تعيد الكرة ثانيةً لإفشال مبادرة جديدة تقدم بها هذه المرة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل استهدفت التوصل إلى اتفاق جديد في العاصمة البيلاروسية مينسك ذاتها التي استضافت المفاوضات من جديد يوم الحادي عشر من فبراير/ شباط ،2015 وهي ضغطت على برلين من أجل عدم عقد هذا الاجتماع، واستدعى البيت الأبيض على عجل المستشارة الألمانية من أجل إثنائها عن مبادرتها السلمية والتخلي عن تحفظها على قرار البيت الأبيض والكونغرس لتزويد أوكرانيا بأسلحة فتاكة بعد تزويدها الجيش الأوكراني والمليشيات القومية التي تحارب معه في شرق وجنوب أوكرانيا بأسلحة غير فتاكة .

وإذا كانت المبادرة الفرنسية الألمانية قد تكللت بالنجاح في التوصل إلى اتفاق يرسم خريطة طريق لحل الأزمة، فإن مخاوف الأوروبيين والروس بشأن فرص إفشال اتفاقهم، تظل كبيرة، ليس فقط من جانب الانفصاليين الموالين لروسيا، وإنما أيضاً من جانب السلطة الحاكمة في كييف الموالية للغرب أيضاً . إذ يكفي الإيعاز لكتيبة “آزوف” التي تقاتل إلى جانب الجيش الأوكراني، والتي تضم، بحسب تقرير ل”بي بي سي” مقاتلين أجانب بينهم ضباط وقناصة سابقون في الجيشين السويدي والفرنسي ويمينيون من النرويج وفرنسا وإيطاليا ورومانيا وتركيا والشيشان، الإيعاز لها بخرق وقف إطلاق النار لإفشال الاتفاق كما حدث لسابقه .

في الأثناء تسارع واشنطن الخطى لرفع وتيرة التصعيد مع موسكو، ويندفع الرئيس أوباما بقوة لتغليظ جرعة شخصنة الصراع مع روسيا وصار يطنب في تسمية الرئيس الروسي بوتين بالاسم وهو يهاجمه شخصياً لاستفزازه وإهانته على الملأ، آخرها كان في حضرة ميركل في البيت الأبيض . وعلى جري العادة تقتفي بريطانيا ورئيس حكومتها ديفيد كاميرون أثره في التصعيد الشخصي . وهذا يعيد إلى الأذهان المفردات الحربية للغة الحرب الباردة التي أدمن الرئيس الأسبق رونالد ريغان وإدارته على استخدامها في الصراع مع الاتحاد السوفييتي المنهار . في حين يمتنع الرئيس الروسي صاحب ملامح الوجه القاسية، عن مجاراة نظيره الأمريكي، مفضلاً اتباع أسلوب أندريه غروميكو وزير الخارجية المخضرم في العهد السوفييتي المتمثل في “الرد على الاستفزاز بالإهمال والصمت المطبق” . حتى إنه قبل بضعة أشهر حين عقد بوتين لقاءً مفتوحاً مع الجمهور، مباشراً وعبر الإنترنت، سأله أحدهم عن رأيه فيما سيفعله الرئيس أوباما لو حدث وكانا معاً في قارب واحد مهدد بالغرق، فأجابه بأنه واثق كل الثقة من مناقبيات وأخلاقيات الرئيس أوباما والتصرف على أساسها في مثل هذا الموقف .

على صعيد متصل، بالتصعيد إياه ولكن على مقلب آخر، فقد تقدم الرئيس أوباما إلى الكونغرس بطلب رسمي لمنحه تفويضاً إضافياً مدته ثلاث سنوات يخوله توسيع نطاق الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد تنظيم “داعش” الإرهابي في العراق وسوريا ليشمل إرسال قوات برية (محدودة على حد قوله) لمقاتلة عناصر التنظيم على الأرض، على أن يُحظر استخدام هذه القوات في “قتال بري هجومي ممتد”، كما جاء في طلبه الرسمي . وهذا يعني مخصصات مالية إضافية في الموازنة لتمويل الحرب . وكان الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ قد أقر مشروع قانون في شهر ديسمبر/ كانون أول الماضي، بناءً على طلب الرئيس، قضى بتخصيص نفقات إضافية في ميزانية الدفاع قدرها 4 .3 مليار دولار لتمويل الحرب الأمريكية ضد تنظيم “داعش”، إضافة إلى 6 .1 مليار دولار لتدريب القوات الكردية العراقية على مدار عامين .

علماً بأنه تم تخصيص 64 مليار دولار في موازنة الدفاع الأمريكية للعام الجاري 2015  لحروب الولايات المتحدة في الخارج . أما موازنة الدفاع الأمريكية للسنة المالية 2016 فإن عرض الرئيس بشأنها يتضمن زيادتها بواقع 9 .24 مليار دولار إلى  585.3 مليار دولار، أي بزيادة على سابقتها بنسبة 4%، وذلك على الرغم من انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي بعد 13 عاماً على دخول القوات الأمريكية والبريطانية إلى أفغانستان لمحاربة طالبان والقاعدة . وينسج وزير الدفاع الأمريكي الجديد آشتون كارتر على منوال الرئيس أوباما، إذ يضغط بدوره من أجل إرسال أسلحة ثقيلة ومستشارين عسكريين أمريكيين لتسعير الحرب في شرق أوكرانيا . وهو توجه مقصود بطبيعة الحال، يهدف لتسميم أجواء العلاقات الدولية بإحاطتها بنذر الحرب من كل جانب، لتسيد المشهد الدولي، في السلم والحرب .

جدير ذكره أن لجنة نوبل للسلام النرويجية قررت في شهر أكتوبر 2009 منح جائزتها لعام 2009 للرئيس باراك أوباما نظير ما اعتبرته جهوده في تقوية الدبلوماسية الدولية والتعاون بين الشعوب، وهو الذي بالكاد أكمل شهره التاسع في السلطة التي تسلمها رسمياً في 20 يناير/ كانون الثاني ،2009 هذا الرئيس الذي اعتبر حرب بلاده في أفغانستان حرباً “عادلة” وحربها في العراق “غير جيدة” أو غير لازمة، وتعهد بوضع حد لتورط الولايات المتحدة في هاتين الحربين، حيث قام بالفعل بإخراج القوات الأمريكية من العراق بعد أن فشلت ضغوط واشنطن على بغداد للقبول باتفاقية عسكرية تسمح بتواجد عسكري أمريكي في أراضيها، وسحَب القوات الأمريكية من أفغانستان بعد أن انتزع موافقة حكومتها على اتفاقية عسكرية تسمح باحتفاظ واشنطن بقواعدها العسكرية وباستمرار مرابطة  12,000 جندي أمريكي هناك . .
هذا الرئيس هو نفسه الذي توسعت إدارته في غارات طائراتها من دون طيار في باكستان سرعان ما شملت 7 دول أخرى، ومؤخراً فقط انزلقت رجليه إلى أتون حرب جديدة، وإن كانت من الجو حتى الآن ضد تنظيم “داعش” الإرهابي في سوريا والعراق، إلا أنها باتت مرشحة بقوة، برسم تطورات الأيام القليلة الماضية، للتحول إلى حرب شاملة تشارك فيها قوات المارينز الأمريكية على الأرض . ومن يدري إلى أين ستقود إغراءات الحرب التي عادت بحليمة إلى عادتها القديمة؟!

هل هذا معقول؟ . . فوفقاً لبيانات مواقع إعلامية أمريكية غير موالية، فإن سلطات الضرائب في الولايات المتحدة تقتطع 59 سنتاً من كل دولار واحد من سلة الجباية الضريبية التي يتم تحصيلها من رواتب وأجور الموظفين والعمال ومن مداخيل الشركات والأفراد، لتمويل الحروب الأمريكية السارية والأخرى قيد التخطيط، في الوقت الذي تعاني فيه قطاعات اقتصادية عديدة مثل المدارس والجامعات والحدائق العامة والطرق ومراكز الأبحاث والبيئة والصحة والسلامة، شح التمويل الحكومي الذي يجد أحد تجسيداته في تضعضع ميزانيات الأسر الأمريكية وفي تراجع العمر الافتراضي للفرد .