المنشور

أزمة رهونات جديدة . . في صناعة النفط الصخري هذه المرة


 
بالتزامن مع فترة الركود الاقتصادي التي دخلها الاقتصاد الأمريكي خلال الفترة من ديسمبر/كانون الأول 2007 حتى يونيو/حزيران 2009 ، تعرض القطاع المصرفي الأمريكي لما عُرف بأزمة الرهون العقارية . وهي أزمة بدأت فقاعتها في عام 2004 عندما بدأت بنوك وول ستريت التجارية إقراض ذوي الدخل المحدود مبالغ باهظة من أجل شراء منازل، وكانت البنوك الاستثمارية تقوم باقتراض مليارات الدولارات وشراء العديد من هذه القروض العقارية من بنوك اخرى ثم تقوم بتوريق هذه القروض أي جعلها أوراقاً مالية قابلة للتدوال داخل البورصة، لتقوم بنوك الاستثمار بعد ذلك بتجميع هذه الأوراق المالية المدعومة بالرهونات العقارية فيما يسمى ب(Collateralized Debt Obligations CDO)، وهو عبارة عن تجميع لهذه الأوراق المالية وبيعها لبنوك استثمارية أخرى وصناديق استثمار وتحوط ومستثمرين من جميع أنحاء العالم، وتباع في صورة شرائح متفاوتة المخاطر .

وكانت البنوك الاستثمارية تبيع هذه الأوراق المالية بأسعار أعلى بكثير من سعر الشراء ثم تقوم بسداد الديون وعمل ربح عال جداً، فيما يقوم المشترون بالتأمين على هذه الأوراق عن طريق ما يسمى ب (Credit Default Swap CDS)، وهو عبارة عن اتفاق مالي تبادلي يقوم بموجبه بائع هذه السندات بتعويض مشتريها في حال حصول عجز المدين الأصلي عن سداد دينه، أي أنها بمثابة بوالص تأمين على هذه الأوراق في حال حصول تعثر أو عسر مالي . بما يعني دخول شركات التأمين هي الأخرى في هذه الفقاعة التي تضخمت وانفجرت عندما ظهرت حالات إعسار المدينين الأصليين وهم المشترون للمنازل من ذوي الدخل المحدود .

ويبدو أن القطاع المصرفي، في الولايات المتحدة خصوصاً، على موعد جديد مع أزمة مديونية جديدة شبيهة بأزمة الرهونات العقارية سالفة الذكر . فالحال أن القطاع المصرفي قد اندفع بشراهة في إقراض شركات قطاع الطاقة، لاسيما شركات النفط، تحت إغراء الأسعار المرتفعة للنفط والإيرادات المجزية التي كانت تدرها على هذه الشركات، والتي توسعت هي الأخرى في الاقتراض متشجعة بسعر الفائدة الخفيض، وفي إصدار سندات تمويل لمشاريعها ولإنفاقها الجاري، حتى بلغ إجمالي القروض التي قدمتها البنوك لهذه الشركات وإجمالي إصدارات سنداتها منذ عام 2010 حتى اليوم 550 مليار دولار . فكان أن بدأت الأصوات والأقلام تؤشر إلى سندات هذه الشركات بوصفها “سندات خردة” (Junk Bonds)، وبأن فقاعتها شارفت على الانفجار في أوجه البنوك المقرضة والشركات نفسها . ومن الطبيعي أن تبدأ إدارات البنوك بالتوقف عن تمويل هذه الشركات، وحيث إن ذلك سيترتب عليه الحد من قدرة هذه الشركات على الاقتراض نتيجة لتراجع التغطية الرأسمالية لأصولها التي تعتبر معياراً لحجم إقراضها كنتيجة لتراجع سعر برميل النفط، حيث كانت المصارف المقرضة لهذه الشركات تقدم قروضها لهذه الشركات حتى شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي على أساس أصولها المقومة بسعر 80 دولاراً للبرميل قبل أن تعود وتخفض هذا السعر إلى 50 دولاراً للبرميل للعام الجديد (وهو قابل للمراجعة الثالثة في ضوء تطورات سعر برميل النفط في سوق البترول الدولية)، فإن من شأن ذلك أن يدفع شركات النفط إما الى إحداث خفض كبير في نفقاتها أو البحث عن مصادر أخرى لتمويل عملياتها، بما في ذلك عبر ما يسمى ب”قروض الحجز لقاء الاستيفاء” (Second-lien loans)، أي المقدمة مقابل ضمان الأصول . وهناك العديد من صناديق الاستثمار المستعدة لتقديم قروضها وفقاً لهذه الصيغة الإقراضية لشركات النفط شبه المعسرة على أمل أن تخرج هذه الصناديق بعوائد أجزى مما تدره خطوط الإقراض في البنوك التقليدية، فضلاً عن توفرهم على فرصة المحاصصة في رؤوس أموال هذه الشركات وصولاً إلى حق السيطرة عليها في حال لم تعد أسعار النفط إلى سابق عهدها .

أيضاً، فإن شرائح كبيرة من السندات التي أصدرتها الشركات النفطية إبان سعر المئة دولار لبرميل النفط، لتمويل عملياتها، تندرج ضمن ما تسمى بصيغة “التعهدات المخففة” (Cov-lite? Covenant light) للاقتراض، أي الطريقة التي تسمح بها السلطات الرقابية على أسواق المال لهذه الشركات بأقل الاشتراطات والضمانات . فكان أن وضعت هذه الظاهرة التي تعيد انتاج ظاهرة المشتقات المالية (Financial Derivatives) التي ارتبطت بأعمال المضاربة في سوق العقار الأمريكية والتي أدت إلى انفجار فقاعته في عام 2007، وضعت حاملي هذه السندات غير المُؤمنة في وضع لا يحسدون عليه . ولأن قسماً كبيراً من مديونية هذه الشركات النفطية يمكن نسبته إلى طائفة قروض ال (Cov-lite)، فإن الإعسار المالي هو النتيجة المنتظرة لعديد هذه الشركات التي صارت تبحث عن مصادر تمويل ليس لتمويل عملياتها وإنما لتسديد ديونها التي حلت مواعيد استحقاقها . ويقدر حجم الديون التي راكمتها شركات النفط الأمريكية سواء عبر الإصدارات السندية أو الاقتراض من بنوك وول ستريت ولندن، أكثر من 200 مليار دولار .

وإزاء هذا الوضع فإنه ليس أمام هذه الشركات من خيار سوى إعلان الإفلاس والاستفادة من قانون الحماية من الإفلاس، أو الدمج . وقد أعلنت بالفعل أول شركة تنقيب أمريكية في مجال النفط الصخري وهي شركة WBH Energy LP، إفلاسها مطلع العام الجديد قائلةً بأن مقرضيها باتوا يرفضون إقراضها . كما رأينا كيف اضطرعملاقا النفط “بيكر هيوز” و”هاليبيرتون” للاتفاق على الاندماج وهما اللذان كانا إلى وقت قريب يتزاحمان كتفاً لكتف، بعد أن أدركا عدم قدرتهما على البقاء في السوق من دون اندماجهما .

يقول الاقتصادي ريتشارد وولف إن فقاعة شركات الطاقة بدأت بعمليات التكسير الهيدروليكي في ولايتي داكوتا الشمالية وتكساس، وسرعان ما شملت مناطق عدة في العالم، تماماً كما حدث في الفقاعة العقارية حين أُعطيت القروض بمليارات الدولارات للجمهور لشراء المنازل التي عجزوا عن سداد قيمتها . فلقد توسعت صناعة النفط الصخري بصورة سريعة للغاية بسبب النتائج السريعة والسهلة لاستخراج النفط من دون الاعتبار للتكلفة البيئية، لاسيما تأثير عملية الحفر في تكوينات المياه الجوفية، وهو ما دفع العديد من الولايات الأمريكية لتحذو حذو معظم البلدان الأوروبية التي حظرت طريقة استخراج النفط بالتكسير الهيدروليكي .