المنشور

هل سنشهد نهاية الرأسمالية؟ .. أحمد الزبيدي – قراءة فـي كتاب (ما بعد الرأسمالية)


 
تزداد أزمات النظام الرأسمالي اتساعا وحدة،والازمة الاخيرة في اليونان خير دليل على ذلك،ومع تنامي واتساع التأثير الهائل لثورة المعلومات على اقتصادات العالم،يتغير نمط إنتاج السلع والخدمات ،ويحل مبدأ (الوفرة ) محل مبدأ (الندرة) في إنتاج السلع والخدمات وحيث ان اقتصاد السوق يقوم أساساً على مبدأ (الندرة) فلم يعد ميكانيزم اقتصاد السوق بقادر على استيعاب التطورات المتلاحقة في النظام الاقتصادي العالمي،هذه الافكار وغيرها هي التي يتناولها كتاب (ما بعد الرأسمالية) من تأليف (بول مايسون)المحرر الاقتصادي لصحيفة الغارديان ،وهذه ترجمة لجزء من مقالة مطولة كتبها المؤلف في ذات الصحيفة يتناول فيها اهم الافكار الواردة في الكتاب الذي يشير فيه الى ان العالم بدأ يدخل عصر ما بعد الرأسمالية وانه سيشهد المزيد من التغييرات في تكنولوجيا المعلومات:
 
خلال التظاهرات الاخيرة في اليونان ارتفعت الأعلام الحمراء وصدحت الاناشيد الثورية للائتلاف اليساري الحاكم ، زد على ذلك التوقعات بأن البنوك سوف يتم تأميمها، كل ذلك جعل حلم القرن العشرين ينبعث من جديد: قيام الدولة بالقضاء على نظام السوق. هذا الحلم الذي ظل لفترة طويلة من القرن العشرين هو ما يتصوره اليسار العالمي للمرحلة الأولى من اقتصاد ما بعد الرأسمالية. حيث ستقوم الطبقة العاملة بهذه المهمة، سواءعن طريق صناديق الاقتراع أو من خلال الاحتجاجات. وستجبر الدولة على القيام بذلك. وإن الفرصة ستسنح لذلك بعد حدوث عدد من الانهيارات الاقتصادية المتعاقبة.

ولكن الذي حدث بدلا من ذلك على مدى السنوات الـ 25 الماضية هو انهيار مشروع اليسار. دمرنظام السوق نظام التخطيط؛ وحلت الروح الفردية محل الروح الجماعية والتضامن بين الافراد. ورغم ان القوى العاملة توسعت بشكل كبير في العالم لتبدو مشابهة لـ”بروليتاريا”الماضي، ولكن هذه البروليتاريا لا تفكر أو تتصرف كما كانت تفعل من قبل.

إذا كنت ،تكره الرأسمالية، فسوف تشعر بالصدمة. ولكن هناك أفق جديد فتحته التكنولوجيا ، وعلى بقايا اليسار القديم – وكل القوى الأخرى المتأثرة به – إما ان تستوعبه أو ان مصيرها سيكون الموت. فالرأسمالية، كما اظهرت التجربة ، لن يتم تحطيمها بواسطة الاساليب القسرية الفوقية من قبل الحكومات ومن خارج نظامها الاقتصادي.بل سيتم إلغاؤها من خلال نشوء ديناميكية داخلية، تكون في البداية، غير واضحة تماما داخل النظام القديم، ولكنها سوف تخترق النظام الرأسمالي، وتعيد تشكيل النظام الاقتصادي من خلال معايير وسلوكيات جديدة.وأنا أسمي هذا بمرحلة ما بعد الرأسمالية.

وكما كان الحال عند نهاية مرحلة الإقطاع قبل 500 سنة، سيتم تسريع استبدال الرأسمالية بمرحلة ما بعد الرأسمالية عن طريق الصدمات الخارجية و يظهر أفراد ذوو خصائص جديدة يشكلون بنية النظام الاقتصادي لمرحلة ما بعد الرأسمالية . وهذا ما يحدث الآن.

إن ظهور مرحلة ما بعد الرأسمالية ممكن الحدوث بسبب ثلاثة تغير ات رئيسية شهدتها تكنولوجيا المعلومات في السنوات ال 25 الماضية.

أولا، لقد انخفضت الحاجة للعمل، ولم تعد الحدود واضحة بين وقت العمل ووقت الفراغ وخففت العلاقة بين العمل والأجور. فالموجة القادمة من التشغيل الآلي(إحلال الآلة محل الأفراد – م)، والمتوقفة حاليا- بسبب ان البنية التحتية الاجتماعية لدينا لا يمكنها أن تتحمل عواقب تلك العملية- ستقلل بشكل كبير من كمية العمل المطلوب ، ليس فقط للعيش ولكن لتوفير حياة كريمة للجميع.

ثانيا، ان ثروة المعلومات تؤدي الى تآكل قدرة نظام السوق على تشكيل الأسعار بشكل صحيح. بسبب ان نظام السوق يقوم على الندرة في حين ان المعلومات تمتاز بوفرتها. ان آلية دفاع النظام الرأسمالي هي تشكيل احتكارات – كاحتكارات شركات التكنولوجيا العملاقة – على نطاق غير مسبوق في السنوات الـ 200 الماضية، إلا أن تلك العملية لا يمكن أن تستمر. فمن خلال بناء نماذج الأعمال وتقاسم المنافع بناء على السيطرة وخصخصة كل المعلومات المنتجة اجتماعيا، تقوم هذه الشركات ببناء نماذج لشركات هشة تتناقض مع الحاجة الأساسية للإنسانية، وهو استخدام الأفكار بحرية.

ثالثا، نحن نشهد ارتفاعا عفويا في الإنتاج التعاوني: ولم تعد السلع والخدمات والمشاريع تظهر استجابة لإملاءات السوق والتسلسل الهرمي الإداري. فالمنتج المعلوماتي الاكبر في العالم (موسوعة الويكيبيديا)الذي يتم انتاجه من قبل متطوعين ومجانا، ألغى العمل في صناعة الموسوعات وحرم صناعة الإعلان بما يقدر بنحو 3 مليارات دولار سنويا من الإيرادات. ومن دون أن يلاحظها أحد تقريبا، فان هناك في مسارب وتجاويف نظام السوق، مساحات كاملة من الحياة الاقتصادية بدأت تتحرك على إيقاع مختلف. فانتشرت العملات الموازية، والبنوك المؤقتة وازدادت التعاونيات والمساحات الزراعية المدارة ذاتيا، والتي تلاحظ بالكاد من قبل علماء الاقتصاد، وغالبا ما يكون ذلك نتيجة مباشرة لتحطيم الهياكل القديمة في أزمة ما بعد عام 2008.

نشأت على مدى السنوات العشر الاخيرة أشكال جديدة من الملكية، وأشكال جديدة من القروض وعقود قانونية جديدة: و ينشأ اسلوب جديد لإدارة الاعمال والمشاريع ، وهو ما تطلق عليه وسائل الإعلام اسم “اقتصاد التقاسم”. وتم التخلي عن العبارات الطنانة مثل “المشاعيات” و “الانتاج المماثل ” ، ولكن القليلين قد ازعجوا انفسهم و سألوا ماذا تعني هذه التطورات للرأسمالية نفسها؟

تسبب الانهيار الاقتصادي عام 2008 في القضاء على 13٪ من الإنتاج العالمي و 20٪ من التجارة العالمية.و أصبح النمو العالمي سلبيا – حيث يتم احتساب أي شيء أقل من + 3٪ من قيمته وذلك بسبب الركود. ونتج ، عن ذلك،حدوث موجة ركود في العالم الغربي أطول من تلك التي حدثت اعوام 1929-1933، وحتى الآن، وسط انتعاش باهت، فان الاقتصاديين التقليديين يشعرون بالرعب إزاء احتمال ركود طويل الأمد. والهزات الارتدادية له في أوروبا سوف تمزق القارة إربا.

وكانت الحلول هي التقشف بالإضافة إلى زيادة المعروض النقدي. ولكنها لم تنجح. ففي البلدان الأكثر تضررا، تم تدمير نظام التقاعد، ويجري رفع سن التقاعد إلى 70 عاما، وتتم خصخصة التعليم بحيث يواجه الخريجون الآن الديون المرتفعة طول حياتهم. ويجري تفكيك الخدمات ومشاريع البنية التحتية وضعت على لائحة الانتظار. حتى الآن العديد من الناس يخفقون في فهم المعنى الحقيقي لكلمة “التقشف”. التقشف ليس ثماني سنوات من خفض الانفاق، كما هو الحال في المملكة المتحدة، أو حتى كارثة اجتماعية كالتي لحقت باليونان. بل هو يعني ان تنخفض معدلات الأجور، الأجور الاجتماعية ومستويات المعيشة في الغرب باستمرار حتى تصبح مساوية لتلك التي تحصل عليها الطبقة الوسطى في الصين والهند.

وفي الوقت نفسه وفي غياب أي نموذج بديل، يجري خلق الظروف لأزمة أخرى. فقد انخفضت الأجور الحقيقية أو بقيت ثابتة في اليابان، وجنوب منطقة اليورو والولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ويتم استعادة نظام الظل المصرفي(قيام مؤسسات وشركات غير مصرفية بالاعمال المصرفية-م)، وهوالآن أكبر مما كان عليه في عام 2008. والقوانين الجديدة التي تطالب البنوك بان يكون لديها المزيد من الاحتياطيات يتم التغاضي عنها أو يتم تأجيلها.

والنتيجة هي أننا نشهد مع كل تقدم علمي جديد، توليفة من تشغيل آلي زائد اجور اعلى زائد استهلاك أعلى قيمة. اليوم ليس هناك ضغوط من القوى العاملة، والتكنولوجيا في وسط هذه الموجة من الابتكارات لا تطلب خلق انفاقا استهلاكيا مرتفعا، أو إعادة توظيف القوى العاملة القديمة في وظائف جديدة. ثورة المعلومات المتدفقة هي آلة لطحن اسعار المواد الى أقل ما يمكن وخفض وقت العمل اللازم لدعم الحياة والعيش على كوكب الأرض.
ونتيجة لذلك، أصبحت أجزاء كبيرة من طبقة رجال الأعمال الجدد تعارض التطور العلمي . وبدلا من إنشاء مختبرات تعقب الخريطة الجينية للانسان، فانها تنشئ المقاهي وصالونات الحلاقة النسائية.

إن التقدم التكنولوجي الهائل الذي شهده مطلع القرن 21 لا يتألف فقط من سلع او تقنيات جديدة ، ولكن من جعل السلع المصنوعة قديما تصبح سلعا بمواصفات ذكية. واصبح المحتوى المعرفي للمنتجات أكثر قيمة من الأشياء المادية التي تستخدم في إنتاجها. ويتم الحصول على المنفعة من القيمة بحد ذاتها ، وليست عملية تبادلها أو اكتنازها فقط. في تسعينات القرن الماضي اصبح الاقتصاديون وخبراء التكنولوجيا يحملون نفس الفكرة في آن واحد: إن هذا الدور الجديد للمعلومات سيؤدي الى خلق نوع جديد، النوع “الثالث” من الرأسمالية – نوع مختلف عن الرأسمالية الصناعية والرأسمالية التجارية في القرن 17 والقرن 18. ولكنهم حاولوا بشق الانفس وصف دينامية عمل الرأسمالية الجديدة “التجريبية”. وبسبب هذا. فان ديناميات عملها بعيدة جدا عن ديناميات عمل الرأسمالية.

المعلومات تتوفر بغزارة. سلع المعلومات قابلة للتكرار بحرية. وحالما يتم ابتكار شيء، فإنه يمكن نسخه / وتكراره الى ما لا نهاية من المرات.انتاج مقطوعة موسيقية أو قاعدة البيانات العملاقة التي تستخدم لبناء طائرة لها تكلفة انتاج؛ ولكن تكلفة اعادة استخدامها تكاد تقترب من الصفر. لذلك، فإذا استمرت آلية الأسعار العادية في النظام الرأسمالي هي السائدة فمع مرور الوقت، سوف تنخفض الاسعار نحو الصفر، أيضا.

على مدى السنوات الـ 25 الماضية واجه الاقتصاديون هذه المشكلة: جميع الاقتصادات السائدة نشأت من حالة الندرة، ولكن القوة الأكثر ديناميكية في عالمنا المعاصر هي حالة الوفرة، وكما لخصها العبقري ستيوارت براند (كاتب امريكي – م) “،الحاجة الى التحرر من الحاجة “.
 
 
ترجمة وتقديم:أحمد الزبيدي 
صحيفة المدى الألكترونية
26/07/2015