المنشور

موهبة الوضوح


في أوائل الستينات من القرن الماضي تلقى الدكتور فؤاد زكريا رسالةً من صاحب مجلة «الآداب» الدكتور سهيل إدريس يطلب منه كتابة مقال تقييمي لمواد العدد السابق من المجلة، وهو تقليد حميد دأبت عليه الدوريات الثقافية والأدبية الرصينة في ذلك الزمن المضيء، يوم كانت الساحة الثقافية تضج بالسجالات الثرية والخلاقة.
 
كان من بين ما استوقف فؤاد زكريا مقال للكاتب مطاع صفدي رأى فيه نموذجاً صارخاً لما يصفه زكريا بالكتابة المعقدة، وأصبح السؤال الذي يشغله بعد قراءة ذاك المقال: هل هذا التعقيد متعمد أم هو أمر تفرضه طبيعة الموضوع الذي يعالجه؟ ولكي يقدم لنفسه إجابة مقنعة عن هذا السؤال قرر أن «يكسر دماغه» كما قال كي يفهم ولو جزءاً من المقال.

وبالفعل أجهد فؤاد زكريا ذهنه إجهاداً شديداً من أجل فهم ما يريد الكاتب قوله في الصفحة الأولى للمقال، ولكي يقتنع بأن الغموض فيه متعمد قام ب «ترجمة» ما فهمه من هذه الصفحة إلى اللغة الواضحة، أي أعاد كتابته بالكلمات التي يكتب بها ويتكلمها عباد الله المساكين.

لم يكتف فؤاد زكريا يومها بهذه الرسالة، وإنما أرسل عن طريق المجلة رسالة إلى مطاع صفدي أرفقها ب«ترجمته» للصفحة الأولى إلى اللغة الواضحة التي اعتقد أنها كافية لتوصيل كل ما كان يعنيه إلى القارئ بطريقة أقل غموضاً. وسأله في الرسالة: «ألم يكن من الممكن أن تكتب هذه الصفحة بالطريقة الواضحة التي كتبتها بها؟ وهل نقص في صياغتي لها شيء مما كنت تريد التعبير عنه؟».

لم يغضب صفدي من رسالة فؤاد زكريا، بل إنه ردَّ عليه رداً مُهذباً قال فيه إنه يقدر وجهة نظره ويستوعبها جيداً، ولكن زكريا ذكر بعد مرور نحو أربعين سنة على هذه الواقعة أن مطاع صفدي لم يستوعب وجهة نظره بالقدر الكافي ولم يستخلص منها العبرة، لأنه ظلَّ من النوع الذي يتعمد الغموض ويتخذ منه ساتراً يحجب عنه انتقادات القراء أو يوهمهم بأن هناك شيئاً شديد العمق من وراء هذه التركيبات المعقدة والعبارات والألفاظ الثقيلة.

ما قاله فؤاد زكريا صحيح، وينطبق على كثيرين غير الكاتب الذي ضرب به المثل، وبوسعي الإضافة هنا أن وضوح الكتابة هو موهبة لا تتوفر للكثيرين، وهي ليست نقيض العمق وليست قرينة التبسيط والضحالة، ومن هنا تحدثت العرب عن السهل الممتنع.
 
 
حرر في: 09/09/2015