المنشور

قمامة بيروت ليست قمة كرة الثلج!


حتى منتصف سبعينيات القرن العشرين الماضي، كان لبنان عنواناً للجمال والرقي الثقافي و”الهندام الحضري”. مياهه عذبة، فاكهته بنكهة عذوبة مائه وخصوبة أرضه، مسرحه الغنائي لوحة فنية مبعثها تلك الحالة البيئية االحيوية النادرة بأعلامها الشهيرة، الرحابنة وفيروز ونصري شمس الدين ووديع الصافي وغيرهم. وكانت مكتباته ومطبعاته معيناً متدفق لطالما نهل منه ملايين العرب من المحيط الى الخليج.  
 
في عام 1975 قرر اللبنانيون التماهي مع نضوج الظروف الموضوعية لانقسامهم السياسي (الطبقي في جوهره وإن التحقت الدهماء لدى الطرفين بامتداداتها المذهبية بعد أن وسمت وسائل الاعلام صراعهما بالصراع الاسلامي المسيحي)، حيث كان قسم من اللبنانيين منحازين لمعسكر العروبة والقومية، فيما انحاز قسم آخر لمعسكر أمريكا واسرائيل. فكان أن رفسوا تلك النعمة بأرجلهم وسمحوا لوحش الحرب الأهلية بإحراق كل ما هو جميل في بلدهم. ووصل تناحرهم ضد بعضهم البعض، والذي استمر لأكثر من 15 عاما و 7 أشهر (13 أبريل 1975- 13 أكتوبر 1990) وشارك فيه كل طوائف وإثنيات لبنان، بالإضافة إلى المخيمات ومناطق الوجود الفلسطيني في لبنان وكذلك القوات السورية وقوات العدو الإسرائيلي – الى القتل على الهوية، والى ارتكاب مجازر فضيعة والى جرائم الاختفاء القسري التي لازال ضحاياها الى اليوم مجهولي المصير.
 
اختار اللبنانيون الاحتراب فيما بينهم في 13 أبريل 1975 بعد محاولة اغتيال زعيم حزب الكتائب بيار الجميل التي قام بها مسلحون “مجهولون” والتي أدت الى مقتل مرافقه جوزيف أبو عاصي وثلاثة آخرين، فكان أن رد حزب الكتائب على محاولة الاغتيال بجريمة أفضع حين هاجم حافلة كانت تقل، كما أُشيع حينها أعضاء من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة و27 فلسطينيا ولبنانيا إلى مخيم تل الزعتر مرورا بمنطقة عين الرمانة،  واشتهرت بحادثة “عين الرمانة”، التي أطلقت شرارة الحرب وانتشارها كالنار في الهشيم في جميع مناطق البلاد. وقد أسفرت كارثة الحرب عن مقتل ما يزيد عن 150 ألف شخص وتشريد وتهجير 40 ألفا اضافة الى 17 ألف مفقود ومخفي قسراً.
 
هل تغير شيء بعد كل الذي جرى من قتل واستباحات ودمار وتهجير على مدار سنوات الحرب وما تلاها؟ …كلا لم يتغير شيء بالمطلق. فاليوم كما الأمس إن لم يكن أسوأ، وهو كذلك على أية حال. فاللبنانيون لم يتعضوا من دروس الحرب المريرة على ما هو شاهر للعيان. هم اليوم منقسمون كما الأمس، لكن ليس على أساس التصنيف السابق، مسلم مسيحي، وانما على أساس الفرز بين فريقي 8 آذار و 14 آذار للظفر بأكبر قدر ممكن من “منتجات ألبان بقرة الدولة اللبنانية الحلوب”.
وهو صراع لم ينهك الدولة ومؤسساتها فحسب، وإنما أحالها الى دولة فاشلة عاجزة منذ أكثر من عام عن الإتيان برئيس جمهورية، وعدم اكتمال نصاب برلمانها لأكثر من 26 جلسة بسبب تغيب غالبية أعضاء المجلس في إطار احتراب الفريقين، وعاجزة عن الإتيان برئيس حكومة معتمد وليس حكومة تسيير أعمال كما هو حال حكومة تمام سلام التي تعاني من شلل شبه تام منذ تولت السلطة العام الماضي.
 
واذا كان صاعق واحد تكفلت بتوفيره حادثة عين الرمانة، كان كافيا لاشعال فتيل الحرب الأهلية في 13 ابريل/نيسان 1975، فإن لبنان اليوم يختزن في جعبته عشرات الصواعق التي يمكن أن تشعل حريقا لا أول له ولا آخر، وستكون حرب الخمسة عشر عاما الماضية، مجرد نزهة أمام مصائبه.
 
واللبنانيون اليوم،  يحصدون على أية حال ما ألحقه ببلادهم، اصرارهم على التمسك “بوصفتهم السحرية” في الإدارة الكلية المجتمعية المتمثلة في الاقطاع السياسي وتفريعته التوريث الحزبي الطائفي. يستوي في ذلك، ونعني تحمل وزر مسؤولية طفح الكيل الذي لم تكن أكوام القمامة سوى أحد تجسيداته، الطبقة السياسية الاقطاعية وكذلك تعاضدياتها العصبية الشعبية في المدن والأرياف والنواحي والحواري. فمن دون هذه التعاضديات المشدودة طائفيا الى زعاماتها الطائفية والمذهبية، سوف ينهار أساس النظام الطائفي وتتفكك مؤسساته وتضمحل وجاهة ومكانة وحظوة زعاماته.
 
منظر أكوام القمامة في وسط العاصمة اللبنانية بيروت، بحد ذاته، يؤشر الى شكل من أشكال الانحطاط السياسي والإداري الكلي والثقافي والاجتماعي الذي تردت اليه الأوضاع في لبنان. هو منظر يعيد الى الأذهان أكوام القمامة التي تكدست لسنوات في مدن ونواحي وأحياء بلدان الاتحاد السوفييتي السابق بعد انهياره في نهاية عام 1990، والتي استمرت، كظاهرة ملازمة لانهيار النظام ومؤسساته الادارية والخدمية، لأكثر من ثلاث سنوات.
 
في مدينة ألماتي العاصمة السابقة لكازاخستان، كانت أكوام القمامة في عام 1993، مظهر واحد فقط من مظاهر الانحطاط الذي تردت اليه الحالة العامة للبلاد بعد أن وجدت نفسها فجأة وحدة إدارية مستقلة عن اتحاد الجمهوريات السوفييتية. ولكن تلك شعوب تداركت بسرعة فائقة مُصابها، لم تستسلم لقدره، وإنما عملت بجد واجتهاد للنهوض ثانيةً. وكان لها ما أرادت!
 
أيضا، فإن قمة فشل المؤسسة والطبقة الحاكمة في لبنان التي تمظهرت رمزيته بصورة صارخة وفاضحة في أكوام القمامة المتكدسة في العاصمة التي كانت يوما مدينة الأنوار والاشعاع الفكري والحضاري في الشرق العربي، إنما تكثف وتبلور وتعكس أحد أبرز عناوين المرحلة، متمثلا في التراجع المريع الذي منيت به المدينة العربية و”النجاح” البائن الذي أصابه الريف العربي بتمكنه من غزو المدينة والزحف عليها بجسارة وفظاظة وغلظة والشروع في عملية ترييفها بكل قيمه وثقافاته المتأخرة عن ثقافة المدينة.
 
بهذا المعنى فإن أكوام قمامة بيروت ومدن وبلدات جبل لبنان المتكدسة أمام نزل قاطنيها، وهي من المناطق السكنية الأكثر كثافة سكانيا (للتذكير فقط بأنه في عام 2011 كانت قرى مدينة صيدا الساحلية الجنوبية على موعد مع أزمة النفايات والقمامة)، ليست سوى مظهر واحد من مظاهر صديد الجسد اللبناني العليل، والتي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ،أزمة الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي وأزمة المرتبات، وهي كما تلاحظون تتصل بأساسيات الحياة اليومية للناس. وزير السياحة السابق فادي عبود علَّق على أزمة النفايات الحالية في مقال وزعه على وسائل الاعلام بالقول “إن انعدام الحلول لمشكلة النفايات في لبنان مرتبط ارتباطا مباشرا بلعبة المصالح”. أي بكلمات أخرى بتهتك النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. والمضحك المبكي أن يتقاذف فريقي الاحتراب مسؤولية ما آلت اليه الأوضاع في البلاد وصولا الى القمامة!
 
حرر في: 11 سبتمبر 2015