المنشور

حماس أمريكي‮ ‬لافت لمؤتمر باريس لتغير المناخ


كما توقعنا في مقال سابق، كلما اقترب موعد انعقاد مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين  ( Conference of Parties) في باريس (من 30 نوفمبر/‏‏تشرين الثاني الى11 ديسمبر/‏‏كانون الأول 2015) كلما ارتفعت وتيرة التحشيد الأمريكية والأوروبية من أجل ضمان خروج المؤتمر بوثيقة اتفاق جديد لتغير، المناخ «بحلة جديدة» تحل محل بروتوكول كيوتو الذي انتهت مدة سريانه في نهاية عام 2012. ففي الثالث من أغسطس/‏‏آب 2015 أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع وكالة حماية البيئة الأمريكية (  EPA) خطة الطاقة النظيفة ( Clean Power Plan) كأول خطة على المستوى الوطني تضع معايير محددة تستهدف خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في محطات الطاقة الكهربائية بنسبة 32% بحلول عام 2030 مقارنة بمستوياتها في عام 2005. على أن يبدأ تنفيذ الخطة في سبتمبر 2016? ولكن مع إعطاء الولايات فترات سماح تقدم خلالها عروض تخفيف ( Mitigation) مبدئية وتطلب بموجبها تمديد لمدة سنتين لتقديم عروضها النهائية. وقد تمت تعبئة الإعلام الأمريكي للترويج والدعاية لخطة الرئيس أوباما والحديث بزهو عن ريادة الولايات المتحدة للجهود العالمية المكرسة لمكافحة آثار تغير المناخ. وأدرج الإعلام الأمريكي هذه الخطة ضمن مجموعة المبادرات الأمريكية الرامية لخفض الانبعاثات بنسبة 71% في عام 2020 مقارنة بمستواها في عام 2005 ارتفاعاً إلى 26-28% في عام 2025.

لم يكد يمضي شهر على إعلانه «خطة الطاقة النظيفة» حتى قدم الرئيس أوباما نفسه من جديد كأكبر مبادر في العالم لمكافحة آثار تغير المناخ، وذلك بقيامه بزيارة استعراضية في الثاني من سبتمبر/‏‏أيلول 2015 إلى القطب الشمالي هي الأولى لرئيس أمريكي من أجل جذب الأنظار في أمريكا والعالم للتغيرات المناخية وتأثيرها في العالم. حيث أطلق الرئيس الأمريكي من هناك تحذيراته من مخاطر تغيرات المناخ وارتفاع درجة حرارة الأرض وذوبان الجبال الجليدية التي تؤدي إلى ارتفاع مستوى المحيطات، وقال إن عدداً من المناطق في أمريكا قد لا يكون عليها التعامل الآن مع هذه المسائل، لكن سيكون عليها القيام بذلك لاحقا، وما حدث هنا هو بمثابة جرس إنذار لأمريكا، ويجب أن يكون جرس إنذار للعالم أيضاً. كما نُظّم بالتوازن مؤتمر دولي كُرِّس خصيصا لمناقشة قضايا القطب الشمالي تحدث فيه الرئيس أوباما قائلاً «إن الولايات المتحدة تعترف بأنها تلعب دوراً كبيراً في زيادة درجات الحرارة على كوكب الأرض وتتقبل مسؤوليتها للمساعدة في معالجة هذه المشكلة. وأضاف أن «المنطقة القطبية الشمالية تشعر بالفعل بتأثيرات تغير المناخ»، مشيراً إلى أن ألاسكا تشهد «أسرع معدلات تآكل الشواطئ في العالم، وهو ما يهدد القرى الساحلية». ولربما لاحظ المتابعون للتطورات المتسارعة بشأن مؤتمر الأطراف المقبل في باريس ولسير التحضيرات الجارية له، أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما راح يكثر من تصريحاته حول تغير المناخ وتعمد رفع سقف التوقعات حول مؤتمر باريس المرتقب، حتى ليخال للمرء أن الرئيس أوباما يريد أن يكون فارس مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين، حيث يتطلع إلى التألق من خلال تقديم أداء استعراضي مبهر للمبادرات التي اتخذها في بلاده كرائد للمرحلة الثانية الجديدة من البرنامج العالمي لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. مع أنه معلوم لدى الجميع أن أمريكا هي الدولة الوحيدة في العالم تقريبا (معها في الحقيقة فقط أفغانستان والسودان) التي رفضت الانضمام إلى بروتوكول كيوتو، وفجأة تظهر اليوم كأكثر المتحمسين لنجاح مؤتمر باريس. وما من تفسير لذلك إلا لأنها تريد الانتهاء سريعا من صداع بروتوكول كيوتو، رغم انتهاء سريان مفعوله، وإحلال بديل له سريعا أيضاً ليكون سارياً على جميع الدول، المتقدمة والنامية على حد سواء، كما كانت تصر على ذلك وما زالت، غير معترفة بالتطبيق العملي لمبدأ المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة للدول في الانبعاثات
(Principle of Common But Differentiated Responsibilities) المنصوص عليه في الاتفاقية الإطارية الدولية لتغير المناخ.   
 ومن فرط حماسها هذه المرة لاتفاق جامع شامل، بادرت الولايات المتحدة لتعجيل إرسال «مساهمتها المعتزَمة والمقرَّرة وطنيا» (Intended Nationally Determined Contributions – INDCs). ولكنها اختارت أن تلزم نفسها فقط بمسؤولية الانبعاثات المصدرة اعتبارا من عام 2005 وليس عام 1990 كسنة أساس كما هو منصوص عليه في بروتوكول كيوتو. أي أنها غير مسؤولة حيال انبعاثاتها للخمسة عشر عاما السابقة لسنة الأساس التي اعتمدتها  2005.
 
الأمم المتحدة أيضا تم تشغيل ماكنتها بكامل عدتها لممارسة أكبر حملة تحشيد لإنجاح مؤتمر باريس، وأمينها العام بان كي مون يتواصل بشكل مباشر عبر الخطابات الرسمية مع زعماء البلدان النامية لحثهم على المشاركة الشخصية في أعمال المؤتمر من أجل إحراج وفودها الفنية وإجبارها على الموافقة على القضايا الخلافية الرئيسية (التخفيف وتوزيع حصص التخفيف وفترات السماح والتكيف وتدابير الاستجابة والتمويل ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات. كريستيانا فيغيريس ( Christiana Figueres) السكرتيرة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ التي توافي بان كي مون أولاً بأول بآخر ما يستجد من تطورات بشأن التحضيرات الواسعة لمؤتمر باريس، هي الأخرى لا تكاد تتوقف عن التصريحات والفعاليات التي لا تخلو من العلاقات العامة الموجهة لتضخيم أهمية المؤتمر وخروجه باتفاق ملزم لجميع الدول الأعضاء في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ (عددها 196دولة بما فيها جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وجزر نيوي (  Niue) المرجانية وجزر كوك القريبة منها والتابعة جميعا لنيوزيلندا والاتحاد الأوروبي). في المؤتمر الصحفي الذي عقدته فيغيريس في بون في ختام الاجتماع الثالث التحضيري الذي عقد في بون خلال الفترة من 31 أغسطس/‏‏آب إلى 4 سبتمبر 2015 أكدت للصحفيين في لهجة مشددة «بأننا نريد في باريس نص اتفاق قانوني وليس إعلاناً سياسياً». كما أكدت بأن المؤتمر سيحظى بتمويل سخي وان فرنسا التي كلفت وزير خارجيتها لوران فابيوس لرئاسة مؤتمر الأطراف الحادي والعشرين، أظهرت كرمها في تمويل تنظيم وانعقاد المؤتمر، وانه سيتم تمويل حضور الدول النامية الفقيرة والأقل نموا لاجتماع بون التحضيري الثالث الذي سيعقد خلال الفترة من 19 إلى 23 أكتوبر/‏‏تشرين الأول المقبل». كما وجهت الشكر للجزائر على تقديمها في ذلك اليوم “مساهمتها المعتزَمة والمقرَّرة وطنيا”.
 
 
حرر في 18/10/2015