المنشور

حقيبة كيري



ليس من عادة كبار الشخصيات، كرؤساء الدول ووزراء الخارجية فيها، أن يحملوا حقائبهم التي تحوي أوراقهم أو وثائقهم في أياديهم عند السفر في مهماتهم الرسمية. ومن النادر أن نرى حقيبة في يد أحد هؤلاء وهو يصعد سلم الطائرة أو يهبط منها، ففي الغالب يكون ضمن الوفد المرافق من يتعهد بمثل هذه المهمة من موظفي العلاقات العامة أو من سكرتارية المسؤول المعني.


مع ذلك حدث أن رأينا وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يحمل في بعض سفراته حقيبة يد، وبدا المشهد مألوفاً إلى حد ما، لكن ما لم يكن مألوفاً هو أن كيري حمل، وهو يهبط سلم الطائرة لحظة وصوله الأخير إلى موسكو، حقيبتين لا واحدة، ما أثار فضول مضيفه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي مازحه عند لقائه عما يحمله في الحقيبتين، بالقول: هل هي ملأى بالنقود كي تحسن شروط التفاوض معنا؟ ولم يكن رد الوزير الأمريكي بأقل دلالة حين قال: سأطلعك على ما فيها وسيعجبك.


كل منهما كان يعني ما يقول، فلا نقود في حقيبة كيري، إنما أوراق تحمل أفكاراً وتصورات للتفاوض حولها مع الغريم الروسي، الذي لا مفر من التفاهم معه حول ملفات معينة، في مقدمتها الملف السوري، بعد أن نجح بوتين في إعادة فرض روسيا كطرف لا يمكن تخطيه في الترتيبات المحتملة حول هذا الملف، وسواه من ملفات ذات علاقة.


أيكون بوتين بادر كيري حين تواجها على طاولة واحدة بالقول: هات ما في جعبتك، وعينهُ على حقيبة الوزير الأمريكي، وفي القواميس العربية وقعتُ على الشروحات التالية لمفردة الجعبة، فيقال عن أحدهم: أَفرغَ ما في جَعْبَتِه، والقصد أنه باح بسره، ويطلق على الشخص الذي يعرف أشياء كثيرة أو يتذكرها، ويكون دائم الاستعداد لاطلاع الآخرين عليها، جَعْبَة معلومات، وبالعكس يقال عن الشخص الذي ليست عنده أخبار: ليس في جَعْبَته شيء.


ولا ينطبق على كيري في زيارته الأخيرة إلى موسكو القول الأخير، ففي جعبته الكثير مما وعد بوتين بإطلاعه عليه، وهو يشير إلى الحقيبة إياها، كأنه يخشى أن تضيع.


لن يعلم أحد، خارج مَن تَحلق حول الطاولة في الكرملين، بما في تلك الجعبة، لكن حكماً من الجو الودود الذي بدت آثاره في ملامح المجتمعين وفي تصريحاتهم لوسائل الإعلام، يمكن القول إن فصلاً جديداً، لعله الأكثر أهمية وحسماً في الأزمة السورية، قد بدأ، أو أنه على وشك أن يبدأ.