المنشور

لصوص بدرجة دكتوراه..!!

لا يقل الحصول على شهادات وهمية او مزورة، عن كون ذلك وجهًا من وجوه الفساد وخراب الذمم، شهادات تصدر عن جامعات لا أصل ولا فصل لها، او دكاكين تعليمية، او جامعات غير معتمدة، او تلك التي تزعم انها تعمل بنظام التعليم عن بعد، والأمر برمته ينبئ عن كارثة اجتماعية وعلمية واخلاقية من العيار الثقيل تمس الحاضر والمستقبل، وهناك من عدّ هذه القضية التي باتت تلوث واقعنا بأنها قضية أمن وطني..!
طيلة الأسابيع الماضية وحتى الآن لم يكن هناك في الكويت حديث يعلو فوق معركة الشهادات المزورة، قيل إن ما اعلن يمثل فضيحة كبرى في العرف التربوي والتعليمي والأكاديمي، وجريمة كبرى في العرف الاخلاقي والاجتماعي والقانوني، رغم ان القضية ليست وليدة اليوم، ففي سبتمبر 2009 نشرت قائمة بأسماء 10000 من عدة دول ممن اشتروا شهادات مزورة، ومن ضمنهم 180 خليجيًا منهم 12 بحرينيًا، أنفق الجميع في سبيلها نحو 7 ملايين دولار للحصول على هذه الشهادات، وكان لافتًا في تلك الفضيحة ان معظم الشهادات المزورة كانت في مجالات حساسة ومهمة تتعلق بالطب والقانون والاقتصاد والتنمية والهندسة، وهي الفضيحة التي أثارت ضجة واسعة في الأوساط التعليمية الأمريكية، وكتبنا حينها موضوعًا يحمل عنوان هذا الموضوع نفسه خلصنا فيه الى انه حين تزّور وتباع شهادات عليا من دون جد واجتهاد، وعندما تتحول الألقاب والرتب الأكاديمية الى مهزلة، ويظهر لنا من يستولون على أساس هذا التزوير على وظائف ومواقع ومسؤوليات لا يستحقونها ويحصلون بموجبها على امتيازات ومنافع وألقاب نكون امام كارثة بكل معنى الكلمة.
زوبعة جديدة أثيرت في عام 2015 بعد ان نشرت مجلة نيويورك تايمز الامريكية فى مايو من ذلك العام تقريرًا عن شهادات وهمية لـ3142 شخصًا منهم 378 من الكويت، الى جانب عدد من البحرين وآخرين من دول خليجية اخرى، وفي عام 2016 اعلن في الكويت عن اكتشاف كارثة اخرى مماثلة عبر اعترافات من لُقب بـ«إمبراطور الشهادات المزورة»، الرجل اعترف انه استخرج نحو 600 شهادة ثانوية عامة، وان بعضًا ممن حصل عليها بالتزوير استطاع إكمال الدراسة الجامعية فى الخارج، وحصلوا على شهادات عليا، وهو الأمر الذي اعتبره البعض شهادات باطلة لأن أساسها باطل..! وفي السعودية أثيرت قبل سنوات القضية نفسها وحظيت بجدل كبير بعد الكشف عن «جامعات افتراضية» تعتمد «نظام التعليم عن بعد» حصل منها كثيرون على شهادات وهمية، وأعلن حينها عن اكتشاف 2700 شهادة مزورة، كما تم في عام 2013 ضبط معمل في منطقة القصيم لصناعة الشهادات الوهمية عثر فيه على اكثر من 16 ألف شهادة مزورة لجامعات ومعاهد محلية واجنبية بعضها كان معدًا للتوزيع، وفي عام 2014 كُشف عن وجود اكثر من 7000 من حاملي الشهادات العليا المزورة بينهم أكاديميون وأطباء ومهندسون ومثقفون ومسؤولون ورجال اعمال، وأسفر التفاعل الكبير الذي أبداه سعوديون في إطلاق اكثر حملة أهلية تولت مهام التصدي والكشف، ليس عن الشهادات الوهمية والمزورة فقط وانما امتدت الى فتح ملفات السرقات العلمية للأبحاث ولرسائل الماجستير والدكتوراه، احدى هذه الحملات حمل اسم «هلكوني»، وأُخرى تبنت اسم «سرقوني»، وهي عناوين ذات دلالة واضحة..!
يبدو ان كرة اللهب تدحرجت من جديد في الكويت هذه الأيام على خلفية الإعلان عن وضع ما يقارب 400 شهادة جامعية حتى الان تحت المجهر، بعد الكشف عن قضية جديدة من قضايا الشهادات الوهمية والمزورة، هذه المرة أخذت القضية منحى اكبر بعد ان أصبحت قضية رأي عام بشكل لم يسبق له مثيل في التفاعل والأصداء وسرعة اتخاذ الإجراءات والمحاكمات، القضية أخذت طريقها الى العناوين الأولى في الصحف الكويتية، واحتلت اهتمامات المجالس والديوانيات ومواقع السوشال ميديا، ومجلسي النواب و الوزراء والنيابة العامة، ويلاحظ ان القائمة شملت محامين ومهندسين وقانونيين وإعلاميين وممرضين وأطباء واصحاب اعمال وبعض مشاهير السوشال ميديا، وذكر ان الشبهات تحوم حول اسماء لشخصيات وقياديين في هيئات حكومية، منهم من يتبوأ مراكز حساسة، واصدرت 35 جمعية من مؤسسات المجتمع المدني في الكويت بيانًا شددت فيه على «ضرورة التصدي بحزم ودون هوادة لهذا التعدي غير القانوني وغير الاخلاقي للذين انتهجوا التزوير والغش كسيلة سهلة لتحقيق مكاسب على حساب الوطن والمواطنين، الأمر الذي سيلقي بظلاله على مستقبل الوطن والأجيال القادمة»، وطالبت هذه الجمعيات بسرعة اتخاذ إجراءات حاسمة للتصدي للشهادات المزورة ومحاسبة المزورين وعدم الخضوع لأي ضغوط، اما الحكومة الكويتية فقد تعهدت بأنها لن تتهاون في تطبيق القانون على الجميع ومواصلة جهودها في مكافحة الفساد واجتثاث منابعه، وأُعلن أن اسماء المزورين سوف تنشر لاحقًا بعد ثبوت ادانتهم قضائيًا.
فصول هذه القضية المثارة وجدناها وقد امتدت من الكويت الى البحرين، بعد ان قفزت الى الواجهة في الأيام الماضية معلومات مذهلة عن الشهادات المزورة في البحرين بدءًا من الثانوية العامة حتى البكالوريوس والدكتوراه، ووصل سعر الشهادة ما بين 1500 و4000 دينار، وعلى ذمة احد سماسرة الشهادات، هناك عدد كبير من البحرينيين يملكون شهادات مزورة من عدة جامعات مقابل مبالغ تختلف من جامعة لأخرى..!
المعلومات التي نشرت مذهلة، ولكن الأصداء هنا لم تكن كتلك التي وجدناها في الكويت، لم تصبح هنا قضية رأي عام، لم تتحرك جمعيات ولا نواب، ولا نشطاء، ولم تصدر تعهدات على غرار تلك التي تابعناها في الكويت، ولا.. ولا… سوى اللجنة الوطنية لمعادلة الشهادات والامانة العامة لمجلس التعليم العالي اللذين سارعا الى إصدار بيان يؤكدان فيه تصديهما لأي مؤهلات تعتريها شبهة تزوير وتحويلها الى النيابة العامة، وأنهما لم يتوانيا عن اتخاذ الإجراءات الرادعة كتلك التي اتخذت فى عام 2013 بحق جامعة دلمون بعد اكتشاف شبهة تزوير 8 مؤهلات علمية وأكثر من 60 كشف درجات، وهو الأمر الذي أدى في النهاية الى إغلاق الجامعة، ولم ينسَ البيان ان يذكرنا ايضًا بإجراءات اتخذت بحق الجامعة المفتوحة-فرع البحرين حين أسندت مهمة الإشراف على رسائل الماجستير الخاصة لعدد من الطلبة وإجراء مناقشتها الى احد أعضاء التدريس المتوفين..!!
لسنا هنا في وارد الدخول في التفاصيل، فليس هذا مجاله، وما تلك الوقائع إلا أمثلة، وكارثة الشهادات المزورة والوهمية وجدناها تثار في اكثر من بلد من بلدان منطقتنا الخليجية والعربية، وكلما ظننا ان هذه الكارثة بلغت نهاياتها نكتشف ان هناك فصولا أخرى لم تخطر على بال تكتشف هنا او هناك، وان هناك عصابات ومافيات منظمة تزور وتبيع الشهادات، وما أطلعناه في العلن بهذا الخصوص من المؤكد انه يخفي ما هو أعظم.. ما يهم الآن اننا جميعًا تبلغنا رسالة قديمة متجددة، وهي اننا أمام خلل رهيب اصاب منظومة القيم لا تكفي حياله اعلان اي جهة مسؤولة أنها عملت جردة حساب واتخذت الإجراءات والتدابير اللازمة، الأمر لا ينتهي بمجرد الإعلان عن ذلك، وسيكون خطأ فادحًا حصر هذا الملف في هذا الإطار، في هذه الزوايا المحددة، فالملف يفتح احد أوجه الخلل الرهيب الذي اصاب مجتمعاتنا ومسّ مسيرة العلاقات الأساسية بين الناس وفتح ابوابا كثيرة للفساد والكذب والتسلق والانتهازية، فحين يُسلع التزوير بشكل يمس العلم والأخلاق والقيم، وحين لا تكون درجة الدكتوراه عنوانًا للنبوغ او العلم والاجتهاد في التحصيل والدراسة والجد والكفاح، وانما هي حصيلة كذب ونصب وتزييف وخداع وشراء ذمم، وحين تطلق الألقاب بلا ضوابط او شروط لحملة دكتوراه مزيفين وغير مؤهلين يلوثون طهارة العلم، ويتبوأ هؤلاء المناصب والوظائف الرفيعة ويحصلون على امتيازات لا يستحقونها وهم المحنكون في هذا المجال، وحين لا يجد المؤهلون اصحاب الكفاءات من حاملي الشهادات العليا المعتبرة الذين لم يتلوثوا بفيروس الشهادات المزورة على فرصهم الحقيقة..! وحين نجد من زوّر وهو يدعي او يُكلف بمحاربة التزوير، فإننا نكون امام كارثة تكاد تضعنا -او هي وضعتنا وانتهينا- أمام عملية أخلاقية واجتماعية وتربوية وعلمية أحسب انها بدأت تفضح نفسها بنفسها دون حراك مجتمعي مدروس يذكر..!!