المنشور

تقارير ديوان الرقابة .. مهمة لا تحتمل التأجيل!


ما هو متعارف عليه حتى الآن، أن تقارير ديوان الرقابة المالية والادارية، أضحت تقدّم سنويا مادة غنية بمدلولاتها وحقائقها المستفزة لتساؤلات ومشاعر الناس في البحرين، وبمختلف مستوياتهم الثقافية والسياسية، وهم يتابعون تلك الأرقام الصادمة التي لم تتوقف منذ الإصدار الأول للتقرير في العام 2002 حتى التقرير السادس عشر، الذي صدر منذ أقل من شهر من الآن ورفعت منه ثلاث نسخ، من بينها نسخة لجلالة ملك البلاد ونسخة للحكومة وثالثة لمجلس النواب.
بطبيعة الحال تلك التقارير السنوية تقدم كشفًا مختصراً عن طبيعة الاجراءات الادارية، علاوة على كيفية إدارة الموارد المالية والأموال العامة في العديد من الجهات الرسمية، علمًا أن التقرير السادس عشر الذي نحن بصدد الاشارة إليه هنا، قد غطى ما مجموعة 102 مهمة رقابية، وقدم 137 تقريرماليًا وإداريًا عن جهات رسمية كانت محل متابعة من قبل المختصين في الديوان الذين يبذلون جهوداً استثنائية ومهنية مشكورة منذ أكثر من سبعة عشر عامًا.
وعلى الرغم من ذلك تبقى أسئلة الناس مفتوحة على اتساع رقعة ظواهر وممارسات الفساد والتجاوزات المالية والادارية، باعتبارها ظواهر وممارسات لازالت تستنزف الكثير من موارد الدولة وامكاناتها التي لا تُوظف بشكل صحيح أو ايجابي، في وقت تمر فيه بلادنا بأزمة مالية طالما استدعت مساعدات دول الجوار لإخراجنا من تداعيات مالية خطيرة ومديونية عامة متضخمة تجاوزت بحسب الأرقام المعلنة والتي افصح التقرير ذاته أنها بلغت أكثر من 30 مليار دولار، دون ان تتمكن الجهات المعنية حتى الآن من اقناع الناس بكيفية تجاوز تلك الحالة التي اضحت، وبحسب التقرير ذاته تلتهم اكثر من 94% من الناتج المحلي الاجمالي للبحرين، فيما يستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن المحاولات المستمرة حول حزمة من المشاريع الهادفة لإطفاء العجز في الموازنة فقط، ضمن ما اتفق على تسميته بمشروع التوازن المالي المنتظر تحقيق نتائجه مع نهاية العام 2022 الذي هو جوهر وغاية المساعدات المالية الخليجية التي بلغت عشرة مليارات دولار لبلوغ نقطة التوازن المالي المرجوه.
الغريب في الأمر أن برنامج التوازن المالي الذي حظي بدعم برلماني باعتباره الخيار الوحيد المتاح، في ظل تعذّر الخيارات الأخرى نظراً لأسباب ربما تكون سياسية أو أمنية أو مالية، لا تريد الحكومة أن تذهب إليها لاعتبارات تبدو غير مفهومة في العديد من وجوهها، وتستبدل بها خيارات مكلفة اجتماعيا ومعيشيا للشارع البحريني والتي من بينها المضي قدما في فرض ضريبة القيمة المضافة والتلويح بزيادتها بين فترة وأخرى، فيما يتدهور الوضع المعيشي اليومي للناس وتغلق العديد من الشركات والمؤسسات أبوابها، وتتراكم بذلك مديونية موازية لدى مؤسسات القطاع الخاص وتعمل المحاكم بأقصى طاقتها الاستيعابية للبت في قضايا الإفلاسات والمنازعات المالية نتيجة هذه الأوضاع، ونتيجة لاستمرار تداعيات الأزمات المالية محليًا واقليميًا ودوليًا وانعكاساتها على اقتصاد ريعي صغير لازال يعتمد منذ السبعينيات وحتى الآن على سلعة واحدة ووحيدة هي النفط الذي يمثل بحسب التقرير الذي نحن بصدده اكثر من 80% من ايرادات الدولة نتيجة لغياب، بل اهمال سياسة تنويع القاعدة الاقتصادية، التي شهدت نوعًا من التحول الإيجابي مطلع السبعينات والثمانينات، لكنها سرعان ما انتكست نتيجة عدم وجود التخطيط وغياب الرؤية الواضحة على مختلف المستويات.
هنا نتوقف متسائلين، في ظل هذه المصاعب المالية واقتصادية، ألا يجدر بنا كدولة ان نهتدي إلى سياسات مالية واقتصادية اكثر حصافة تحافظ بصورة أفضل على مواردنا المالية المهدرة والتي كشف التقرير بعضًا من جوانبها وأغفل بكل تأكيد جوانب أخرى مهمة منها؟! خاصة واننا نشهد انكفاءاً خليجيًا وعربيًا عن مسيرة التعاون التي ربما كانت حلما يومًا ما وأضحت أملا في ظل انشغالات دول الجوار بقضاياها ومصاعبها السياسية والاقتصادية وتفكيرها بشكل منفرد بعيدا عن سياسة التكامل التي كانت خياراً، وأضحت المنافسة المحتدمة بديلا لها بكل أسف، حيث بتنا نشهد ونتابع اضمحلال وانتهاء مشاريع عملاقة مشتركة لصالح مشاريع ذات صبغة أحادية تنافسية مرهقة لما لدينا من مشاريع وتوجهات اقتصادية.
بات من الملزم علينا كدولة وكسلطة تشريعية التفكير في كيفية استعادة كل تلك الأموال والموارد التي تحدث عنها التقرير لخزينة الدولة والحفاظ عليها من العبث والتطاول، لتبقى المهمة القادمة هي مهمة تحقيق الارادة الوطنية للحفاظ على ثرواتنا ومواردنا وتنميتها بعيدا عن العبث وسوء الادارة، حتى لا تبقى تقارير ديوان الرقابة حبر على ورق.. إنها مهمتنا جميعا.