المنشور

أزمة “كورونا” من منظور عمالي

منذ أن وصل فيروس كورونا كوفيد إلى البحرين، قامت الحكومة بالعديد من الخطوات التصاعدية لمنع تفشي الفيروس، ونبحث هنا بعض المواضيع المتعلقة بالوضع العمالي.
أولا: في جانب الصحة والسلامة المهنية
في القطاع الحكومي اتخذت الأجهزة الحكومية العديد من الاجراءات الوقائية وقلّصت من المراجعات، وتوجهت إلى تقديم الخدمات الإلكترونية، وفعلت العمل من المنزل والعمل بنظام التناوب في العمل بين المنزل ومقرات العمل، ويحسب للقطاع الحكومي وجود النص المنظم لمسألة العمل من المنزل.
بينما في القطاع العام قامت العديد من الشركات الكبيرة، وبالأخص المقدمة للخدمات والتي تهتم بسمعتها وصورتها العامة إلى جانب اهتمامها بموظفيها، وبالأخص اهتمامها بمواصلة العمل والانتاج بأخذ خطوات مماثلة للتي أخذها القطاع الحكومي، بل أن بعضها قام بخطوات أكثر من خلال تقسيم الموظفين على مجموعات، وتوزيعهم على مواقع مختلفة بالارتباط مع العمل من المنزل، حرصًا على صحة الموظفين من جهة، وعلى استمرار العمل من جهة أخرى.
ولكن أغلب المؤسسات في البحرين هي مؤسسات صغيرة ومتوسطة، لا تتوفر لديها الإمكانيات ولا الخبرات لأخذ مثل هذه الخطوات، بالإضافة إلى عدم اكتراث بعص أصحاب الأعمال بصحة وسلامة العمال والموظفين، فنسمع كل يوم قصصًا عن الإستهتار بصحة الموظفين في العديد من المواقع. وهنا يفترض أن تأخذ المؤسسات ذات العلاقة دورها الغائب لحد اللحظة؛ وأهمها وزارة العمل والتنمية الاجتماعية والنقابات والاتحادات النقابية. تجدر الأشارة هنا إلى أن القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على العمالة المهاجرة هي الأكثر استهتارا بالوضع والأقل اتخاذًا للتدابير الوقائية. والأسوأ حالًا هم العاملون في المهن الحرة الذين يعانون الأمرّين في توفير لقمة عيشهم وكفّ حاجة عوائلهم، بل أصبحو يخاطرون بأنفسهم ولا يملكون الامكانيات اللازمة للوقاية.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن العديد من الشركات الصناعية الكبرى بفعل عناد كبار مسؤوليها لا تقوم بأقل القليل من اجل المحافظة على سلامة موظفيها وهذا ما تشتكي منه نقاباتها الفاعلة.

ثانيا: تحمل رواتب المواطنين من صندوق التأمين ضد التعطل
ضمن حزمة الدعم التي أعلنت عنها الحكومة، وشملت تحمّلها لفواتير الكهرباء والماء والرسوم البلدية وإيقاف استقطاع القروض على الشركات والمواطنين لمدة ستة أشهر، إلى جانب تحمّل تكلفة رواتب المواطنين في القطاع الخاص لثلاثة أشهر، إلا أن المفاجئ (ربما لا يجب أن نتفاجئ) أن تمويل دفع الرواتب سيكون على حساب العمال أنفسهم. فأعلنت الحكومة أن هذا التمويل سيكون من خلال صندوق التأمين ضد التعطل (وللتذكير فإن العمال يساهمون في الصندوق ب1% من رواتبهم، ويدفع مثلها أرباب العمل والحكومة ويقوم الصندوق بتقديم اعانات التعطل عن العمل للمفصولين تعسفيًا والباحثين عن عمل).
في الأصل نرفض المساس بأموال العمال، وأيضًا تجب الإشارة إلى الحاجة لإشراك العمال في ادارة الصندوق ذاته، ولكن في هذا الوضع الإستثنائي وفي ظل تردي الوضع الاقتصادي، وعندما يكون الهدف المحافظة على العمالة المحلية من التعرض للفصل من العمل، فإن الأولى أن نقبل بهذا التوجه كحلٍ يُبعد العمال عن البطالة، وكخطوة وقائية واستباقية بدلا من التعامل مع النتائج التي لا يختلف اثنان على وضوح ملامحها.
إلا أن الواقع المنظور يوضح بأن هناك العديد من القطاعات لم تتأثر من الوضع القادم، بل بالعكس أن بعض القطاعات مستفيدة بشكل كبير من الهلع الجماعي والتوجه إلى التخزين والشراء خوفًا من المجهول. فكيف يمكن أن يتم دعم المتضرر والمنتفع في ذات الوقت؟ ومن جانب آخر يجب أن تكون هذه المبادرة مربوطة بحماية العمال من الفصل فعلًا، من خلال تضمين القانون الذي أرسلته الحكومة لمجلس النواب نصًا يلزم أصحاب العمل المستفيدين بعدم فصل المواطنين خلال العام الجاري، وإلا استرجعت الحكومة كل مبالغ الدعم أو ربما مضاعفة وقتية لتعويض الفصل التعسفي تمتد لنهاية العام، وإلغاء مادة الفصل الاقتصادي في قانون العمل.
ولكن، هل فعلًا هذا الدعم موجه للعمال؟ أم أنها طريقة ذكية من الحكومة لتمرير دعم للتجار تحت عنوان شعبي وجماهيري من الصعب معارضته أو رفضه.
وحتى كتابة هذا المقال (الثلاثاء 24 مارس) كان يفترض أن يعرض مشروع القانون بشكلٍ مستعجل على مجلس النواب في جلسته المنعقدة بذات اليوم، حسب ما أعلن ضمن قرارات اجتماع مجلس الوزاء (الأثنين 23 مارس)، ولم يقدم أحد اي تفسير لعدم ادراجه على جدول أعمال جلسة مجلس النواب اليوم، فلا نعرف إن كانت رئيس مجلس النواب أوقفته، أم أن الحكومة طلبت عدم ادراجه، أو أنه لم يصل إلى مجلس النواب خلاف المعلن؟

ثالثا: هل سيستلم العمال رواتبهم؟
واضح كوضوح الشمس أن العديد من القطاعات تضررت بشكل كبير جدًا، وأهمها القطاع السياحي من فنادق ومطاعم ومقاهي وقطاع التجزئة وغيرها من القطاعات، وبدأ أصحاب الاعمال في اجبار العمال على أخذ اجازة اجبارية أو إجازة بدون راتب، أو اخطارهم بعدم دفع رواتبهم حتى إشعار آخر. فأين وزير العمل والشؤون الاجتماعية عن مهامه، وأين الاتحادات النقابية عن التفاوض على المستوى الوطني؟ أم أن حقوق العمال والعمالة المهاجرة للتنظير في قاعات الفنادق؟
وتجدر هنا الإشارة والإشادة بمقترح النائب الرفيق سيد فلاح هاشم في مجلس النواب بإلزام أرباب العمل بتحويل رواتب العمال إلى حساباتهم في المصارف والذي رفضته الحكومة تحت حجة صعوبة تحققه، وبعدها رفض النواب له بناء على رأي الحكومة، بينما لو تمّ تطبيق المقترح لاستطاعت الوزارة معرفة العمال المتضررين وأخذ الإجراءات لحمايتهم وحماية حقوقهم.

رابعا: حقوق المصابين والمحجورين احتياطيا
سواء في الحجر الطبي أو المنزل
إن قرار الحجر الصحي قرار يتخذه الطبيب المختص، سواء في الحجر الطبي ام في المنزل حماية للمجتمع ككل ولمكان العمل أيضًا، فلا يجوز أن يتم تهديد العمال بخصم الإجازات أو اقتطاع الأجر، أو حتى الفصل من العمل بل يجب التحلي بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية التي توجب دعم المصابين والمحجوزين. ولدينا من الشكاوى الكثير، ولو سمح لنا أصحابها كنا نشرناها هنا لولا الخوف عليهم من الفصل من العمل، وهم يرضون بمثل هذه القرارات التعسفية على مضض لعلمهم أنه لا يوجد من يحميهم.

ختاما؛ اتمنى من وزارة العمل والنقابات والأتحادات النقابية أخذ دورهم المطلوب كما يجب على العمال انفسهم الألتزام بتعليمات الصحة والسلامة واتمنى ان تفلح الجهود المجتمعية في القضاء على هذه الجائحة ويرجع الاستقرار لبلدنا ولكل العالم.