المنشور

تأملات في “كورونا”

في عز الحصار، بعد انتشار وباء “كوفيد “19 المستجد وتحوّله إلى أزمة صحية عالمية ومطالبة السلطات الصحية في بلدنا للناس بعدم الخروج إلا للضرورة، طرق باب بيتي جاري الصغير قائلًا: أنا سلمان، عمري تسع سنوات، أبحث عن طفل يلعب معي.

تأملت الشوارع الخالية من روادها بعد امتثال الناس لنصيحة: “لا تخرج من بيتك إلا للضرورة” وتساءلت هل كنا نذرع الشوارع وننفث عوادم سياراتنا ونلوث بيئتنا ونتسبب لأنفسنا ولغيرنا بحوادث السير المميتة ونحن في حالة ضجر؟ مجرد تزجية وقت وبلا ضرورة ؟

عالمنا السابق الذي كنا نعرفه ونألفه، يصغر يومًا بعد يوم، شبكة الأصدقاء تضيق، الكلام يقلّ، في المقابل نشأت على أنقاض عالمنا القديم مساحات جديدة خالية بيضاء، نشتغل كل صباح لشغرها بهوايات جديدة وشغف جديد، وثمة فائض من الوقت للتدريب على الجديد.

مررت اثناء التسوق في المجمعات التجارية بالكمامات بكثيرين عرفتهم ولم يعرفوني، استدرت ذات مرة بعد أن تخطيت زميلًا أعرفه، لكنه استدار قبلي كي يتأكد، التقت أعيننا خلف الكمامات، كلانا لم يتيقن من شخصية الآخر، لكن كلانا قرر مواصلة الطريق بلا سلام ولا اعتذار.عادي انه زمن كورونا

هل صحيح أن الناس صارت تختبر وفرة من الوقت وتعجز عن ملئها؟ هل بدأت هذه الظاهرة مع كورونا، أم أنها كانت معنا منذ احتلال الأتمتة لكافة أعمالنا وأنشطتا الحياتية، ما أن يبدأ النظام وال”سيستم” الوظيفي بالعمل وحده حتى يتحوّل بشكل تلقائي إلى ساعات عمل وجهد أقل، فيجد الموظف نفسه فارغا “مكرونًأ”.

تصرّ صديقتي أن كورونا لا يخلو من مؤامرةٍ ما، وأقول لها كما قالت الخنساء: “ولولا كثرة الباكين حولي على كوراناهمو لقتلت نفسي”، وصدقت المؤامرة.

تصل نسبة الدقة لدى أجهزة فحص كورونا 8%. كثير من المصابين نقلوا العدوى مع ثبات خلوهم من الإصابة، أهو فساد الأجهزة أم فساد المؤسسات التي اشترت الأجهزة، ام مهارة الفيروس في التخفي ؟

تعرّض متوفي جنوسان ذو السبعون عاما للفحص مرتين وجاءت النتائج سليمة، ذهب إلى بيته مطمئنا، مارس عددًا من الأنشطة وخالط العشرات ثم جاءت الفحوص الثالثة الأخيرة إيجابية، مات تاركا خلفه كوارث من التعطل والحجر واستنفار الأجهزة الصحية والهلع والخوف وفحوصات عديدة ومتكررة ومزعجة لبشر أبرياء، صادف وجودهم في محيط دائرته.

النمو الذي حقتته بعض البلدان في عدة سنوات، تبخرّ بسبب كورونا في عدة أيام، ومشاريع عملاقة جرى الإعداد لها ماليًا ولوجستيًا على مدى عقود تأجلت، السؤال ليس ما فعله بنا كورونا اليوم أو الآن، السؤال إلى متى ؟

دول كثيرة أعلنت خلوّها من الفيروس خشية على مصالحها، لكن فضحها المسافرون المغادرون منها، حين تدخلت منظمة الصحة العالمية بقوة في شأن الجائحة الجديدة وبدأت تنشر الحقائق والمعلومات حول هذه الدولة أوتلك، راحت عديد من الدول تعلن وتفصح وتنتهج الشفافية وتشير يومياً إلى أرقام المصابين والموتى والمتعافين، بدا وكأن هناك سباقا لنيل الجوائز والمكافئات والترضيات.

كورونا هي القشة التي قصمت ظهر المسنين. كانوا قبل الوباء محاطين بأسباب السعادة، أبناء واحفاد ورعاية ودلال، فقدان كل ذلك هو الموت بعينه.

ترى لو حلّ كورونا في عز الصيف والحر، هل كنا سنتأفف من الحجر والحصار وعدم الخروج إلا للضرورة؟ الم يسرق كورونا ربيعنا القصير مما ضاعف حسرتنا على ضياع هذا الوقت الجميل؟

المدن الضخمة التي أقيمت على بحرنا المدفون واستنزفت ثرواتنا البحرية ورمالنا وبيئتنا وأشجار القرم على مدى سنوات، ربما قد حان الوقت للتوقف عن مواصلة الاستثمار فيها بعد تشبع هذا النشاط الاقتصادي وخلو المدن من قاطنيها، والتوجه الجاد الى معالجة البحر وتصحيح اختلالاته وإعادته الى أهله وناسه بوصفه مورد الغذاء الأصلي لأهل الجزيرة البحرية، والسلعة المستدامة وغير الناضبة.

من المفارقات أن المدن البحرية الاستثمارية ذات الطابع الرفاهي البذخي والتى خلت من قاطنيها، تحوّل بعضها إلى مكان لحجر مصابي كورونا .

تنفست الطبيعة نسبيًا بعد انحسار الأنشطة البشرية، ألم يكن كورونا إنذارًا أخيرّا لتدارك أزمات المناخ المتراكمة والتي لم تجد صدى لاستغاثاتها في السنوات الماضية؟

في زمن كورونا نحتاج الى نصائح وفتاوى الأطباء والمختصين فقط.

هاتفي أيضا لم يعد يرن إلا للضرورة. أين ذهب كل هؤلاء المحفوظة أسمائهم في ذاكرته ؟هل تبخر الأصدقاء، أم أنه مزاج كورونا الذي غيًر كل شي ؟

سؤال أخير: هل صحيح أن أجهزة الاستخبارات في الدول الكبرى عجزت عن التنبؤ بقدوم الجائحة والاستعداد لها، أم انه فشل استخباراتي بامتياز ؟