المنشور

صوت المثقف وحيد، لكنه رناناً!

كم أنت خائف من تلويث يديك. حسناً، فلتبقَ نقياً! كيف يساعدنا هذا ولماذا جئت إلينا؟ النقاء هو مثال للزاهد والناسك. وأنتم أيها المثقفون، أيها الفوضويون البرجوازيون أنتم ترون هذا كاعتذار عن عدم القيام بشيء. ﻻتفعل شيئاً، ظل كما أنت، فلتبقَ يداك في خاصرتيك، فلتلبس قفازات الأطفال. أما يداي فهما قذرتان. لقد غمستهما حتى المرفق في الدم، فماذا إذن؟ هل تستطيع أن تحكم وتظل روحك بيضاء؟
الفقرة أعلاه مقتبسة من مسرحية “الأيدي القذرة” لسارتر، إذْ يخال الكثير من المحسوبين على الثقافة بأنها ترفاً مخملياً يركن في بروج عاجية، في الوقت الذي يرى البعض أن الثقافة يجب أن تكون قماشاً شعبيا يُعوّل عليه الارتقاء بالمجتمع عبر تلمس ثقوبه وسدّ فجواته وتهذيب مخالب من يشوهون وجهه الإنساني وإدراك الفارق بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي – بحسب غرامشي – الذي يرى بأن كل البشر مثقفون بمعنى من المعاني ولكن ليس جميعهم يملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين.

ومن دون نظرة فاحصة للمشهد الثقافي؛ يمكننا أن نتلمس الاختلاط المستمر بين ما هو رأي شخصي وما هو واقع مما يؤدي لحدوث تصادم تكرسه النمطية والقناعات الجاهزة. ولا يستطيع أحد تفادي هذا التصادم إلا بتحطيم التابوهات المقدسة ورفض تأطير صورة المثقف التي يجب أن تتمتع بانتقائية مجردة من الأهواء و قدرة حرة للكفر بالتبعية العمياء وتحقيق الاستقلال الفكري. فالتحدي الذي ينبغي أن يخوضه المثقف هو أن يكون انتقاديا رافضا لتبني الأساليب الخطابية الملقنة، ينفتح للشك والسخرية الشكلية. التحدي ذاته الذي يلح بسؤال إدوارد سعيد الكبير: هل يكفي أن نكون مثقفين لأنفسنا؟

يفك المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد جدال توصيف المثقف بسلاسة في كتابه (الآلهة التي تفشل دائماً) “إن المثقف بحسب مفهومي للكلمة، لا هو عنصر تهدئة ولا هو خالق إجماع، إنما إنسان يراهن بكينونته كلها على حسّ نقدي، ويمتلك موقف الإصرار على رفض – الصيّغ السهلة – والأقوال الجاهزة المبتذلة والتأكيدات المتملقة والدائمة المجاملة لما يريد الأقوياء والتقليديون قوله أو فعله. ولا يقتصر رفض المثقف والمفكر على الرفض السلبي الهامد، بل يجب أن يكون رغبة تلقائية نشطة في الإفصاح عن ذلك علناً”.

يرسم سعيد تصوّره للمثقف بريشة واضحة لا تكتمل بدون دعامتين، أولاُ الانشقاق عن كل ما هو إتباعي ومبتذل ومكرس. وثانياً الالتزام بمعايير الحق الخاصة بالبؤس الإنساني، الأمر الذي يؤكد أهمية نزع هوية المثقف بالشكل الذي يسمح له بالابتعاد عن احترافيته الروتينية أو تخصصه الضيق، لأن المشكلة الجوهرية في نظره، تكمن في كيفية التوفيق بين هوية المرء وحقائق ثقافته ومجتمعه وبين واقع الهويات والثقافات والشعوب الأخرى من دون أية مفاضلة شوفينية لثقافة على أخرى أو شعب على آخر.

وبهذه المزاوجة يستهدف سعيد النخبة المثقفة باعتبارها المعنية بالمشاريع التنويرية للإنسان والمنوطة باستثمار جهوده وفكره لتوفير مساحات يرتع فيها التعايش الحر. الحرية التي تمزج بين التعريف بالممارسة الإنسانية ورسم حدودها ووظائفها من جهة، وعملية النقد التي تهدف إلى تعقّب البديهيات الراسخة والأحكام المسبقة والتخلي عن المعادلات السهلة، التعميمية والاختزالية والتي تفتقر إلى الموضوعية وتكلف طاقة المثقف من جهة أخرى.

إننا حين نمعن في صورة سعيد سنجده نموذجًا لافتًا، كونه فلسطيني الجذور أمريكي الجنسية، وأستاذاً للأدب الإنجلينزي والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، ناقدًا موسيقيًا بارزًا في صفحات ثقافية أمريكية سابقة، عازف بيانو هاويًا ومدافعًا صلبًا عن القضية الفلسطينية في الصحف الإخبارية والمحطات التلفزيونية. لا يختلف أحد على أنه وجه مثير للجدل على المستويين العربي والعالمي، إذ مثلت تجربته الثقافية وممارساته النقدية استيقافاً خلاقا لمفهوم الهويّة المهجنة، هو نموذج لافت لتماهي الهويّات لتصل لهوية اللا مكان الرافضة لتصنيف الدين والأيديولوجيا والتوجهات وللمزايدات الرتبية لمثقفي التيار الأصولي، ولعل هذا سبباً كافياً لتحقيقه نقداً عالمياً تخطى حدود الفروع العلمية من خلال تجاوزه لأصوله الأكاديمية والقومية ليطالب بخطاب عربي متمايز يمارس النقد الذاتي. يقول سعيد في كتابه “الآلهة التي تفشل دائماً”إن كون المثقف هامشياً وغير مجن مثل شخص ما في منفى حقيقي عليه أن يكون مستجيباً على نحو غير عادي للمؤقت المنذر بالخطر لا للمعتاد، للابتكار والتجربة لا لشرط الوضع القائم بقوة السلطة وللسكون الراكد”.

وفي رثاء الشاعر الراحل محمود درويش لسعيد كتب الأول “لا أستطيع أن أودع إدوارد سعيد، من فرط ما هو حاضر فينا وفي العالم، ومن فرط ما هو حيّ. ضميرنا وسفيرنا إلى الوعي الإنساني سئم، من الصراع العبثي الطويل مع الموت. لكنه لم يسأم من مقاومة النظام العالمي الجديد، دفاعاً عن العدالة، وعن النزعة الإنسانية، وعن المشترك بين الثقافات والحضارات. كان بطلاً في مراوغة الموت طيلة اثني عشر عاماً، بتجديد حياته الإبداعية الخصبة، بالكتابة والموسيقى وتوثيق الإرادة الإنسانية، والبحث الحيوي عن المعنى والجوهر، ووضع المثقف في حيّزه الصارم. لو سُئل الفلسطيني عما يتباهى به أمام العالم، لأجاب على الفور: إدوارد سعيد، فلم ينجب التاريخ الثقافي الفلسطيني عبقرية تضاهي إدوارد سعيد المتعدد المتفرد”.

لم تكن صفحات “الآلهة التي تفشل دائماُ” مثلاً، إلا مجاهرة أكاديمية علنية بانحياز سعيد للتوجه الإنساني والفكر النقدي الذي ينبعث من نقد الذات وفتح مداركها على كل ما هو مختلف ومغاير، مستثمراُ كل رصيده المعرفي بدقة وحصافة على وقع المأزق التاريخي الذي يحتاج إلى تحليل شامل يعيد زخمه الحيوي.

*العنوان مقتبس من كتاب إدوارد سعيد/ الآلهة التي تفشل دائماَ