المنشور

ماركس والسُكان الأصليون في المُستعمرات – 4

بقلم: John Bellamy Foster
ترجمة: غريب عوض

الماركسية والسُكان الأصليون
إن مُعظم النقد الموجه للماركسية لعدم تقديرها ثقافات ونِضال السُكان الأصليين غير مُحدد، مُجرد الإسناد إلى المادية التاريخية والحتمية الإقتصادية والتكنولوجية، والإلتزام غير النقدي بالتنمية، والترويج المُتطرف لإنتاج أكبر من أي زمنٍ مضى (أي الإنتاجية) والتأكيد على البروليتاريا على حِساب الفلاحين والسُكان الأصليين. وبينما هذهِ بالتأكيد بعض سِمات تقاليد ماركسية مُعيّنة، حتى أن البعض منها لعِب أدواراً مُهيمنة، إلا أنها بالكاد تُمثل فكر ماركس أو أنجلز، أو التقاليد النقدية الثورية لماركس بشكل أكثر عمومية.
ومن المؤكد أن أنجلز اتخذ موقفاً مأساوياً نوعاً ما تجاه مجتمعات السُكان الأصليين، وأشاد بها إلى حد أكبر من ماركس، بينما يكتب أحياناً كما لو كان أمراً لا مفر منه بسبب نقاط الضُعف في الشكل القَبَلي للمجتمع الذي كان مُحاصراً داخل حدوده الخاصة وإضطر إلى إفساح المجال لأشكال أُخرى من التنظيم الثقافي، كما يتجلى بالفعل في شكل مُتناقض في كونفدرالية عشيرة أيروغوس. وعلى النقيض، كانت مُقاربة ماركس الأكثر دقة أكثر تساؤلاً حول ثقافات السكان الأصليين – على سبيل المِثال، تكشفُ عن تحفظات حول ما يتعلق بمزاعم تخص المُساواة الكاملة بين الجنسين في عشيرة الأيروغوس Iroquois – وفي نفس الوقت أكثر إنفتاحاً على الفكرة التي تقول إن ثقافات السُكان الأصليين بإمكانها الاستمرار وإعادة تكوين نفسها من خلال الصِراعات التاريخية.
ومع ذلك، فإن مُعظم كتابات ماركس في هذا الصدد، بما في ذلك دفاترهُ الإثنولوجية، ظلت غير معروفة، وكان نهج أنجلز المأساوي هو الذي ساد في الأُممية الثانية في عمل بعض من ورثة ماركس مثل بول لافارغيو Paul Lafargue وكارل كاوتسكي Karl Kautsky وجورجي بليخانوف Georgi Plekhanov، ولكن في شكل حتمية تقنية وأكثر تطوراً بشكل صارم مما يُمكن أن يُنسب إلى أنجلز (وأقل إلى ماركس). ومع ذلك، لايُعتبر أي من هذهِ الملحمات اليوم نموذجاً للفكر الماركسي الكلاسيكي. والشيء الأكثر أهمية بكثير الدِفاعات القوية لروزا لوكسمبورغ حول الإقتصادات الطبيعية للسكان الأصليين، وإصرار فلادمير لينين على تقرير المصير الوطني لجميع الشعوب، والنسج الثري لخوسيه كارلوس مارياتيغي مع الماركسية والسكان الأصليين، جميعها تُشيرُ إلى نقد أعمق لتطور الرأسمالية المركزية الأوروبية.
لم تُلهِم الماركسية حركات التحرر الوطني في جميع أنحاء محيط الإقتصاد الرأسمالي العالمي فحسب، بل بدءاً من خمسينيات القرن الماضي وامتداداً حتى سبعينيات القرن الماضي، كانت هناك مُحاولات كبيرة لدمج النظرية الماركسية بنظالات السكان الأمريكيين الأصاليين في عمل أشخاص مثل Eleanor Burke Leacock، وPatricia Albers وBruce Johansen، وRoberto Maestas، وLawrence David Weiss، وHoward Adams، وغيرهم. وكما أكد جونسين هاورد أدمز، إن الماركسية نفسها وفقاً لدراسة ماركس وأنجلز حول عشيرة إروغوس من خلال لويس مورغن، تُدين بالكثير لِثقافات السُكان الأصليين. ومُنذُ عهدٌ قريب، استمدت الحركة نحو الإشتراكية في الثورة البوليفية الكثير من حيويتها من التقليد الثوري العام المُتجذر في كُلٍ من الماركسية والسُكان الأصليين.
في الوقت الراهن، هناك تفرع جديد للعمل نابع من كُلٍ من التقاليد الماركسية والتقاليد الثورية للسكان الأصليين. إن عمل Coulthard الخارق بعنوان “البَشرة الحمراء، والأقنعة البيضاء” يخلقُ توليفاُ غنياً بين ماركس، وفرانز فانون، ومنظور السكان الأصليين في رفضهِ المُتطرِف لسياسة الإعتراف عند المُستعمر. ويرتبط تصوير Allan Greer الرئع لأشكال المُلكية عند السكان الأصليين في أميركا واستيلاء المستعمر على الأرض في أمريكا الشمالية الحديثة المُبكِرة في كِتابه بعنوان “المُلكية ونزع المُلكية” إرتباطاً عضوياً بأبحاث لِشخوص مثل Morgan و Marx و Engels. إن الكاتبة الأمريكية Roxanne Dunbar-Ortiz تُقدم تحليلاً ماركسياً حول السُكان الأمريكيين الأصليين، كيف أن تأسيس الولايات المتحدة وتوسعها المُستمر مُتجذّر في “ايديولوجيا تفوق العِرق الأبيض، والمُمارسة المُنتشِرة للرِق الأفريقي، وسياسة الإبادة الجماعية ونهب الأراضي.
في كِتابهِ بعنوان “نهاية عالم الإستعمار الإستيطاني”، يوضح الكاتب Gerald Horne كيفية تَداخُل الإبادة الجماعية للشعوب الأصلية مع ظهور رقيق العبيد والذي لايقل فضاعة أثناء صعود نظام الرأسمالية للسيطرة على العالم. وُقدم الكاتب Nick Estes تاريخاً لافتاً للنظر لقرون من مقاومة السكان الأصليين وصمودهم الثوري، ”جحور” مثل حيوان الخُلد لدى ماركس كجزء من ”الحركة الأطول في التاريخ.“ ينبغي مُلاحظة أن النقد الواسع اليوم للإستعمار الإستيطاني سبقهُ مُعالجات ماركس للموضوع ضمن النظرية الإمبريالية في عمل مفكرين كماركس وأنجلز و روزا لوكسيمبورغ و أرغيري إمانويل وهري مغدوف و دونبار أُورتيز و موشيه ماتشوفر.
في جميع هذهِ الأعمال، المُنبثقة من المادية التاريخية، هُناك تأكيد على نزع مُلكية الثقافات الأصلية كعملية مُستمرة – تلك التي بدلاً من أن يكون فيها الاستعمار الإستيطاني مُجرد عُنصر من الماضي، يستمر في أن يكون جزء من هيمنة الرأسماليين على الشعوب وعلى الأراضي. ومن هذا تتدفق مقاومة لا يمكن قمعها تأخذُ أشكالاً مُختلِفة، ولكنها مع ذلك ترفض أن تستكين.

الخُلاصة: الثورة المُضادة للإستعمار/ والرأسمالية
يُجادل كولتهارد Coulthard في كِتابهِ “البشرة الحمراء، الأقنعة البيضاء” فيما يتعلق بماركس بأنه يجب يتم تناول المواضيع الثلاثة ضمن عمله لكي نجعل كتاباتهِ حول الاستعمار الإستيطاني مُلائمة لتحليل العلاقة بين الشعوب الأصلية وسياسات المستوطنين الليبراليين. أولاً، ينبغي “تجريد اطروح ماركس حول التراكم البدائي من طابعها الزمني، الذي يقتصر على المراحل االمُبكِرة من التكوين الرأسمالي. ثانياً، “يجب تجريد مُحاجة ماركس من سمتها التنموية المعيارية.” ثالثاً، يجب تخليص النهج الماركسي تجاه الرأسمالية الإستعمارية من ارتباطها بالقوة والعُنف فقط وأن يُنظر إليها بالأحرى من حيثُ قدرتها كنظام على إنتاج إشكال من الحياة تجعل التسلسل الهرمي التأسيسي للإستعمار يبدو طبيعياً.” إن قضايا كولتهارد الثلاث هي في الواقع شروط لأي نوع من التحليل المادي التاريخي القابل لتطبيق خبرات الشعوب الأصلية في السياقات الإستعمارية الإستيطانية (أو على نطاق أوسع من الاستعمار وما بعد الاستعمار). يجب أن تُشير الحجة السابقة إلى أن الدعوة لإعادة بناء وإستعادة النظرية الماركسية الكلاسيكية قد بدأت بالفعل.
وبهذا الشأن، من المهم مُلاحظة، كما أوضحت آخر الدراسات، أنه لم يكُن لدى ماركس “اطروحة حول التراكم البدائي” على هذا النحو، بل كان لديه نقداً لما أسماه “قصة الحضانة” للتراكم الأساسي على أساس الإمتناع عن التمييز الذي ميّز الإقتصاد البرجوازي، والذي استبدله بمفهوم المُصادرة. كما لم يتم تحديد نهج ماركس في نزع المُلكية زمنياً. بدلاً من ذلك، كان يُنظر إلى المُصادرة على أنها تنتج بإستمرار وتُعيد إنتاج الشروط الأساسية التي كان يعمل من خلالها رأس المال. وبالتالي، عند مُناقشة عملية المُصادرة في الجزء الثاني من المُجلد 1 من كتاب رأس المال حول “ما يُسمى التراكم البدائي”، أشار ماركس ليس إلى الماضي البعيد فقط بل وإلى ما كان بالنسبة لهُ الحاضر كتاريخ: فالمُرفقات في اسكتلندا في 1814-48 التي بدأتها دوقة ساذرلند، وتحويل ممشى الخِراف إلى غابات الغزلان (بدون أشجار) في ستينيات القرن التاسع عشر في إنجلترا، والمجاعة في مُقاطعة أوريسا Orissa في الهند، في عام 1866، الناتجة عن الحكم الإنجليزي. ولا يُنظَر إلى هذهِ المُصادرة بأي حال من الأحوال على أنها مُقتصَرة على عصر ما قبل التصنيع أو على بداية العصر الصناعي.
والأهم من ذلك كان رفض ماركس لمنظور “تنموي معياري” بسيط وخطير فيما يتعلق بالإستعمار. في تحليله للسكان الأصليين في الأمريكتين وفي أفريقيا وفي آسيا، خاصةً من نهاية خمسينيات القرن التاسع عشر وصاعداً، لقد بحث بإستمرار في أشكال المُلكية المجتمعية والأُسُس الثقافية واللُغوية لهذهِ المجتمعات، مع فكرة أن التاريخ لم يكن خطياً. كان الإستعمار نفسهُ بالنسبة لهُ شيء ثانوي نوعاً ما بسبب أن الثقافة وأشكال المُلكية عند السكان الأصليين بقيت تاريخياً حية. وكان على هذا الأساس إنحاز ماركس وأنجلز من أواخر ثلاثيناتهما فصاعداً إلى جانب الحركات الثورية المُختلِفة للشعوب الأصلية في جميع أنحاء العالم، مُدافِعان عن ثوراتها ومُدركِان أنها كانت تُمثّلُ شيءً مُهماً من الناحية الثقافية وفيما يتعلق بالمجتمع البشري وأشكال المُلكية التي تتعارض مع إقتصاد السلعة للرأسمالية. وعلى الرغم من ميل ماركس وإنجلز نحو “التطور التنموي المعياري” في العشرينات من عمرهما، إلا أن الأمور قد تحولت لِصالِحِهُما بشكل واضح قبل أن يُغادِرا الثلاثين من عمرهما.
وكما كتب إنجلز في عام 1890، تم توسيع المفهوم المادي الأصلي للتاريخ في كتابات ماركس وكِتابتهِ هو اللاحِقة، حيثُ تم الإعتراف بأن “يجب دراسة التاريخ كلهُ من جديد”. وشمل ذلك تاريخ العالم غير الأوروبي. وعلى حد تعبير عالِم الإجتماع مايكل أر كراتك Michael R Krätke،
لم يمنح ماركس مساحةً للوسطية الأوروبية؛ لم يعتبر تاريخ العالم مُرادفاً لـ “التاريخ الأوروبي” … دَرَسَ تاريخ آسيا الصغرى والشرق الأدنى والشرق الأوسط والعالم الإسلامي والأمريكتين وآسيا (مع ثلاثة مراكز للتركيز: الهند، الصين، وآسيا الوسطى) … دَرَسَ التاريخ الاستعماري لأهم القوى الإستعمارية، وكذلك تاريخ الدول التي استعمرها الأوروبيون (أمريكا الشمالية، وأمريكا اللاتينية، وإندونيسيا، وشمال أفريقيا).
في كل هذا العمل، ابتعد ماركس عن عدسات المركزية الأوروبية والتنموية. وصل اهتمامهِ بالإستعمار الإستيطاني إلى عُمق تاريخ وثقافة مجتمعات الشعوب الأصلية، مُتحداً وجدانياً مع مقاومتها وثوراتها، مُبصِراً في ماضيها (وحاضِرُها) إمكانية مستقبل عالمي أوسع.
إن مسألة كيف تُعزز العلاقة الاستعمارية، بمجرد زراعتها، من الناحية الأيديولوجية نفسها من خلال “قدرتها على إنتاج أشكال من الحياة تجعل التسلسل الهرمي التأسيسي للإستعمار الإستيطاني يبدو طبيعياً” هو عَالمٌ يكون فيه الكاتب Frantz Fanon، كما يقول Coulthard، مُرشِداً أكثر فائدة من ماركس. ومع ذلك، يمكن القول إنهُ لا يوجد سوى مسافة قصيرة من استنكار ماركس الغاضب عبر كوفاليفسكي من التلاعب المُشين من قِبل الإستعمار الفرنسي الإستيطاني والإعتراف بالقانون الإسلامي لتبرير مُصادرة الأراضي الجماعية العشائرية من الشعب الجزائري، لإصرار الكاتب الفرنسي الأسمر Fanon الحاد مع القوة الكاملة لنضال التحرر الوطني الجزائري في خمسينيات القرن الماضي أمامه (ومع هيغل وماركس على شفتيه) على تغيير ثوري للإعتراف:
أطلُبُ أن تؤخذ بعين الإعتبار على أساس رغبتي. أنا لستُ هُنا الآن فقط، عالقٌ في شيء. أرغب في مكان آخر وشيءٌ آخر. أطلب أن يؤخذ في الإعتبار نشاطي المُتناقض بقدر ما أتابع شئاً آخر غير الحياة، بقدر ما أُقاتل من أجل ولادة عالم بشري، وبعبارة أُخرى، عالَم الاعتراف المُتبادَل.
ومن يتردد في الإعتراف بي هو ضدي. في النضال الشرِس أنا على استعداد لأن أشعر برعشة الموت، والإنقراض الذي لا رجعة فيه، ولكن أيضاً إمكانية غير المُمكن.