المنشور

درويش يُجرّد بركات من بريقه

إنّها الفرصة لتقرأ سليم بركات إن لم تقرأه سابقا، فالرجل روّج لنفسه بطريقة جعلته أكثر شهرة مما كان عليه، لكن الغرابة أن نفس الشخص جعله مشهورًا مرتين، ولا أدري على أي نوع من الشهرة حصل هذه المرة.
سليم بركات على طريقة “شاهد ما شافش حاجة” يسرد بلغة بليغة تشبه لغة عادل إمام المسرحية، علاقته بمحمود درويش، وكما لو أننا نرى ولا نرى المشهد جيدا، تتدفق لغته الرمزية فتؤذي عيوننا قبل أن نستقرّ على شيء يُفهم، فنعرف أن الرجل يُحضِّر أطباقا معينة في مطبخه، وأنّه ربما يقوم بطهي اللحم بطريقة جيدة، وأنه في بداية حياته كان كابن لدرويش، ثم تحوّل لصديق، ولعلّه تحوّل لشيء آخر في مرحلة ثالثة.
درويش نفسه في موضع ما من هذه الثرثرات التي ملأت مواقع التواصل الإجتماعي هذه الأيام يردُّ على سؤال قديم سأله إياه الكاتب الجزائري عبد العزيز غرمول: “وكيف حال الجندب الحديدي؟ (عنوان ديوان سليم) فيجيبه: آه، ذلك الطفل أصبح يكتب روايات” …
ولأني أعرف الرجل جيدًا وأعرف حدّة صدقه، فإني توقفت عندما كتبه متأملة سخرية درويش في إجابته، وأستطيع أن أضيف باحساس الأنثى أن ما حدث بين درويش وبركات ليلة أسرَّ هذا الأخير بسره العظيم، لم كن من باب الإطمئنان إلى صديق، بل من باب اختبار تلك الصداقة، إذ يحدث أن نفعل ذلك، حين تنطلق ألسنتنا ببوح استثنائي مع أناس قد نتعرّف إليهم في نفس اللحظة، دون أن نفهم أبدًا لماذا فعلنا ذلك.
في موضعٍ آخر، أقرأ أقسى ما يمكن أن يكتبه كاتب عن كاتب آخر “طبعا كل من التقى ببركات هذا يعرف بأن الرّجل مجرّد إنسان بذيء ابن شارع لا يؤتمن على سرّ أو أي شيء ذي قيمة” ويضيف “ليس سرًا بأن كان لدرويش في أي وقت من الأوقات حبيبة أو صديقة أو عشيقة، ولا بدّ أن إحداهن لم تلتزم بتناول حبوب منع الحمل، ومن ثم رفضت أن تجهض، على الأرجح حبًا منها بأن تكون عندها إبنة من محمود درويش، فلماذا إذا أبقى محمود درويش الأمر سرًا؟ على الأرجح لأنّه لم يشأ أن يخرب بيت المرأة التي أحب، أمر حدث وكثيرا ما يحدث”. هذا الكلام للكاتب الفلسطيني سمير اليوسف، وهو بقدر قسوته، بقدر تقاربه من المنطق بأعلى درجاته، خاصة أنه واضح جدا أنه نابع من معرفة شخصيتي كل من بركات ودرويش معا.
على مدى أسبوعين إذن، ونار درويش تلتهم ما تبقى من بركات، منذ اللحظة التي نشر فيها مقالته “الرياضية” الغريبة، تصاعدت مقالات من هنا وهناك، ونسفت بالسر العظيم الذي حرص صاحب اللغة المبهمة على إخفائه منذ أكثر من عشرين عام.
اشتغلت محركات غوغل عربيا للبحث عن “الكوردي الذي ليس له غير الريح”، ذاك الذي ألهم درويش قصيدة تشبه التعاويذ المباركة، فإذا به بين ليلة وضحاها يصبح اسمًا كبيرًا بتزكية لا نقاش فيها من أشهر شاعر في العالم العربي. كان سهلا أن يرفع درويش أي شاعر من وزن الريشة ويبلغ به عرش السماء السابعة، فمن بإمكانه منذ أصبح سيد المنابر كلها أن يخالفه رأيه؟
أمّا قصيدته تلك فقد كانت الهدية الثمينة التي منحها لشاعر في أول حياته، وبها نال أهميته، كما يحدث دائما، في لحظة لا تفسير لها، يُخرِج كاتب كبير كلماته السحرية ويغطي بها كاتبًا في بداية الطريق دون أن يختاره بعناية، فيصاب هذا الأخير بعدوى الإنتشار، والشعور بالعظمة، ومشاعر أخرى تتشابك وفق حياته الجديدة التي قد لن تناسب حقيقته.
هل هذا ما حدث مع بركات؟
قد تكون هذه هذايانات مخيلة تحت الصدمة، وقد تكون قراءة أخرى بين هذا الكمّ الهائل من القراءات لما حدث، لكن حتما لن تبلغ أي مستوى من مستويات الإساءة لدرويش ومن يجالسهم، كتلك التي وردت في مقالة مليئة بالأخطاء الإملائية والنحوية غير المقبولة لشخص ثالث هو أسعد سليم – والذي لا أعرف عنه شيئا – إدعى أنّه كان حاضرا خلال تلك السهرة المشؤومة التي تلفّظ فيها درويش بسره، على أن الأمر كله كان مجرد إفصاح عن مشروع روائي لم يكتمل، تشارك فيه ثلاثة “سكارى” على حدّ قوله، فمن يصدّق السكران فيما يقول؟
في مقولة ألمانية نجد نصيحة ثمينة تنبهنا ألاّ نصغي للسكارى إلا إذا كان الحديث حول المشروب، مع أن مقولة أخرى تناقضها تماما تؤكّد بشدة أنّ “السكران لا يفرق بين نبيذ جيد ونبيذ سيء”.
فما الذي نفعله نحن اليوم من قلبٍ لحياة درويش ومحاكمات لم تنته لبركات؟ هل من العقل أن يُفتح هذا السجال ولا ينتهي لأن قصة غير واضحة الملامح حدثت في التسعين من القرن الماضي أراد صاحبها اليوم أن يعطيها بُعدا تدميريا لشاعر نعتبره رمزا للوفاء ليس للقضية الفلسطينية فقط، بل للوطن، وطنه هو، بعد أن تهاوت من تحت هذا “الوطن” كل القواعد العربية الداعمة له.
وكأن “ما يحدث منذ زمن يدل على أن الأمّة وهي تنحدر إلى حضيضها الأخير، تحاول أن تنتقم من نفسها عبر وأد كل نأمة ضوء تتجرأ على إفساد ظلامها المتسبب وشخيرها المتعالي” كما ورد في مقالة للشاعر شوقي بزيع حول الموضوع، وهو يذكرنا ببعض الشائعات التي استعجلت موت نزار قباني، وحنا مينا، والجواهري، ومظفر النواب ومؤخرا فيروز، مستسخفا كل ما يحدث من أشياء مشابهة لزلّة بركات المقصودة.
على أن ما حدث بالإمكان قراءته من وجهة نظر مغايرة تماما، إذا ما اعتبرنا الأمر برمته تراجعًا من درويش عمّا قاله عن “الكوردي” الذي أبعد غدَه بمكنسة الغبار، وهو يشرب الفودكا، بين الكراكي الشقية، وينفض عن هويته ظلال درويش، وهوية اللغة التي عاش منفيا فيها. وهي نهاية غير متوقعة لعلاقة دامت أكثر من ثلاثين سنة، بحلوها ومرها، بمكبوتاتها ومعلناتها، وخباياها التي لن نعرفها أبدًا لأنها ظلّت طيّ الكتمان خارج الإطار الأدبي ونحن هنا لم يعد يهمنا غير ما تركه الإثنان من آثار أدبية لا غير.
يصعب أن نقرأ هذه الواقعة الغريبة بغير حجمها، إذ كأنّها عودة حاسمة لدرويش لتصفية حساب قديم مع الطفل الذي كتب الرواية، وتعاطف معه جمهور واسع من القراء والكتاب والمشتغلين في حقل الإعلام الثقافي مؤخرا لأنّه لم ينل جائزة البوكر ونالها كاتب شاب من الجزائر اجتهد بعيدا عن الأضواء، ودخل السباق دون رعاية شاعر كبير يزكيه.
خسر بركات ذلك الكم الهائل من التعاطف دفعة واحدة وفي فترة زمنية قياسية أضحى واقفًا لوحده، يتأمل “حسنته الوحيدة” في ساحة مكتملة الفوضى.
لكن، ثمة سرٌّ ثانٍ دومًا خلف كل سرٍّ يُفصَحُ عنه، وهو ما عجز بركات عن الإفصاح عنه، سواء كان كراهية مبطنة، أو خلافًا قديمًا، أوغيرة غير مفهومة، أو غيرها، إلاّ أن هذه الحركة اللامدروسة منه، فضحت تماما، كما فضحت كورونا أنظمة بأكملها أن نظامنا الأخلاقي في أزمة كبيرة، وتحديدا النخبة، التي فقدت عقلانيتها للتعامل مع ما تمّ طرحه.
هل صحّحَ درويش خطأ وقع فيه؟ أم خلع بركات تلك العباءة التي أتعبته؟ لا أدري في الحقيقة ما الذي حدث بالضبط، لكني أكيدة أنّ الأشياء كلها لم تعد كما كانت من قبل.