المنشور

الماركسية: علم أم فلسفة؟ [مقتطفات من كتاب تقديم الفلسفة للا-فلاسفة] لوي آلتوسير

لنتحدث عن المسألة المثيرة للجدل حول “الفلسفة الماركسية”، ومدى إمكانية وجود فلسفة ماركسية. أهمل ماركس ولينين هذه المسألة؛ ولكن صمتهما كان بحد ذاته جواباً، بما أنهما أصرّا إصراراً شديداً على العلم الماركسي لقوانين الصراع الطبقي وفي مثل الوقت على فلسفة جديدة دفعت للظهور بفعل هذا العلم بحد ذاته. ظهرت مختلف التفسيرات، بعد ماركس ولينين، وبمختلف التلاوين. يرى التحريفيون، أمثال بيرنشتاين، أن ماركس قد أكتشف علماً قادراً على التكيف مع أي فلسفة، وتلك منها الأكثر فعالية ستكون الأفضل (فلسفة كانط على سبيل المثال). أما لوكاش الشاب فأنه يرى أن ماركس قد أكتشف فلسفة هضمت، عن طريق هيغل، علماً سمي خطأ بعلم التاريخ. بينما أرغم لابريولا وغرامشي أن يتبنيا تلك الآراء، بما أنهما كانا في تلك الفترة يمثلان وجهة نظر مضادة لإقتصادوية الأممية الثانية. ستالين أيضاً جعل، بطريقته الدوغمائية، من الفلسفة علماً متضمناً في النظرية الماركسية للتاريخ.

كل هذه التفسيرات، حتى الأكثر رصانة منها (مثل تفسيرات غرامشي)، وجدت إلهامها في النموذج القائم للفلسفة البورجوازية – عبر الفكرة القائلة بأنه يمكن للفلسفة أن توجد فقط في أشكال معينة، وبالتحديد في شكل نسق أو “معنى”، يتضمن وضم كل الموجودات ويحدد لها مكانها، ومعناها، وغايتها. وفي أفضل الحالات: توجد في شكل “نظرية ما” مختلفة عن العلم. أعترفُ، في حالتي أنا، لم أتمكن من تحرير نفسي من هذا المفهوم، بل في مقالاتي الفلسفية الأولى بنيت تفسيري للفلسفة على العلم، ورغم أنني لم أمزج بينهما إلا أنني تطرفت قائلاً أن ماركس قد أنتج، في شكل ”إنقطاعين“، علماً (المادية التاريخية) وفلسفة (المادية الديالكتيكية). الآن أعتقد علينا التخلي عن تعبيرات من هذا النوع، حيث بإمكانها أن تضللنا.

فرغم أن كل علم يظهر بفعل “إنقطاع” معين، بما أن عليه “تغيير أرضيته” عبر التخلي عن الأرضية القديمة لمفاهيم – وهي أيديولوجية على الأغلب – ما قبل علمية، من أجل تقديم أسس نظرية جديدة، إلا أن الفلسفة الجديدة لا تنتج بمثل هذه الطريقة. فإنها لا تخضع لمبدأ اللاإستمرارية، بما أنها تحدث في إستمرارية صراع قديم منذ الأزل يضع الخصوم في المواجهة، حيث أفكارهم قد تتعارض، ولكن أهدافهم تبقى هي هي رغم الإختلافات في مختلف اللحظات الراهنة.

إذا أرادت فلسفة جديدة أن تمثل المفهوم الكوني للطبقة الثورية، مفهومٌ عائد لطبقة تطمح (بما أنها لا تستغل أية طبقة أخرى) لإزالة كل الطبقات، فإن عليها أن تتعارك في ساحة المعركة الفلسفية الموجودة فعلاً، وعليها أن تقبل قواعد المعركة؛ أو إلا سيكون عليها أن تفرض قواعدها الخاصة، ولكن عليها أن تقوم بذلك في مثل ساحة المعركة من دون أن تخطىء في تحديد عدوها. وعبر فرضها قواعدها الخاصة للمعركة يمكنها أن تشتت عدوها عبر رفضها لأغلب القواعد القائمة؛ مثل تلك العائدة لحقيقة المعنى، والغاية، والغائية إلخ. بإختصار: عليها تأخذ المبادرة وتفرض ممارسة جديدة للفلسفة على عدوها.

فإذا وضعت المسألة هكذا، فسيكون من الأفضل لو تحدثتُ عن “الموقع الماركسي في الفلسفة”، أو “ممارسة ماركسية جديدة للفلسفة” بدلاً من “الفلسفة الماركسية”. يبدو لي أن هذا التعريف يبقي على إنطلاقة ثورة فلسفية التي أحدثها ماركس بالإضافة إلى إنطلاقة ممارسته وممارسة أتباعه الفلسفية والسياسية. إذا تمّ أخذ هذا التعريف بجدية، فإذن ذلك سيجعله من الممكن البدء بالأزمة الحقيقية التي ظهرت منذ الأممية الثانية وستالين.

أيمكنني أن أوضح نقطة إضافية؟ لن أقوم بوصف الماركسية كفلسفة البراكسيس، كما قام غرامشي الذي ربما قد فعل ذلك تحت ضغط رقابة السجن. هذا ليس لأنني أعتبر فكرة البراكسيس (تحوّل الذات عبر الذات) فكرة خارجة عن الماركسية، بل على العكس: لأن هذه الصيغة قد تجذبنا نحو الشكل المثالي القديم لـ : “فلسفة .. [كذا وكذا]” الذي يجعل من تحديد معين، وفي هذه الحالة: البراكسيس، جوهراً أو “معنى” جامعاً لكل الأشياء. صيغة كهذه قد تؤدي إلى تفسير مثالي للموقع الماركسي في الفلسفة، عبر العودة إلى كانط أو هوسرل مثلاً (ورأينا ذلك في إيطاليا، عند إينزو باتشي).

… يقف عائق مثالي كبير آخر في وجه هذه “الممارسة الجديدة للفلسفة” المتأسسة على مواقع فلسفية بروليتارية في النظرية. هذا العائق يكمن في التفرقة المثالية القديمة ما بين النظرية (أو العلم) والمنهج. تأتي هذه التفرقة من الممارسة العلمية العلمية أساساً. فحلما يتوصل العالِم إلى جسم المعرفة الموضوعية سيكون بإمكانه توحيد هذا الجسم في نظرية ما، فإنه مارس تجاربه عبر “إدراك” هذه النظرية، سواءاً بشكل كلي أم جزئي، في تجهيز عملي يضع موضوعه “في موضع السؤال” (كانط)، وليقوم بذلك فأنه “يطبق” نظريته؛ وحالما تطبق فإنها تصبح منهجاً علمياً. ترجم سبينوزا هذه الممارسة بكلمات مادية حين قال أن المنهج هو لا أكثر من “فكرة الفكرة”، أيّ تفكير وتطبيق، في التجربة الجديدة، لمعرفة ملموسة تم إكتسابها فعلاً. بذلك، لا يضيف المنهج شيئاً للمعرفة الملموسة التي تم التوصل إليها بالفعل، إنه ليس حقيقة تتجاوز هذه المعرفة وتجعل من الممكن الوصول إلى المعرفة عبر صيغ سحرية.

ولكن استغلت الفلسفة المثالية، بطبيعة الحال، هذه التفرقة ما بين النظرية والمنهج، عبر تأكيدها وتشديدها على الإختلاف بينهما، وأصرت على إعتبار المنهج كحقيقة سابقة على كل الحقائق، قادرة على إكتشاف كل حقيقة جديدة. هكذا، يرى ديكارت المنهج كشيء سابق على الحقيقة رغم أنه إنعكاس لها، بما إن ترتيب “البحث عن الحقيقة” يسبق ترتيب عرضه. علينا أن نتخلى، في هذا المفهوم، عن النظرة التي تقول بأن سيرورة إنتاج المعرفة مجردة كلياً عن شروطها التاريخية المسبقة، حيث أنها تلمح بأن نتيجة التاريخ السابق للتجربة يوجد كمعطى مطلق ويمكن للمرء أن يطبقه على أي موضوع كان من أجل إستخراج معرفة ما منه. هذا هو تصغير العالم إلى مستوى طفل ما الذي، مع القواعد البحث التي تسلمها من قبل شخص بالغ، يصبح مندهشاً عنما يراها تولد له نتائجاً معينة. أنتقد لايبنتز المفهوم الديكارتي للمنهج قائلاً: “خذ ما عليك أخذه، وتصرف كما عليك أن تتصرف، وستحصل على النتيجة التي ترمي إليها)). بإختصار، أنه فعل سحري.

ورث ماركس وإنغلز، للأسف الشديد، هذه التفرقة وهذا الوصف الخيالي لمفهوم المنهج. وليفكرا علاقتهما الخاصة بهيغل استخدما صيغة غير موفقة: المحتوى عند هيغل هو رجعي، ولكن منهجه كان ثورياً؛ هذا المنهج هو الديالكتيك. طور إنغلز هذه التفرقة في (ديالكتيك الطبيعة) حين قال أن في “الفلسفة” الجديدة ستكون المادية (أو نظرية المادة وخصائصها)، هي النظرية بينما سيكون الديالكتيك هو المنهج.