المنشور

المنامة

المنامة حروف السهاد، وتجليات الوجد. تتراءى بين جنباتنا بضجيج خفي يسير بنا بين أزقة مائلة فتنوء بنا الذاكرة خيالاً وذكرى، نقتطع الطريق القصير فنلتقي بلوحات تحاكي فينا أشياء وأشياء فهنا بيت فلان، ومسجد عتيق نعرفه بصورته المزهوة في داخلنا فخراً، فنرفع يدنا نشير إليه نحكي حكايته حيث كان وكيف كان، نلوذ بين عطفة وأخرى فنقرأ خصوصية مختزلة في مآتم، فنرجع لحكاوي الأهل عنها.
رايات المنامة السود بيضاء رائعة نحتضنها شوقاً ونتذكر أقدامنا وهي تجري وراء المواكب لنلحق بها وصراخنا ونحن ننادي باصوات البراءة: “عزا ، جه العزا”، بينما تبدأ صواني عيش المأتم المحمولة على الرؤوس في نشر رائحتها التي لا تقاوم.
المنامة زفة وداع رمضان، وهي تجوب الأحياء يسير فيها مختلف الأطياف يرجون رمضان العودة فنفز من مراقدنا المفتوحة على السماء لنهرع حفاة نسمع دقات الطبول وأهازيج الغناء وقلوبنا حزينة لفراق رمضان.
المنامة لهجة محببة منسابة كنهرٍ متدفق من علو تشوب حروفها، ميل جميل يحيك للمرأة أنوثة برقّة النسيم، وتميز رجال المنامة عن سائر المدن من أول حرف ينطق.
المنامة سجل للتاريخ بها تجلت ذاكرة وطنية متخمة بالأحداث تبدأ بالأجداد وتنتهي بنا، فنحن والأجداد شهود عليها.
المنامة أحياء متلاصقة مختلفة الأطياف واللهجات لكنها سجل للتسامح متآلفة منفتحة تنسجم في صداقات وذكريات تعصر ذكراها قلوبنا إلى اليوم.
المنامة رائحة الخبز في الأجواء الباردة نحملها بين أيدينا ومن المستحيل أن تصل من غير أن نلتهم أطرافها.
المنامة امهاتنا خارجات من المآتم يسرن في أسراب نسمع عباراتهن المعنونة والخاصة بهن (ما بغت تفرغ طولت في الردادية .. أخذت مكاني خلتني اقعد في الوسط “.. تلتقط آذاننا العبارات ونحن نسير خلفهن حيث يسرن.
المنامة هبات العليل مع بداية الشتاء، وجوف الفجر حيث تقرع أصوات أذان الفجر قلوبنا بينما أعيننا في ليل سباتها تغفو.
المنامة طريقنا إلى المدرسة نفخر كلما ثقلت حقائبنا، ولا ننسى ونحن نتجه للبيت أن نسرد سيرة معلماتنا بتكرار يومي غير ممل.
المنامة نوافذ تفتح على أفق المواسم والمناسبات، ففيها الموالد بهجة وفيها ذكرى محرم علامة ناصعة.
المنامة تلاقي الروح وعالم الطيف، كنا فيها ابرياء نحبو واطفالأً نلهو وكباراً نبني وأجيالاً تحلم.