المنشور

تقييد المناقشة العامة – تضييق جديد على الدور الرقابي لمجلس النواب

البرلمان كما يقول فقهاء القانون العام هو قبل كل شيء جمعية مراقبين، مهمته الأولى – وربما الأكثر أهمية من التصويت على القوانين – هي مراقبة الحكومة عن طريق طرح موضوع عام للمناقشة وتوجيه الأسئلة والاستجوابات وسحب الثقة، وتشكيل لجان التحقيق ومناقشة الميزانية وإجبار الحكومة على تبرير تصرفاتها وقراراتها أمام الناس (أنظر في ذلك الدكتور عثمان عبد الملك الصالح الرقابة البرلمانية على أعمال الإدارة في الكويت، مجلة الحقوق والشريعة – جامعة الكويت – العدد الرابع السنة الخامسة ديسمبر 1981).
وقد أقرّ دستور مملكة البحرين 2002 شأنه في ذلك شأن دستور1973 مبدأ إخضاع أعمال الحكومة للرقابة البرلمانية، إلا أن دستور 2002 رغم انه قد انتقص من وسائل هذه الرقابة بأن ألغى بعضها، وقلّص من صلاحيات بعضها الآخر، إلا أن هذه الوسائل ظلت في هذا الدستور أدوات هامة بيد أعضاء مجلس النواب لمراقبة الحكومة متى ما استخدمت استخداماً فعالاً، ومتى ما ألغيت القيود التي وضعتها اللائحة الداخلية عليها، ومتى ما وجد النائب الذي يتقن فن استعمالها.
غير أن قراءة تجربة أعمال مجلس النواب الجديدة التي بدأت في ظل المشروع الإصلاحي منذ الفصل التشريعي الأول في ديسمبر 2002 وحتى دوري الانعقاد الأول والثاني من الفصل التشريعي الخامس الراهن 2020، تكشف أن الحكومة رغم القيود التي وضعتها على وسائل الرقابة البرلمانية كانت وما تزال تخشاها، وظلّت الحكومة على مدار عمر هذه التجربة تضع من القيود الجديدة على هذه الوسائل.
ولعل أحدثها ما قامت به مؤخرا في ديسمبر 2020 بإصدار مرسوم بقانون رقم (26) لسنة 2020 بتعديل المادة (173) من المرسوم بقانون رقم (54) لسنة 2002 بشأن اللائحة الداخلية لمجلس النواب ودون ان تكون هناك تدابير لا تحتمل التأخير، فنصّ هذا التعديل على قيود جديدة بشأن طلب المناقشة العامة أقلّ ما يقال عنها أنها أفرغت المناقشة العامة من محتواها ومن الغاية التي شرعت لأجلها، حين نص التعديل على أنه:
• لا يجوز لأكثر من عشرة أعضاء الاشتراك في المناقشة العامة.
• و يجب ألا تزيد مدة المناقشة لأي عضو على خمس دقائق.
• ولا يجوز أن تتضمن المناقشة توجيه النقد أو اللوم أو الاتهام، أو أن تتضمن أقوالاً تخالف الدستور أو القانون أو تشكل مساساً بكرامة الأشخاص أو الهيئات أو إضراراً بالمصلحة العليا للبلاد.
المقصود بالمناقشة العامة
يقصد بطرح موضوع عام للمناقشة هو طرح موضوع له أهمية عامة للمناقشة داخل البرلمان، يشترك فيها جميع أعضائه بقصد استيضاح سياسة الحكومة حول هذا الموضوع، وتبادل الرأي بشأنه، ويعدّ من الأساليب الرقابية الهادئة التي تهدف إلى إجراء حوار بين البرلمان والحكومة حول موضوع له أهمية معينة؛ بقصد الوصول إلى حلٍ يتفق عليه الطرفان، ولذلك فإن البعض يعدّه من قبيل تبادل الرأي والتعاون بين البرلمان والحكومة من أجل تحقيق المصلحة (أنظر د. يحيى الجمل. النظام الدستوري في جمهورية مصر، التوكيلات التجارية العالمية، 1974، ص 226).
ما مدى انسجام التعديلات مع خصائص المناقشة العامة؟
إذا كانت المناقشة العامة كوسيلة من وسائل الرقابة البرلمانية تحمل هذا المعنى، فما مدى انسجام وتوافق التعديل الذي أجراه المشرع على المادة (173) من المرسوم بقانون رقم (54) لسنة 2002 بشأن اللائحة الداخلية لمجلس النواب مع الخصائص التي تمتاز بها وسيلة طرح موضوع عام للمناقشة ؟؟
التعديلات تتعارض مع خاصية عمومية المناقشة العامة

أن من اهم وابرز خصائص المناقشة العامة التي أوجدها الفقه والقانون الدستوريين، أنها وسيلة جماعية وأن المناقشة فيها يتعين تكون عامة، وأن الأساس الجوهري التي تقوم عليه وتمتاز به وسيلة طلب طرح موضوع عام للمناقشة العامة كوسيلة من وسائل الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة هي ان تكون المناقشة عامة بمعنى أن يشارك فيها جميع أعضاء المجلس النيابي أو على الأقل الراغب منهم، وذلك باعتبارها وسيلة جماعية وليست فردية بنص الدستور في مادته ( 68 / البند ب) التي تستلزم أن يتوافر في طلب طرح المناقشة العامة عدد موقع من خمسة أعضاء على الأقل .

وبناء عليه وهديا به فإن ما أجراه المشرع من تعديلات على نص المادة (173) من اللائحة الداخلية لمجلس النواب بتحديد عدد عشرة أعضاء فقط للاشتراك في المناقشة العامة يخالف ويناقض الأساس الذي يقوم عليه طلب طرح موضوع عام للمناقشة العامة، وهو عمومية المناقشة، أي حق من يريد من أعضاء مجلس النواب في المناقشة دون تقييد ذلك بعدد معين.

غير أن هذا الرأي يصطدم بما فسرته المذكرة التفسيرية للمادة (68 / البند ب) من تفسير ملتوٍ يخالف ما استقر عليه الفقه الدستوري وما تسير عليه معظم الدول في دساتيرها حين نصّت على أن تنظيم طرح موضوع عام للمناقشة العامة سيخضع (وفقاً للإجراءات التي ستنص عليها اللائحة الداخلية للمجلس وخاصة تحديد عدد من يشترك في المناقشة).
إذ يعدّ وفقا لتفسير المذكرة التفسيرية المذكورأن تعديل اللائحة الداخلية بتقييد عدد المشاركين في المناقشة العامة لا شبهة فيه من الناحية الدستورية باعتبار أن للمذكرة التفسيرية قوة إلزام مساوية لنصوص الدستور.
لا جدوى من المناقشة دون توجيه النقد واللوم
إذا كان من المقبول أن يحدد التعديل وقتا للمناقشة مدته خمس دقائق لكل عضو من الأعضاء العشرة، وإذا كان صحيحاً أن ينص التعديل على عدم إجازة توجيه الإتهام في المناقشة العامة – لأن هذه الوسيلة لا تهدف إلى توجيه الاتهام للوزير بهدف تحريك مسؤوليته السياسية كما هو الحال في الاستجواب ،بل تهدف إلى الوصول إلى حلٍ بإصلاح الوضع أو المشكلة محل موضوع المناقشة بالتعاون بين البرلمان والحكومة -.
غير أنه ليس من المقبول على الاطلاق أن يشتمل التعديل على عدم إجازة توجيه النقد أو اللوم إلى الوازرة المعنية عند مناقشة موضوع عام يتعلق بها، فلن يكون لمناقشة الموضوع العام أي جدوى ولن يحقق الهدف منه دون نقد أو لوم، وسيكون النقاش فيه مضيعة للوقت، فلا إصلاح للمشكلة دون انتقاد.