المنشور

السبيل لإخراج صناديق التقاعد من التعثّر

لا يختلف اثنان بأن وضع صناديق التقاعد يحتاج إلى معالجة طارئة، لانقاذها من حالة التعثر التى وصلت لها وإبعادها عن شبح الافلاس، كي لا نصل إلى فقدانها قدرتها على الإيفاء بالتزامتها، لا سمح الله، للمتقاعدين الحاليين أو من سيتقاعدون في المستقبل. فحالة اللاتوازن التى تمرّ بها ما بين الاشتراكات والمدفوعات أصبحت أمراً يقلق الجميع من المسؤولين والمهتمين بشأن العمال والموظفين وعوائلهم.
ما وصلت إليه هذه الصناديق هو نتيجة لقرارات تراكمية على مرّ السنين، أدّت إلى الحالة التى يستوجب الوقوف عندها وتحليلها تحليلاً متجرداً بعيدًا عن أية أهداف ،سوى مصلحة صناديق التقاعد، ومحاولة للبحث عن بعض الحلول والمقترحات التى قد تساعد في خروجها من الوضع المأزوم الذى وصلت إليه.
وعليه، لابد من النظر بصورة تحليلية لكل صندوق على حدة، لمعرفة وتحديد الأسباب التى أوصلته إلى هذه الوضعية المقلقة والتى تستوجب التدخل الطارىء من أصحاب القرار باتخاذ اجراءات انقاذ طارئة.
يوجد في البحرين أربعة صناديق تقاعدية هي: (صندوق التقاعد المدني، صندوق التقاعد للقطاع الخاص، صندوق التقاعد للقطاع العسكرى، وصندوق النواب والشوريين والبلديين)، ولكل صندوق منها حالته الخاصة وظروفه التى تحتاج إلى علاج بصورة مستقلة، علماً بأن صندوق التقاعد العسكري في حالة أفضل من بقية الصناديق وذلك لانضباط ادارته، وتوازن الاشتراكات والمدفوعات بعيداً عن الصناديق الأخرى.
ومنذ بداية تأسيس منظومة التقاعد تمّت هندسة مزايا التقاعد لكل صندوق بناءً على نسبة الاشتراكات التى يدفعها المؤمن عليه وأصحاب العمل، سواء كانوا جهة حكوميه أو قطاعاً خاصاً، بالإضافة إلى نسبة العوائد المتوقعة من استثمار فوائض الاشتراكات، لتكون رافداً لمعاشات التقاعد للمستقبل.
فجات نسب الاشتراكات، بحسب المشرع آنذاك، متساوية، تغطي مزايا التقاعد وتفيض جزءاً يتمّ استثماره، ليضاف إلى الحصيلة الكلية للصناديق، وبسبب التغيرات التى طرأت على الاشتراكات والمزايا في كل الصناديق حصلت حالة عدم توازن بين الاشتراكات مقابل المزايا التقاعدية التى تصرف للمتقاعدين، فأصبحت نسب الاشتراكات كالاتي :
أولاً: القطاع الخاص

• 6% من راتب العامل
• 9% من رب العمل
• المجموع 15% من مجموع الراتب

ثانياً: القطاع العام
• 6% من راتب العامل
• 15% من رب العمل
• المجموع 21% من مجموع الراتب

ثالثا: أعضاء مجلسي الشورى والنواب والمجالس البلدية

• 10% للموظف
• 20% للحكومة

راكم ذلك حتى 2019 مبالغ احتياطية للصناديق، موزعة كالتالي:
• القطاعان العام والخاص ومجالس الشورى والنواب والبلديين: 3.9 مليار تقريبا لعام 2019
• ناتج مجموع اشتراكات الصناديق مشتركة 569 مليون تقريباً.
• بالإضافة إلى متوسط عوائد بحوالي 90 مليون دينار سنوياً.
• مقابل مجموع التزامات ومعاشات الصناديق مشتركة تبلغ 568 مليون تقريباً، مما ينذر بوجود حالة عدم توازن او تطابق ما بين الاشتراكات واللاتزامات .

ففي العام 1986 تمّ تخفيض نسبة اشتراكات اصحاب العمل في القطاع الخاص لتكون 9% بدلا من 15% ، وهو ما أخلّ بميزان التعادل ما بين محصلة الاشتراكات وقيمة المزايا الممنوحة للمتقاعدين، وتسبب في خسائر كبيرة لصندوق التقاعد الخاص بلغت بالقيمة الحالية حولي 124 مليون دينار سنوايا على الأعوام الماضية. وهذا يعتبر احد اسباب الخلل التى ادت الي حالة عدم التوازن في صندوق القطاع الخاص.
ولو نظرنا بصورة سريعة لتركيبة الاستثمارات لاحتياطيات الصندايق التقاعدية ( المدني والخاص والشورى والنواب والبلديين )، سنرى بأنها تتكون من استثمارات في الأوراق النقدية والسندات تبلغ حوالي 2 مليار دينار بحرينى واستثمارات عقارية بحوالي 260 مليون دينار بحرينى، وودائع نقدية لدى البنوك 850 مليون دينار بحرينى تحقق عوائد في المتوسط لآخر خمس سنوات بنسبة 2.7% على جميع الاستثمارات التى تتكون من جزئين: (استثمارات قام بها الفريق المختص بالشركة التابعة للتقاعد، شركة أصول، بعد الدراسة والتمحيص الحرفي بلغت نسبة عوائده خلال الخمس سنوات الماضية 7.8% ، بالإضافة إلى استثمارات موجهة لأسباب أخرى، قدّمت على سبل دعم لوجستى أو انقاذ لمؤسسات مالية لأهداف وطنية، لا تحقق العوائد المرجوة أسوة بالاستثمارات الأخرى) أدت إلى متوسط عوائد بحوالي 90 مليون سنوياً، كان أسوأها عام 2018 حين انخفضت الأرباح لتصل إلى 54 مليون .
فلقد باتت واضحة حالة اللا توازن منذ العام 2015 وتضاعفت بصورة دراماتيكية في عامي 2018 و 2019 وذكل جراء إغلاق وتحويل صندوق تقاعد الشورى والنواب والبلديين على صندوق التقاعد بكافة مستحقاته التى تدفع إلى 297 عضو بتكلفة سنوية تبلغ 5.7 مليون دينارسنوياً، دون أي اشتراكات تدفع من المؤمن عليهم والتى كانت تبلغ في السنة 2 مليون دينار تقريباً، بالإضافة إلى طرح برنامج التقاعد الإختياري لموظفي الحكومة الذى خرج ضمنه 8203 موظف بلغت تكلفة معاشاتهم السنوية 62 مليون دينار، وتكلفة مكافأة نهاية الخدمة 99 مليون دينار، وتمت إضافة خمس سنوات فرضية لحسابتهم بتكلفة دفترية نبلغ حوالي 500 مليون دينار. رفعت معاشاتهم التقاعدية بنسبة 20% .
وفي الجهة الأخرى خفضت الاشتراكات التى كانوا يدفعونها بمبلغ 108 مليون سنوياً، الأمر الذي خلق سابقة لم تعهدها الصناديق طول الفترة السابقة. فوصل النقص بين الاشتراكات والمدفوعات بنسبه 10% بين كل الصناديق، فكان نصيب الصندوق المدني عجز في التوازن بين الاشتراكات والمدفوعات 9% وعجز بين صندوق القطاع الخاص 1% . وهذا نتيجة عجز اكتواري يساوي 14 مليار بحسب الدراسة الاكتوارية التى أعدّت لمدة 50 سنه قادمه حتى عام 2068.
قدّمت إدارة التامينات حزمة اصلاحات طارئة حملت المزايا التقاعدية تكلفة الإصلاح، فأوقفت الزيادة السنوية التى كانت تدفع للمتقاعدين بنسبة 3% سنوياً، محسوبة على الراتب التقاعدي لتغطية تكلفة التضخم في تكلفة المعيشة. كما منعت الجمع بين المعاشات للمتقاعدين، ومنعت، أيضاً، الجمع بين الراتب والمعاش لمن يعمل ويتقاضى معاشاً تقاعدياً، وأمرت بدمج الصناديق بهدف تقليل التكلفة التشغيلية.
وكان متوقعاً أن تلامس الإصلاحات أسباب العجز الفعلية، التىأاوصلت الصناديق لحالة عدم التوازن وهي:
– تغطية معاشات صندوق الشوري والنواب والبلديين .
– تصحيح وضعية اشتراكات ارباب العمل بالنسبة للقطاع الخاص واعادتها للنسبة الأصلية، وهي 15%
تغطية تكلفة شراء سنوات اعتبارية لبرنامج التقاعد الاختياري لموظفي الحكومة.
– احتساب فوائد حقيقية على الاستثمارات التى قدّمت لدمع بعض المؤسسات أو استرجاعها حين موعدها.
– اعادة النظر في التكلفة التشغيلية التى قفزت بنسبه 130% عما كانت عليه قبل العام 2015 .
– الاستخدام الأمثل للأصول الثابتة للصناديق وتشغيلها بصورة فاعلة، فيجب ترك المبنى المؤجر والعودة إلى المباني المملوكة للصناديق.
– اعادة تشكيلة المحفظة الاستثمارية، وإعطاء مساحة أكبر لفريق الاستثمار للبحث عن استثمارات مجزية بدلاً من الودائع الثابتة ذات المردد الضعيف مقارنة بالفرص الاستثمارية الأخرى.
– تطوير الاستمثار في العقار المملوك للهيئة بدلاً من ترك الأراضي بيضا دون مردود.
– وضع دراسة اكتوارية شاملة تعطي ابعاداً مدروسة لكل قرار وعوائده المتوقعة على الصناديق، ورسم خطة واضحة تبين المدد الزمنية المتوقعة من كل تغيير.