المنشور

ضاع منه ظله ولم يجده

كان يُشاهد يوميًا منذ سنوات طويلة، وهو يجلس على الدوّار المقابل لمسجد البلوش بفريق العوضية. وحيدًا يُدخّن سيجارة وراء سيجارة. متوترًا على الدوام كما كان يبدو من حركاته. يجلس ساعة أو ساعتين وفجأةً ينهض متوجّها بخطوات سريعة إلى منزله القريب، دون أن يلتفت أو ينظر إلى أحد. كان هذا دأبه كل يوم كأنه بجلسته على ذلك الدوّار يفرغ بعضًا مما بداخله من عواصف، ربما براكين لا يعلم بها أحد غيره. كان الجميع يتساءل عن سر هذا الرجل، وظنَّ البعض أنه إنسانٌ فقد عقله.

وحيدًا كان. حزينًا حتى الفجيعة. كأنه خرج من الدنيا وهو ما زال فيها. يقولون إنه عشق إمرأةً غير عربية من دولة مجاورة وقرر أن يجلبها معه الى البلاد في بانوش (سفينة شراعية صغيرة)، وعندما وصلا إلى الفرضة (الميناء) لم يُسمح لها بالنزول لأسباب غير معروفة، فعاد معها إلى بلادها، وهناك قبضوا عليه وأودعوه السجن ولا أحد يعرف السبب الحقيقي، يقول البعض إنها أسباب سياسية.

شاهده أحد المواطنين في السجن مصادفةً عندما قبضوا عليه أيضًا، لكن حسن ابتسم له ولم ينطق بحرف على الرغم بأنهما يعرفان بعضهما جيدًا من قبل. قال زملاؤه في السجن المذكور إنه مُضرب عن الكلام، ولكن يبدو أن تفسيرهم لصمته لم يكن دقيقَاً، بل الحقيقة أن حالته المزرية كانت بسبب جلسات التعذيب الوحشية التي تعرّض لها في ذاك البلد الغريب كما قال البعض.

يصف أحدهم كيف تعرّف على تلك المرأة فيقول بأن حسن كان جالسًا يومًا في المقهى وحده في تلك البلاد الغريبة. جاءت أمرأة فائقة الجمال، مفرطة الأنوثة، شعرها بني غامق ينسدل على كتفيها مثل نهرين، ترتدي نظارة سوداء فاخرة. جلست المرأة على الطاولة المواجهة له بالضبط. لم يلحظها حسن أو ربما كان سارحًا، غارقًا في أمور أخرى تشغله أكثر. فهو إنسان جاد وقليل الإبتسامة. وضعت المرأة سيجارة في فمها وأشرّت عليه لكي يشعلها لها، لم يهتم ولم يتحرك من طاولته بل أدار رأسه إلى الجهة الأخرى. بعد قليل أقبلت عليه وطلبت منه أن يشعل لها السيجارة، فأعطاها الولاعة ولم يكلف نفسه عناء إشعال سيجارتها. شكرته وعادت إلى طاولتها، وبعد قليل شاهدته يشعل سيجارته فتوجّهت إليه وطلبت ولاعته.

– أنا متأسفة سيدي أزعجتك.
– لا أبدًا، لو كانت معي ولاعة إضافية لما ترددت في اعطائها لك.
– يبدو أنك لست من هنا كما يبدو من لهجتك.
– نعم أنا من بلد عربي.

عند مغادرتها طاولته، اصطدمت بزاوية الطاولة فانسكبت القهوة على ملابس حسن وتلطخ قميصه الأبيض وبنطاله. وقفت واضعة كفيها على خديها معربة عن أسفها الشديد. طلبت منه أن ينتظر لحظات. هرعت تلك السيدة إلى البوتيك المجاور للمقهى واشترت له قميصًا أبيض. دخل حسن إلى حمّام المقهى فيما جلست هي على طاولته. خرج بعد قليل مرتديا القميص الجديد وكان بمقاسه تمامًا. شكرها فيما هي كررت أسفها وندمها على ما حدث.

– بكم اشتريتِ القميص سيدتي؟
– لا.يهم سيدي أنا الذي لطخت قميصك ومن واجبي اصلاح ما حدث.
– لا..لا أنا لا أقبل ..أرجوك أخبريني بالثمن.
– انتهينا يا …….؟
– حسن.
– أنا ليلى.

من هنا يبدو أن العلاقة بينهما قد بدأت. أو بهذه الطريقة تعرفت عليه تلك المرأة بخطة ذكية ومتقنة. ربما هذا من وحي خيال الراوي أو ربما هي الحقيقة. لا أحد يعلم.

تقول الحكاية أيضًا إن المرأة التي عشقها وحاول إدخالها إلى البلاد كانت مدسوسة عليه من السلطات الأمنية في بلادها لتراقبه مع رفاقه. حكاية أخرى تقول إنه توجّه إلى ذلك البلد في الأصل للبحث عن أحد الرفاق المفقودين الذي انقطعت أخباره منذ فترة في تلك البلاد الغريبة.

حكاية غامضة نسبيًا، وربما كل ما قِيل صحيحًا أو بعضه صحيح، لا أحد يجزم أو ينفي فجميع الشهود رحلوا، ومضى حسن دافنًا السر معه تحت التراب إلى الأبد. لكن صورته وحركاته لا تفارق مخيلة أصحاب ذلك الحي على الرغم من مرور سنوات طويلة على الحدث.

الحكاية كلها مزروعة فينا، ترتعش في داخلنا، كالغربة تمامًا حين نعيشها، عاد حسن إلى الوطن، لكن بقي ظله مفقودًا في بلاد غريبة، ويقال أيضا إن ظله أيضا اسمه حسن، فهل نضيع حين نضيع مهما كانت طريقة الضياع، لا يهم!!