المنشور

الصهيونية والشرق الأوسط الجديد

كتب الصهيوني الكبير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كراسة لإثبات أسطورة واحدة فحواها أن إسرائيل هي معجزة العالم اليوم، كما كان اليهود هبة الله وشعبه المختار بالأمس، والكتاب قائم على افتراءات وافتراضات شتى تبدأ من عصر النبي والملك سليمان عليه السلام حتى وقتنا الحاضر، وفيه يتم صياغة وتفصيل كل شئ من جديد ليتناسب مع توراة نتنياهو و(المكراه)، الذي هو في الأساس جملة من الأساطير اليهودية التي صاغها الكهان اليهود عبر التاريخ.
يريد نتنياهو إيصالنا إلى أن اليهود هم كل شئ في التاريخ، أما العرب الذين سبقوهم بآلاف السنين من الكنعانيين والعموريين وغيرهم، والمسلمون فليسوا أكثر من غزاة برارة لا يستحقون الذكر، ويزعم أن البريطانيين وقفوا إلى جانب العرب ضد اليهود، وأنهم سعوا في نهاية الثلاثينات إلى إقامة دولة عربية إلى جانب الدولة اليهودية، ويصور الثورات الفلسطينية في أعوام 1920، 1929، 1936، ضد الهجرة والاستعمار اليهودي في فلسطين كمؤامرات مشتركة بين العرب والبريطانيين ضد اليهود متجاهلا كلية القمع البريطاني لهذه الثورات، والأهم التسهيلات التي وفرها الانتداب للحركة الصهيونية كي تعمل بحرية كبيرة لتحقيق مشروعها، ثم يهاجم نتنياهو قرار التقسيم شاكياً أنه لا يمنح اليهود سوى 10% من أرض إسرائيل، علماً أن هذا القرار منح اليهود 56% من أخصب الأراضي في فلسطين.
وكعادته يعكس الحقائق إذ يزعم أن اليهود دخلوا حرب 1948 في أسوأ الظروف رغم أن الظروف السيئة كانت من نصيب العرب في تلك الفترة، وهكذا تمر الأكاذيب وتقلب الحقائق لتحميل العرب وزر معاناة اللاجئين الفلسطينيين لأنهم وفق زعمه من شجع الفلسطينيين في البداية على الخروج، وهم يعقدون حل المشكلة برفضهم توطين الفلسطينيين، وهكذا فإن إسرائيل التي استولت على أرضهم وطردتهم منها وترفض عودتهم إليها بريئة من المشكلة.
يقول نتنياهو : “إننا نستطيع كبح عدوانية الأنظمة العربية بطريقتين فقط، بقوة الردع فإذا أخفق فبقوة السلام”، ويضيف: “كلما بدت إسرائيل أقوى أبدى العرب استعدادهم للسلام معها، وكلما بدا أنها ضعيفة تشجعوا على حربها”.
ويقول: “إذا أخذنا بعين الاعتبار الأهمية الاستراتيجية للضفة الغربية والجولان فلابد أن نستنتج أن شعار الارض مقابل السلام غير صحيح من أساسه، فسيطرة إسرائيل على هذه الأرض ليست عائقا أمام السلام وإنا هي عائق أمام الحرب. العرب سوف يتكيفون في النهاية مع الأمر الواقع (أي الاحتلال) لأنهم لن يضربوا رأسهم بالحائط إلى الأبد. لكنهم إذا رأوا حائط الحماية ينهار، أي الأمن والقوة الإسرائيليين، فإن التقدم التدريجي نحو سلام عربي إسرائيلي سوف ينقلب في رمشة عين”
عاصفة الصحراء – السوق
التطورات المتلاحقة التي شهدتها المنطقة حتى وصولها إلى الحرب العراقية الإيرانية، والغزو العراقي للكويت اللذَين دمرا القوى العسكرية والاقتصادية والمالية العربية وخلقا عصراً من التداعيات والانكسارات العربية، وفي نفس الوقت إنهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه، لتصبح الساحة خالية لقوة وحيدة تستفرد بالعالم، وتفرض نظامها على عالم خال من أية منافسة لها تحت شعار (النظام العالمي الجديد)، وفي هذه الأجواء تحركت إسرائيل مستفيدة من تردي الوضع العربي والفوضى الدولية، ومن دعم الولايات المتحدة الأمريكية ومساعدتها المالية لصالحها، وبدأت تعمل لتحقيق حلمها للسيطرة على المنطقة العربية اقتصادياً وثقافياً، وتقسيم هذه المنطقة وإعادة تفكيكها وإزالة القواسم المشتركة بين العرب عبر مشروعها العدواني الذي أخذ أشكالا وأوجها مختلفة للتوسع والهيمنة.
في هذه الفترة ظهر كتاب مهم وخطير لشمعون بيريز وهو كتاب (نحو شرق أوسط جديد) رسم فيه رؤيته لمستقبل المنطقة، ودعا إلى ترك الحرب والعمل على تنظيم إقليمي يرتكز على أربعة أمور ذكرها كتابه هي: الاستقرار السياسي والاستقرار الاقتصادي والأمن القومي والديمقراطية، ولعلّ الجزء الاقتصادي هو أهم الأجزاء، حيث قال: “إن على دول المنطقة الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد وبناء السوق المشتركة من الآن ودون انتظار الانتهاء من الحلول السياسية، والانتقال من السياق في مجال الاستراتيجية العسكرية إلى استراتيجية التعاون الاقتصادي، وإقامة جماعة على نسق الجماعة الأوروبية بفصل خطة ثلاثية الاضلاع.
1. الضلع الأول: مشاريع ثنائية أو متعددة القومية ( معهد أبحاث الصحراء – تحلية مياه البحر- التعاون الزراعي )
2. الضلع الثاني: وتقوم به مؤسسات مالية دولية برساميل هائلة (قناة البحر الأحمر والبحر الميت – مشروعات سياحية – تطوير الطاقة الكهربائية).
3. الضلع الثالث: تخطي الانغلاق القومي إلى التطور القومي والتوصل إلى نزع السلاح.
ويحاول بيريز ربط العقل والعلم الإسرائيليين مع العنصر البشري العربي والتمويل الخليجي، ويبدو أن هذا المشروع أخطر المشاريع الصهيونية التي تهدد العرب جميعا، ويحقق لإسرائيل عبر السلام سيطرتها الاقتصادية. وقد بدأ العمل الدبلوماسي الجدي لتحقيق مشروع بيريز (الشرق الأوسط الجديد) منذ مؤتمر مدريد، وضمن مفاوضات متعددة الأطراف هدفت إلى تحقيق التعاون الاقتصادي قبل انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وفقا لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة 242، 338، 425، وبالتالي إضعاف الجانب العربي في المفاوضات الثنائية مع إسرائيل، ويمكن أن نلحظ أنها حققت وبدعم شديد من الغرب عامة، والولايات المتحدة خاصة، بعض أهدافها من المفاوضات متعددة الاطراف، تمثلت في إسراع عدد من الدول العربية بإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية مع إسرائيل والبقية تأتي.
ولفهم كتاب بيريز (مشروع الشرق الأوسط الجديد) والتعرف على دلالاته ومخاطرة لابد من قراءة شاملة لجوانب كتاب بيريز، وأن إحلال المشروع الشرق أوسطي بديلا للمشروع القومي هي فكرة قديمة في الفكر الصهيوني، حيث يرجع البعض فكرة الشرق أوسطية إلى مؤسس الحركة الصهيونية (ثيودور هيرتزل) وفق صحيفة الجيروشاليم بوست الإسرائيلية والتي تقول: (إن مشروع الشرق الأوسط الجديد) هو خلاصة هيرتزل والصهيونية، حيث يتحول الشرق الأوسط إلى منطقة يخيم عليها السلام والتعايش، تجتمع فيها الثروات العربية الواسعة مع التمركز الاستثنائي للقوة العقلية التي يمتلكها الصهاينة لخلق جنة الرخاء على الأرض.
وينادي أهل التطبيع ودعاته من خلال مقولات خادعة، مثل: إذا كانت إسرائيل متقدمة في مجال العلوم.. فلماذا لا نستفيد من ذلك ؟ أليس هذا من الحكمة والعقلانية؟!، أو ما الذي يمنع من أن نبادل إسرائيل المياه التي تحتاج إليها بالعلم والتكنولوجيا التي نحتاج إليها ؟! هناك زيف في هذه المقولات، فإسرائيل وأي قوة مهيمنة حالياً أو سابقاً لا يمكن أبدا أن تساعد الأمة العربية، التي تسعى للهيمنة عليها بالعلم والتكنولوجيا.
يتناسى المطبعون شيئا أساسيا هو أن إسرائيل ليست جارة عادية نشأ بيننا خلاف استنزف كثيرا من مواردنا، وقد حان وقت الصفح والغفران والانتباه لمصالحنا كما قالوا، إسرائيل كيان استيطاني عنصري هدفه الأساسي بل إن استمراره يعتمد أساسا على الهيمنة بشتى أشكالها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية والعلمية، وها هي ذي ممارساتها القمعية والعنصرية تصلان إلى درجات غي مسبوقة من القسوة والعنف، كما أن من الضروري الإشارة إلى نحو ثلاثة عقود من السلام بين مصر واسرائيل لم تؤد إلى الرضا، أو إلى مؤسسات علمية وصحية.
تمر المنطقة اليوم بظروف عصيبة، وهي متوجهة إلى تغير قسماتها إلى الشرق أوسطية، وهناك هدف كبير لدى الإمبراطورية الكبرى لتسوية أرض المنطقة بشكل مطلق، يدك كل العوائق التي تعترض مسار التطبيع والاعتراف بالكيان الصهيوني، وتجريد المجتمعات من دفاعاتها النفسية والثقافية التي تحاصر هذا الكيان ليبقى جسما غريبا وأجنبيا، فالهدف لا يتوخى تبيئة الكيان الصهيوني لجعله جزءا من المنطقة فقط، بل أن يجعل منه محور المنطقة عن طريق إرادة القوة.