المنشور

الوصمةُ البشريّة ووصمة عار أمريكا

تقول عنه مترجمة الرواية بأنه “كاتب داهية وروايته هذه رواية داهية”. توصيف حقيقي أصاب كبد الحقيقة، فكاتب مثل فليب روث لايمكن أن لا يكون غير ذلك، فمقدار المعلومات المسربة إليك تبقيك حبيس المكان لتواصل مشوار لذة التشويق لمعرفة المزيد عن حال شخوص الرواية وما آلوا إليه.

رواية تقع في أربعمائة وواحد وستين صفحة صادرة عن دار المدى في العام 2012، تُرجمت باقتدار من قبل فاطمة ناعوت الكاتبة والصحفية والشاعرة والمهندسة المعمارية أيضاً.

الكاتب يضع يديه على الجروح، جروح بلده الولايات المتحدة: التمييز العنصري والأفكار الناتجة عن هذا التمييز وفعلها على الفرد والمجتمع والفوارق الطبقية وما تؤدي اليه من فجوة شاسعة بين الأغنياء والفقراء وحال الرؤساء ومغامراتهم ونزواتهم الجنسية وغزواتهم للشعوب الأخرى في فيتنام والعراق وأفغانستان وما تخلفه تلك الحروب على الجنود من أمراض وندوب نفسية يعيشونها بعد عودتهم للولايات المتحدة كأمراض مستعصية مثل مرض اضطرابات إجهاد ما بعد الصدمة (PTSD) .

وهنا يقول الكاتب في معرض الحوار الدائر في الرواية (آلاف وآلاف من الرجال يستيقظون في منتصف الليل عائدين إلى فيتنام. آلاف وآلاف من الرجال هاتفهم الناس ولا يردون على الهواتف. آلاف وآلاف من الرجال تباغتهم تلك الأحلام المخيفة بحق). رواية تتبع كل تلك الأحداث بأسلوب راقي وجميل، لا يخلو من التهكم اللذيذ، أسلوب نعتته المترجمة بالفريد في انتقاء الجمل والكلمات التي لايمكن ترجمتها إلى العربية الا وأن يختل المعنى .

ومع كل ذلك فالتاريخ السياسي والاجتماعي الأمريكي حاضر في ذهن الكاتب يلّوح به في وجه السياسيين عند مناقشته لكل ما يحدث في بلده، فيدخل إلى البيت الأبيض لمعرفة خبايا الرؤساء ويدخل إلى بيوتهم متلصصاً على فضائحهم، وهذا ما فعله مع نيكسون في فضيحة (واترجيت)، ومع كلينتون في فضيحة مونيكا لوينسكي، المتدربة السابقة في البيت الأبيض في منتصف التسعينيات من القرن الماضي والتي سماها الصحافي النقابي المحافظ وليام باكلي في معرض تقييمه لهذه الحالة عدم المقدرة على التحكم في الشهوة الجنسية.

تقول عنه المترجمة بأن فليب روث (يلعب مع القارئ لعبة سيكولوجية مثيرة، لعبة الكرّ والفرّ في التأثير النفسي على القارئ من خلال بناء شخوص الرواية)، ومع كل ذلك تبقى هذه اللعب جميلة ومشوقة إذا ما أجاد القارئ هضمها وفهم معناها ودوافع الكاتب واسلوبه وما يرمي إليه، فكاتب بهذه القامة، وهو الذى حصد العديد من الجوائز لابد وأن يكون له أسلوبه الخاص في الكتابة ومنهجه في تحصيل الوقائع وسردها كأحداث وقعت بالفعل مُضاف اليها قليل من الفنتازيا المشوقة.

تبدو للقارئ هذه الرواية عند قراءتها لأكثر من مرة بأنها رواية غير إعتيادية من حيث طريقة السرد والمضمون الذي قد يلتبس على البعض، فالأحداث تأخذك لعام 1998 حين يبدأ الكاتب في حبك خيوط روايته عبر كلمة قالها بروفيسور كولمن سيلك (spooks) فُهمت خطأً واتهُم بالعنصرية في تعامله مع طلابه مما أوقعه فيما يشبه الشعوربالغبن والضغينة بعد هذا الاتهام غير العادل، مما اضطره لترك التدريس في تلك الجامعة فجئ به إلى الحضيض بعد أن كان ممتلئاً بالحيوية فظل يصارع عارالإخفاق لفترة طويلة من الزمن وانعكس كل ذلك على حياته وبقى مثقل بالضجر الذاتي لكونه غارقاً عارياً في بحر من المرارة كما يقول الكاتب.

كلمة (spooks) مصطلح مُسئّ يوجه أحياناً للسود قالها دونما مقصد من حيث إنه ملون إيضاً وبالتالي إلباسه التهمة فيه إجحاف وفرية مقصودة، وتلك الكلمة كلفته منصب عميد جامعة وبروفيسور مرموق.

ينطلق الكاتب لفضاء المجتمع الأمريكي ليفضح المؤسسة القائمة برمتها من خلال تشريح طرائق التعامل مع الملونين وهنا نستذكر ما يحدث الان في أمريكا في ظل رئاسة ترامب من أحداث عنصرية كمقتل المواطن الأسود جورج فلويد وغيره من المواطنيين السود بعد أن أجج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سعير العنصرية بتصرفاته الممجوجة.

من يقرأ الرواية لابد وأن يرتسم في ذهنه ما يحدث الآن للمجتمع الأميركي وصور الصراعات المحتدمة بين مكوناته التي أخذت تطفو على السطح حول مختلف القضايا، بما فيها أسلوب العيش في مجتمع متعدد الأعراق والقوميات والاجناس والشعوب، فالعنصرية المتأصلة في المجتمع الأمريكي حولت كل شيء إلى دمار اجتماعي ونفسي، واختتم فصلها بتمرد ترامب وانصاره على طريقة الاتنخابات واعتبارها مزورة ومن ثمّ الايعاز لهم بالعنف واقتحام مبنى ال”كابيتول”.

وعوداً على الرواية أراد كولمن النية كما يقول (أن يجعل أمرعرقه سّره الخاص، فإن الثمن الذي كان عليه أن يدفعه هو ألا ينجب أطفالاً) كونه هو أحدٍ الملونين، وهنا يخبرنا الكاتب بما يحصل للملونين ويعطينا مثالاً بالدكتور تشارلز درو وهو الذي أكتشف كيف يُمكن أن يُمنع الدم من التخثّر ومن ثم أمكن تخزينه في بنوك ليقول بأن ذاك الطبيب جُرح في حادث سيارة، والمستشفى الأقرب لم تكن تقبل مرضى ملونين، فمات بعد ما ظل ينزف حتى الموت.

فأي مصير ساخر لاقاه ذلك الطبيب! وهذا المصير يشي بأن المجتمع بفعل الصراعات بعيد عن الإنسانية، فلون البشرة له مفعول سلبي على صاحبه، وبالتالي العزلة للسود وذوي البشرة الملونة في كانتونات هو ما أنتجته الرأسمالية لهذه الشعوب التي فُرض عليها هذه المعيشة المذلة ناهيك عن التمييز في المدارس والمواصلات وغيرها من المرافق العامة.

صاغ الكاتب من اللون والعنصرية والتفاوت الطبقي والعرقي موضوعاً جميلاً، تعرف القارئ من خلاله على كل جوانب العنصرية وفلسفتها التي ما برح المجتمع الأمريكي يعيشها ويتجرع مراراتها، ففي فوضى الانتخابات الأخيرة يتضح مقدار الهوة بين الأمريكيين واهتماماتهم واختلافاتهم في الأمور المصيرية مما يجعل من أكبر قوة في العالم في مهب ريح التغييرات العاتية سواء أكان إيجابية أم سلبية.

سياسة الأرض المحروقة التي يمارسها الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب توضح وبجلاء مقدار الانقسام في المجتمع الأمريكي وتمزق النسيج الاجتماعي والهوة الفاصلة بين الملونين الذين صوتوا لجو بايدن الرئيس المنتخب على حساب ترامب، فلا يعوز المراقبين لتلك الانتخابات الإلهام لمعرفة ما فعله دونالد ترامب بهم ليصوتوا ضده إنتقاماً من سياسته العنصرية المنحازة للبيض.

يعود الكاتب في رواية أخرى له (تزوجت شيوعياً) الصادرة عن دار المدى في العام 2019 ليصب جام غضبه على الطريقة التي يدير بها الحزبان الجمهوري والديمقراطي شؤون البلاد فيما يتعلق بملاحقة النقابيين والمعارضين لسياسة كلا الحزبين الذين يحاربون الظلم والاستبداد وضد اضطهاد العمال، ليقول (لقد كان الحزبان السياسيان الكبيران متساويين في افتقارهما إلى الضمير عندما يتعلق الامر بحقوق الزنوج، ومتساويين في لا مبالاتهما بالممارسات الجائرة التي ورثها النظام الرأسمالي، وفي إغماض عيونهما أمام العواقب الكارثية التي ستنزل بالجنس البشري الناجمة عن استفزاز بلدنا المُتعمد للشعب الروسي المُحب للسلام إنهم يدعمون أنظمة الحكم الرجعية في العالم، ويسلحون أوروبا الغربية ضد روسيا، ويُعسكرون أميريكا).