المنشور

التنوير في الأدب البحريني ( 2- 2)

لا شك أن أمكنة اللقاءات التي تجمع الأدباء والمثقفين والكتاب والفنانين وغيرهم، مثل المقاهي الشعبية، والصالونات الأدبية والثقافية، وبعض منازل رجالات المجتمع، كل هذا هي منارات ثقافية أتت أكلها، كمقاهي باريس التي أشار لها جيرار، وجورج لومير في كتابهما (المقاهي الأدبية من القاهرة إلى باريس)، وكذلك صالونات مصر كصالون مي زيادة، أو صالون عباس محمود العقاد، وتلك مقاهي العالم العربي، وتحديدًا في دول الشمال العربي، إذ كانت لهذا المقاهي دور كبير ومهم في نشر الوعي الاجتماعي والثقافي الذي تمظهر فيما بعد في الكتابات الإبداعية عامة، والخطب السياسية ضد الدول الاستعمارية، والخطب الدينية، فضلاً عن دور الحكواتي آنذاك بشكل أخص.
وبما أن التنوير في الأدب عامة وفي الحياة والمجتمع يدخل في سياقات جدلية وثنائية ضدية، أي التنوير الذي يراه هذا المرء صحيحًا، يراه آخر غير صحيح، وأكان تحليل مفهوم التنوير يكون في دائرة التأويل الذي نحتاجه حقيقة لتأويل قضايانا المجتمعية، أو لقضايا فكرية أو فلسفية أو ثقافية، أو أدبية، أو لقيم ومفاهيم ومبادئ، وكأن التأويل هو التنوير، والتنوير هو التأويل، وهكذا تتم العملية التي تسعى مفاصلها إلى الكشف وإزالة الإبهام، وفتح كوة أفق في جدار الانغلاق، الأمر الذي يتطلب مناخًا من الحرية المسئولة لوجود هذا التنوير، فالتنوير والحرية المسئولة صنوان لا يمكن أن يتفرقا.
وكما يعرف المتابع للمشهد الأدبي والثقافي البحرينيين في بداية الثمانينيات حين برزت الحوارات والمقالات والبيانات التي تتناول الكتابة والفن إن كان من أجل الحياة أو من أجل الفن، ففي الوقت الذي كنا نرى هذه المقالات على الصحافة المحلية ضمن السجال والحراك الأدبي شكل من أشكال الحوار والمناظرة في المفهوم، وكيفية التعامل معه، فإنها أسهمت في وعي القارئ بأهمية الكتابة، ودورها في المجتمع وعلاقتها بالفن، وأهمية الالتزام بالنسبة للكاتب تجاه النص الإبداعي وقضايا المجتمع والقارئ، وأي تلك الزوايا والبؤر التي يضعها التنوير أمام القارئ لكي يطرح عليها أسئلتها، وهذا ما يعني أن كتاب ومبدعي تلك المرحلة يحملون هم المجتمع وقضاياه، ولديهم رؤية تجاه ماضيهم، وواقعهم، ومستقبلهم، لذلك كانت نصوصهم مهما كانت المناداة في اتجاه الفن أو في اتجاه الحياة، فهي تتضمن بل مشحونة بالرمز المفضي إلى الواقع، ونقده وما يحمله من تناقضات، وكيفية السيرورة فيه.
ولكن لو عملنا مسحًا دقيقًا لإصدارات المبدعين في السنوات العشرين الماضية، وبالأخص الشباب، هل نجد فيها مسحات وإشارات تنويرية؟ أم المجتمع لم يعد بحاجة إلى التنوير في وجود الشبكة العنكبوتية، وتحويل العالم إلى قرية كونية؟ أم أن هؤلاء الكتاب ليسوا مشغولين بالمفاهيم والمصطلحات والمبادئ التنويرية نفسها، بقدر همهم وتطلعاتهم محصورة في الكتابة فحسب، وطرح بعض قضايا المجتمع العادية والسطحية التي نقرأها في العديد من الكتابات والنصوص المحلية والخارجية؟ أم هو نقص في وعي الكاتب بدوره الإبداعي تجاه الوطن وقضايا المجتمع؟ أم أن الاهتمام منصب على كتابة الإثارة وليست القضية.
ومن خلال التواصل المباشر مع النص السردي البحريني (قصة ورواية)، لم أجد بين كتاب هذا النوع منهجًا أدبيًا أو مدرسة أدبية واحدة تجمعهم، أو يتكئون عليها في أثناء كتاباتهم الإبداعية، وإنما التباين بينهم في ذلك، ولكن بحكم التأثير والاطلاع وبالأخص أجيال القرن العشرين، فهؤلاء لا شك قد قرأوا الأدب العربي عامة ونهلوا من قديمه وحديثه، كما نهلوا من الآداب الأجنبية، فهناك من جعل المدرسة الأدبية الروسية مرجعية له، كما هو واضح عند عبدالله خليفة، وهناك من تنوعت مرجعياته الأجنبية مثل: محمد عبدالملك، وهناك من جعل الأدب اللاتيني متكأ له، مثل: فريد رمضان، أما جيل الألفية الثالثة – وهنا لا أعني الكل ولا أعمم – هذا الجيل من الكتاب عندنا في البحرين مصاب بعدم الوضوح في رؤيته، والأهداف التي يرمي إليها، إذ يقع هذا الشاب في المنتصف، بين الامتداد التاريخي والماضي وللموروثات، والتسليم بها كليًا من دون التفكير في مدى توافقها والمرحلة الراهنة، ومدى صلاحياتها لحياة وزمن مختلفين، ولهما معطياتهما وتطلعاتهما، وبين تلك الظواهر والحالات التي تتسرب إليه من خلال اللقاءات الثقافية والحوارات الأدبية، وبعض القراءات، والندوات التي تتصف بالعلمية والتفكير الناقد المؤمن بالعقلنة والتجريب، وعدم التسليم بكل شيء دون فحصه ودراسته.
وهنا يقع الكاتب الشاب بين الإخلاص للماضي كله، وموروثاته، وبين التذبذب في الإخلاص، أي أنه لا يستطيع تقديم رؤية صافية المعالم في نصه، وربما لاعتقاده أن الماضي وتركته هو الفعل الحقيقي القادر على حل كل الأزمات، وهو المعول الذي يحفر في الحاضر ليبني المستقبل، وطالما هذه هي المعضلة التي يقع فيها، فلن يتمكن من دخول عالم التنوير الذي يعتمد في الأصل على العقل وعلمية التسليم، فضلاً عن أن هذا الجيل – بحسب تصوري – لم يستطع صنع قارئ متحفز، ينتظر النتاج الأدبي الذي ينبغي أن يتلقاه بين الحين والآخر، وإنما الذي صنع القارئ وللأسف إنه قارئ سلبي، فما يقرأه لا تسهم في تنمية وعيه فكره وقدراته، إذ قامت بدلاً من الكاتب دور النشر المنتشرة حاليًا بين منطقة الخليج المهتمة بالكسب المادي من النتاج، وليس قيمة النتاج، وإذا كتب آلان دونو كتابه الذي أخذ شهرة عالمية (نظام التفاهة)، فأعتقد بعد سنوات قليلة سنجد ما يشابه هذا، سنجد نص التفاهة، وتفاهة النص، وقارئ التفاهة للأسف، والسبب عدم وجود فكر يتجول في فضائه الكاتب الشاب، ولا رؤية تجاه المجتمع والفرد والحياة.
وهنا لابد من التفريق بين الثقافة التي نستقيها ونتلقاها شفاهية، أو كما يطلق عليها بــ (ثقافة الشارع) تلك الثقافة التي يتداولها الناس عامة، وربما التسليم بها من دون التأمل في مفرداتها ومضامينها، وهي غالبًا ما تكون ثقافة مسطحة خالية من البرهان والعلمية والعمق، وبين الثقافة المعتمدة على العلمية التي عادة نستقيها من المصادر والمراجع المدونة، ومن خلال الحوارات العلمية الجادة، والموضوعية الهادفة، وطالما نحمل بين جوانحنا العقل فلابد من تحكيمه في النقل والتقبل والتسليم، إذ لا ينبغي الإذعان إلى قشور الأفكار والتطلعات، وإنما إلى جوهر الأشياء والأفكار وعمقها، فهذا يأخذنا إلى بناء حضاري، وثقافة رصينة متماسكة، صلبة الجذور، قوية الفروع، الأمر الذي يتطلب منا جميعًا، ومن يتكئ على ثقافة الشارع تحديدًا أن نتحرر من الداخل قبل كل شيء، نحاول مناقشة قناعاتنا التي تجذرت في عقولنا، وبخاصة بعض الموروثات والخزعبلات التي يراها البعض وكأنها من صلب حضارتنا وثقافتنا.
وإذا أرجعنا كل هذا إلى الوعي الثقافي والفكري ومعرفة الكاتب بدور الأدب في المجتمع، فإن هذا يرجعنا إلى مسألة جد مهمة وهي المتعلقة بالمعلم نفسه. فالمعلم الذي يعلّم الطلبة الدروس طوال العام الدراسي، ويكرر ذلك كل عام، وهو في الأصل لم يفتح كتابًا أو يطّلع على بحث هنا أو هناك يخص مادته، فإنه مع مرور الوقت لا يختلف عن بقية طلبته عدا عمره الزمني. كذلك كتاب النصوص الإبداعية، إذ ربما هذا الكلام يزعل البعض، ولكن هي الحقيقة الظاهرة ظهور تعاقب الليل والنهار، بل من يسجن نفسه في قراءة مجال إبداعه فقط، أي إن كان شاعرًا لا يقرأ إلا الشعر، وإن كان قاصًا لا يقرأ ألا القصص، وإن كان روائيًا لا يقرأ إلا الروايات، بهذا يكون الكاتب هنا (المبدع) مكررًا لكل هذه القراءات في نص واحد أو عدة نصوص، ولكن حين يخرج من هذا السجن ويدخل في حقول أخرى قراءة وتأملا ومناقشة بين النص الاجتماعي والنص السياسي، والنص الفكري والنص التاريخي والنص التراثي وهكذا، فلا شك تتكون عنده حصيلة معرفية كبيرة وواسعة بالإضافة إلى قراءاته في مجال حقله الإبداعي، فينتج نصًا إبداعيًا رائعًا وعميقًا وملفتًا لأنظار القراء والنقاد والآخرين.
ولدينا من الأدلة التي تكشف أهمية القراءة وعمق الأفكار، إذ حاول أدونيس في كتابه (الكتاب) إعادة قراءة المتنبي ليس بوصفه شاعرًا بل بوصفه إنسانًا مبدعًا له مشروعه الإبداعي والأدبي، وكذلك قام كمال أبو ديب بالشيء نفسه حين أصدر كتابًا بعنون (عذابات المتني في صحبة كمال أبو ديب)، وكتب قاسم حداد في هذا السياق نفسه كتابه (طرفة بن الوردة)، وعبدالله خليفة أخذ من التراث الإسلامي، وأنتج عددًا من الأعمال الروائية، والفكرية، إذن نحن مع النص الإبداعي البحريني الذي يتطلع إلى بناء جسور بين الأجناس الأدبية والحقول المعرفية، كما يتعاطى مع النص القديم والتراثي بروح نقدية صادقة وليس بحالة من الانقطاع، أي لا ينبغي تجاهل الماضي، وإنما دراسته في سياق واقعه الاجتماعي والتاريخي والثقافي، أي من لا يتواصل مع تراثه كيف يتمكن العيش في حاضره ثقافيًا، وكيف له استشراف المستقبل.
ومع الحديث عن التنوير في الأدبي البحريني الذي يشكل العتبة المثلى، ربما يتساءل المرء، هل التنوير محصور في الأدب أم هناك حقول أخرى ومجالات غير الأدب في البحرين أسهمت في عملية التنوير؟ لا شك أن الثقافة عامة في البحرين لها إسهامات كثيرة في التنوير، سواء أكان ذلك عبر الحراك الاجتماعي والتوعوي تجاه قضايا الإنسان الذي قادته مجموعة من أفراد المجتمع منذ عشرينيات القرن الماضي، أم من خلال الكتابات التي نشرت عبر السنين حتى يومنا هذا، بل لم يعد الكاتب الآن معنيًا بوضع العلامات الكاشفة لرؤيته تجاه التغيير والتنوير والتحديث والوعي بشتى مجالات، فالقارئ الحصيف يعي تمامًا تلك البوصلة التي تسيّر هذه الكتابة أو تلك.
وبعيدًا عن النص الأدبي أو الثقافي، فهناك مؤسسات بحرينية أدت دورًا تنويريًا منذ النصف الأول من القرن العشرين، مثل الأندية الأدبية، والأندية الرياضة والثقافية في المدن والقرى، ثم لحقت بذلك الجمعيات النسائية بدءًا من الخمسينيات، وإن كان دورها محصورًا في عالم المرأة الاجتماعي والتعليمي والصحي والأسري، فإن توعية ذلك هو بمثابة تنوير المجتمع عامة، والمرأة بشكل خاص لدورها الذاتي، والمجتمعي الخاص والعام.
ويبقي القول: هل يمكن لنا تنوير المجتمع من خلال كتاباتنا المؤجلة أم عبر تلك الكتابات الخارجة من جلباب الثقافة والعلم والمعرفة بعيدًا عن الإيديولوجيات؟ سؤال يبقى مطروحًا في الوسط الثقافي والأدبي.