المنشور

واقع المراة الفلسطينية ونضالاتها

بشكل عام لا يفرق الاضطهاد في المجتمعات النامية بين رجل وامراة، كونه قائماً على استهداف الفئات الأكثر تهميشا وضعفاً في المجتمع، وكونه يمارس من قبل قوي منتفذة، اجتماعية وسياسية، مستفيدة من اختلال موازين العدالة وغياب القوانين الفاعلة، ومن الموروث الديني والثقافي السائد.
وفي فلسطين لا يختلف الحال عن حال الكثير من المجتمعات النامية التي تخضع لاضطهاد سياسي واجتماعي واقتصادي يمارس على الجميع، ولا يكاد ينجو منه رجل أو امراة أو طفل او مسن، بفعل الاحتلال وافرازاته التي فرضت الحصار، وقيّدت الحريات، وعمقت الفقر، ورفعت مستويات البطالة إلى نسب قياسية (اكثر من نصف مليون عاطل عن العمل في الضفة الغربية وقطاع غزة).
وجاءت جائحة “كورونا” المستجدة لتساهم في تعميق حال البؤس المزمنة التي عانى منها المجتمع الفلسطيني خلال عقود طويلة من الصراع مع المحتل، أعاقت وأخرّت تطوره الطبيعي في مجالات حقوقه الأساسية، وأضعفت، في نفس الوقت، قدرته على المقاومة والتغيير، وباتت فئاته المهمشة تخضع لاضطهاد مزدوج كانت المرأة فيه الأكثر تضرراً كونها الطرف الأضعف في معادلة الاضطهاد.
وبمفارقة عجيبة تحوّل فيها المضطهَد (الرجل) إلى مُضطهِد تحت ضغط الفقر والبطالة والقمع السياسي، مستفيداً من كل الشروط التي تخدم استمرار التفوق الذكوري، يعتبر المراة تابعاً وملحقاً اجتماعياً واقتصادياً، وفي حالات عالة على المجتمع، وعليها أن تقبل بالخيارات المحدودة التي يحددها (سي السيد) المتمثل في الزوج أو الأب أو الأخ الأكبرضمن الدائرة الصغيرة، والمجتمع في الدائرة الأوسع متمثلاً برب العمل والشارع والموروث الاجتماعي والديني السلبي، وكل ما من شأنه الحدّ من خيارات المرأة وتقييد حركتها في تحدي هذا الواقع، الذي يتطلب منها، في نفس الوقت، قوة مضاعفة في نضالها من أجل التغيير ومراكمة إنجازات الحركة النسوية لتحقيق المساواة والحرية في وقتٍ لم يعد وعي المراة للواقع وللحقوق كافياً وحده لإنجاز هذه المهمة الصعبة والمعقدة.
تاريخ المرأة الفلسطينية، رغم ذلك، حافل ومشرف وبطولي في نضالها ضد قوي الظلم والظلام، وعبر هذا التاريخ قاومت الاحتلال، فحملت السلاح وشاركت في الإحتجاجات ضد المحتل الذي اغتصب أرضها، وأستشهدت وأعتقلت وأستشهد زوجها وشقيقها وابناؤها واعتقلوا، وتحملت المسؤولية في حماية الأسرة من أنياب الفقر والعوز، وعملت في الأرض وفي القطاعين العام والخاص بشروط تمييزية وقاسية لاتتناسب مع الجهد والمؤهلات التي تقدّمها المرأة وتحت قانون العرض والطلب، وغياب آليات المراقبة التي تمنع تشغيل المرأة في ظروف لا إنسانية باستغلال بشع من القطاع الخاص، بحيث لا تزال آلاف النساء يعملن باجور أقل بكثير من الحد الادني للأجور (المتدني أصلا)، ويعملن ساعات أكثر مما يعمله الرجل.
وفي العقود الأخيرة اقتحمت المرأة الفلسطينية سوق العمل، وتمكنت من إشغال أكثر من 30% من القوى العاملة، وعانت في نفس الوقت من البطالة بعد أن حصلت على التعليم الجامعي الذي كان مقصوراً على الأبناء الذكور، حتى بات عدد الطالبات الجامعيات يفوق عدد الطلاب الذكور.
محاولات المرأة الفلسطينية للخروج من منطقة الظلّ، سواء في التعليم والعمل، تسجل كإنجاز ونجاح نوعي لتطور وضع المراة على طريق تحقيق الاستقلال الاقتصادي، كشرطٍ اساسي للتحرر والاستقلال الاجتماعي والمساواة وإلغاء التمييزالتاريخي الواقع عليها، ورغم تحالف قوى الاضظهاد ضدها فقد تمكنت المرأة الفلسطينية من فرض ثقافة تقبل المجتمع لامراة متعلمة وعاملة ومنافسة للرجل حتى في الوظائف الهامة، وكذلك في مجالات السياسة وانتزعت زيادة في “كوتا” لتمثيلها في المؤسسات العامة السياسية، حيث ارتفعت من %20 إلى 30%، الأمر الذي سيوسع مشاركتها في صنع القرار، وفرض القوانين والسياسات التي ستخدم قضية التحرروالمساواة وإلغاء التمييز.
بين واقع المراة ونضالها البطولي للنهوض يظلّ تحالف قوي الاضطهاد المتمثل في الاحتلال والتخلف والموروث الثقافي والديني السلبي والرأسمال غير الوطني، مضافاً إليها تداعيات جائحة كورونا التي أدت إلى زيادة نسب الفقر والبطالة في المجتمع الفلسطيني، عائقاً كبيراً أمام ديمومة وتسارع نضالات المرأة لتحقيق المزيد من الانجازات والانتصارات.
لكن هذا التحالف لقوى الاضطهاد يُشكّل في نفس الوقت عامل التحدي، والمحرك للحركة النسوية الفلسطينية وبالشراكة مع القوى والأحزاب اليسارية والديمقراطية ومع الحركة النسوية العربية والعالمية، لمواصلة النضال على كافة الأصعدة من أجل وطنٍ حرٍ ومستقلّ، ومن أجل حياة كريمة للجميع خالية من الاضطهاد والاستغلال والتمييز ليس فقط ضد المراة وإنما ضد كل الفئات المهمشة في المجتمع.