المنشور

لا أحد هنا يعرف من أنا

الأشياء لا تسقط من السماء جزافاً، كما الأعمال التي نفعلها، فتصبح هويتنا بقدر ما نجسد هويتها. أنا لا أتكلم كثيراً عن مهنة تدريس اللغة الفرنسية، مهنة احترفتها وشغفت بها، لأنها تبدو عادية في أعين البشر، وقد لا تكون عندنا في منطقة الخليج على ذات الدرجة من الأهمية إن قارنتها بوظيفة معلم اللغة الإنجليزية على سبيل المثال. في الحقيقة، دراسة اللغات تمكننا من امتهان ما يتجاوز التعليم في صفوف اللغة، ليشمل التنسيق اللغوي، تنظيم الفعاليات الثقافية، أو حتى اغتناء موهبة الإنصات وحل المشاكل الاجتماعية، ولم لا تلك المتعلقة بسياسات تنظيم الهجرة.

أخذتني هذه المهنة الى عوالم لم أكن أتصور أن ألجها. بعد عامين خبرة في تدريس الفرنسية في البحرين، شددت الرحال مرة أخرى لإكمال دراستي في باريس، فوقعت بين يدي فرصة العمل كمساعدة منسق لغوي في بلدية تابعة لضاحية من ضواحي باريس. اغتنمت الفرصة وبدأت العمل من دون كلل لتصبح أولى مهامي إيجاد دروس لغة فرنسية للمهاجرين الذين أقبلوا من شتى أنحاء العالم ليعيشوا في فرنسا، فوجدت منهم من أتى متصوراً بأن هذا البلد سوف يأخذه في الأحضان ويهديه مستقبلاً أفضل، ومنهم من قدم لأنه لم يملك الخيار بعدما تمّ قتل وتشريد جميع عائلته، ومنهم ومنهم ومنهم… قصص كثيرة لا نراها حتى في الأفلام، لأن أعين من هو أكبر منا سلطة لا تريد أن تنظر لمشاكل الهجرة.

اكتشفت خلال شهور عملي بأن أكثر المهاجرين الذين أعمل لأجلهم “غير شرعيين”، ولا أعرف ان كانت لهذه الصفة شرعيتها، لآن أوروبا لا تستطيع ردّ الضيف إن أتى ولكنها لا تضيفه، بما معناه، بأن من نجح في الدخول لا يضمن بالضرورة حق التمتع بأبسط الحقوق سواه سوى باقي البشر، و قد يتمّ ترحيله ما أن يتم العثور عليه دون أوراق ثبوتية تثبت شرعيته في البقاء. كل ذلك يعتمد على هوية المهاجر ومن أين أتى.

ما علاقة كل هذا بتعلم اللغة ؟ تعلم اللغة في أوروبا، وفي فرنسا تحديداً هو بداية كل شيء. اللغة الفرنسية كلها ولدت فوق حلم سياسي، يقتضي يتوحيد الشعب حول قانون لغوي واحد وطريقة تفكير واحدة تجرده من ثقافاته اللغوية والاجتماعية المتعددة. هذه السياسة خدمت مشاريع الدولة منذ الثورة الفرنسية، وما زالت سارية لتشمل جميع المهاجرين، الذين ان أرادوا البقاء، وجب عليهم توقيع اتفاقية يعاهدون فيها الدولة بالانخراط في المجتمع الفرنسي ونسيان الثقافة الأم أو ركنها جانباً، من أجل تبني ثقافة الدولة المضيفة. لست أمزح بهذا الشأن. يكفي أن أكتب على محرك البحث “القدوم إلى فرنسا” ليأخذني إلى موقع وزارة الداخلية ويعلمني عن “اتفاقية الإشراك الجمهورية” الذي أصبح التوقيع عليه اجبارياً منذ عام 2007، إذ يصبح تعلم اللغة بعد توقيعه شرطاً من شروط نيل حق اللجوء أو الإقامة، وطبعاً حق العمل.

لم أكن لأتحدث عن هذه المهنة و كل ما يحيط بها من تفاصيل لو لم تقع عيني على شريط مصور رسمته وكتبته كولين بيكود، زميلتي في المهنة. كولين التي تدرس الفرنسية في مركز اجتماعي بغرنوبل الواقعة جنوب فرنسا، اكتشفت أن لدى طلابها قصصاً يجب أن تحكى وتنشر بالكلمة والصورة، فتبدأ بتلك التي تسرد قصة الشاب ذبيح الله الأفغاني، الذي هرب من تهديد جماعة طالبان بعدما تمت تصفية أبيه و أخيه، واضطر أن يقضي أياماً في صندوق مركبة مع شلة من الشباب من أجل عبور الحدود، حتى يعثر عليه ويقتل أصحابه أمام ضوء عينيه، ويفعل كل ما في وسعه من أجل النفاد بروحه مشياً على الأقدام والوصول إلى بندرعباس بانتظار رحمة المهربين، الذين من وجهة نظره لا يملكون رحمة ولا يهمهم سوى جمع الأموال من ضحايا النزاعات والحروب.
لا تتوقف كولين فتتابع، بقصة السورية مها وخسارتها لأهلها خلال الحرب، وحكاية الإثيوبية راحل والسريلانكية سوتها التي تفتح لكولين قلبها: “قبل أن آتي الى فرنسا، أخبروني بأن الحياة ستكون أسهل، وأن المرأة هنا حرة، تفعل ما تريد، وبأن الجميع سواسية في الحقوق، ولكن عندما أتيت صعقت وخاب ظني! أذكر بأني جلست سنة كاملة في البيت بسبب عدم قدرتي على الحديث مع أحد” ، وهناك كذلك قصة الإريتري غوليندا وعبوره البحر لتفضيله الموت على البقاء.

لم أكن من هواة الأشرطة المصورة، الا اني اكتشفت لاحقا بأنه فن رائع يمنح فرصة قول الكثير بقليل من الكلمات عن طريق الكاريكاتير وتفاعل الشخصيات مع بعضها البعض. نجد بعضاً من العناوين ما لا نستطيع غضّ البصر عنه، لأنها تشي سريعا بالأهمية فور ملامستها لشخوصنا. كان ذلك الحال مع هذا الشريط المصور التي عنونته كولين: “لا أحد هنا يعرف من أنا” ، معطية من خلال هذا العنوان صوتاً للمنفي والمهاجر، الذي يبقى غريباً مهما طالت فترة بقائه في البلد المضيف.

معلم اللغة ليس كغيره من أعضاء الكادر التعليمي، ليس لأنه ينقل للطالب أداة تواصل وحسب بل لأنه يبني بواسطة اللغة علاقة ثقة قوية، فيصبح أمين أسرار وكوابيس، ومؤتمن حكايات جميلة ودورات حياة كتلك الأنفاق التي لا نهاية لها. أذكر بأن أول قاعدة تعلمتها عندما بدأت مهنة التدريس، هي استقبال طلابي بابتسامة يوم جميل مشمس مهما كانت حالة الطقس، ليصبح صفّ اللغة أكثر اشراقاً وبيئة جميلة للتعلم والتفاعل.

في فرنسا بالذات، عندما تجد أمامك طلاباّ عاشوا قصصاً مروعة، يتوجب عليك تذكر مقولة جاك بريفرت: “أعلم أن نسبة من البشر تتقاتل الى حد كبير في كل مكان، ليس ذلك خبراً مفرحاً، ولكن هناك أماكن يتعايش فيها البشر، سأذهب للعثور عليها”.