المنشور

رحيل عازف السكسفون

جلس مجيد مشوّش الخواطر يستعيد ذكريات حياة قد ملأتها أحداث لم يعد يتعرف عليها، تذكّر فجأة معاناته في السجن منذ اليوم الأول لاعتقاله في سجن جدا تلك الجزيرة الصخرية المعزولة عن العالم الخارجي وحتى إطلاق سراحه في العام 1990. سرت الطمأنينة إلى نفسه والراحة إلى جسده، عندها سألته أراك قد عانيت كثيرا؟ ثبت نظراته فىّ واختنق تحت فيض من الذكريات، وظلّ يعتصر ذهنه وبعد برهة قال: السجن قطعة من العذاب، فما بالك بمعتقل مصّفد بالسلاسل في القدمين ومربوط بسلاسل حديدية ثقيلة في زنزانة انفرادية.

ثم أضاف: ظللت اثنين وعشرين عاما في المعتقل منهمكا ليلاً ونهاراً في كتابة النوتات ودراسة النظريات الموسيقية، نهاراً في الكتابة وليلاً في تسويد ثم تبييض ما كنت أكتبه، وأُعالج النواقص وأعيد الصياغات وأرتب النوتات ومن ثم أخلدُ إلى النوم، تذكّر شيء ما وقال: عندما أستعرض هذه التفاصيل أتساءل إن كنت عشتها حقيقة أو تراءت لي في الحلم، بحثت عن السكينة في كل الأشياء ولم أجدها إلا في ركن صُحب كتاب وموسيقى وهكذا انتهت سنوات السجن على هذا المنوال.

إن الناس يكونون محظوظين إذا عملوا عملاً يحبونه وكانوا بارعين فيه، وأنا واحد من هؤلاء، فالأقدار تركت لي فرصة للتأليف الموسيقي، الفنان وُلد ليحيا داخل الحروف والموسيقي هي بحاره وخلجاته، اثنان وعشرون عاماً يا صاحبي ليست بالقليلة، فالقدر صاغ قدراً لي خالف كل توقعاتي وأحلامي في الحياة، ومع كل ذلك فأنا شخص لاينظر إلى الخلف أبداً، شخص لا تكويه الذكريات المعذبة، ولا تكون سبباً في توقفه عن تحقيق أمنياته، كما أن الانسان قادر على الوصول إلى أبعد نقطة في الطريق الذي اختاره بالاصرار والصبر والأمل، فقد تمكنت من تجنيب نفسي الكثير من العناء، لكي أبقى شامخاً معتزاً بنفسي، وبما قمت به من عمل وطني لطرد المُستعمر من بلدي، وكان لي ما أردت، فقد خرج المستعمر غير مأسوف عليه، فقيمة الإنسان لا تكمن في النصر بل في الكفاح من أجل النصر.

تقطعت خيوط الأفكار في رأسه، لملم شتات نفسه، وكفّ عن كتابة إحدى النوتات الموسيقية مستذكراً شيئاً ما، طنين في رأسه كاد أن يفجرعروق دماغه ثم هدأ واستلقى على تلك الخرقة الموجودة في الزنزانة بعدها أفاق من غفوته، وبدأ في تأليف قطعة موسيقية أخرى تفيض بأبداعات جميلة وآسرة سماها “ذكريات”. سألته بعد خروجه من السجن كيف لك أن تكتب بدون المعدات اللازمة للكتابة؟

قال: طالما الذهن صاحً وصافً فليس من العسيرعليّ أن أخزن في الذاكرة ما أود كتابته لاحقاً فقد كتبت إحدى القطع الموسيقية على ورق من علبة صابون، وكان ذلك في العام 1968وألفّت الباقي أولاً في الذهن، ومن ثمّ على ما تيّسر من الورق المقوى، وورق أكياس الاسمنت، والقراطيس وعلب السجائر، ودوّنت النوتات عليه، وهكذا كنت أشغل وقتي بالتأليف الموسيقي وتدريس السجناء الموسيقى.

قلت: “لقد تعرف الناس على المقطوعات التي ألفتها في السجن مثل ازميرالدا، ونوستالجيا، وجزيرة الاحلام، وغيرهما الكثير فكيف استطاعوا؟”.

أجاب، مزهواً ومنتشياً وهو يضحك بصوت عالٍ، الإنسان بإمكانه فعل المستحيل، فقد هُربت تلك المقطوعات إلى الخارج، لتصل إلى السويد أولاً، كما وصلت إلى المانيا الديمقراطية، حيث عزفتها فرقة راديو برلين السيمفونية، بعد أن سُجلت على أسطوانات بلاستيكية، ووزع الآلاف منها في مهرجان الشبيبة بموسكو في العام 1985، غاب في لحظة تأمل، ثم أردف قائلاً: مهمة صعبة أن تُحّول النوته إلي كلمات ناطقة بالألحان، ومع ذلك عندما نحبّ عملنا بدهشة وذهول يصير كل شيء ممكناً، نعم عرفت ذلك، وأنا في السجن من أن الرفاق قاموا بهذا العمل الجبار وأنا اقدّر لهم ذلك كثيراً .

ثم عاد وقال: الآلام والأحزان التي سببها مبضع القدر لي لم تثن طموحي في أن أكون ما أنا عليه، فأحياناً معاناة ذهنية شديدة تلازمني، وبالخصوص بعد فقداني لوالدتي في العام 1981، أمي الحبيبة تغرقني في حالة من الذهول الجميل لما كانت تغمرني به من حبّ وحنان أفتقدته وانا في السجن بعد رحيلها، والدتي التي لا يسعها أي مكان هي لحظة الضوء عندما تحلّ الظلمة. قال أيضاً: تعلم كيف تنسى آلآمك وإذا تعذر ذلك أكتبها لتستمر في الحياة، وهآنذا أكتب كل ذلك، حبي للموسيقى عوضني قليلاً عن هذا الفقدان، وعن ظُلمات السجن وأهوال المعتقل.

استفاق وفي دماغة وقائع خاصة مستعرة بلهيب الشوق والحنين فامتزجت الذكريات العذبة بالذكريات الأليمة وعلى أثر ذلك ألف قطعتين موسيقيتين حرقة القلب، وأغنية الراحلين أهداهما لوالدته في ذكرى رحيلها. أفقت بعد سماعي لتك المقطوعات الحزينة. شعرت فجأة بموجة من الإرهاق اللذيذ وقد غزت أطراف جسدي وقلت بأنك يا مجيد ستعيد بريشة الفن التي لا ينضب زيتها طلاء قضايانا الوطنية كلما بهت وهجها.

استلقى على ظهره، شبك كفيه تحت عنقه وأخذ يتأمل، كسولاً مريضاً بالذكريات البعيدة، استجمع أفكاره وقال خلال فترة السجن الطويلة لم أنقطع يوماً واحداً عن الكتابة والتأليف حتى أنني أصبحت مريضا بهذه العادة، تعلمت كيف أطلق العنان لافتتاني بالتأليف الموسيقي وكأنما هي كل ما تبقى لي من حياة، فالموسيقى مدعاة للحب والتأمل، فصرت أكتب أكثر مما أتكلم فمع القلم أجد انساً وتوافقاً وبهذه الطريقة أنجزت مؤلف ضخم أسميته القاموس الموسيقي الحديث.

على الرغم من نبوغه النادر وعبقريته الفائقة الا إن الطيبة والبساطة خصال لازمته في كل حركاته وتصرفاته وهو الإنسان القادم من حي العدامه في المنامة، وُلد لاسرة فقيرة، وبينما كان انتباهه منصرفاً إلى مكان آخر سجلت ملامحه في ذاكرتي: نحيل البنية، بشرة سمراء، شعر مجعد، روح عذبة، وما لفتني فيه أكثر من أي شيء آخر عينيه، الحزينتين، القلقتين، المتألقتين، كان فيهما حزن هادئ لا يعرف الشفاء أو هكذا بدتا لي وأنا أتفرس في تلك الملامح.

وعرفت لاحقاً بأن التعذيب أثرّ في سمعه، وأن الكتابة على تلك الأوراق الصغيرة في الظُلمة أثرت في نظره، ومع كل ذلك ظل متحداً بعمله الموسيقي الى أبعد الحدود وإلى درجة التوحد، وكأن مخيلته تعمل دون توقف واحسست أن كل ما لايستطيع قوله يعبر عنه بالموسيقى.

كنت أنظر اليه وأعجب بتلك الكبرياء وبتلك البساطة اللتين يتحلى بهما رغم ضيق الحال وضنك المعيشة، فقد ظل وفيًا لوطنه، مخلصاً لشعبه، فرحاً بما قدمه والعمل الفني هو طمأنينيته وعشقه الوحيد. إني لأكبر في هذا الانسان جلده وكبريائه، كيف له أن يبدع كل ذلك وهو سجين سنوات متواصلة، منكباً على الكتابة والتأليف في جزيرة نائية، إنه فعلاً إنسان من طراز نادر، فقد سلك طريقاً صعباً وعسيراً دون أن يتعب أو تلهث أنفاسه.

كان مجيد يردد دوما على مستقبليه بأن السعادة هي أن تؤدي واجبك، وكلما كان أصعب كانت سعادتك أعظم، فالموسيقى هي كنز من أسرار أبدعتها عقول كثيرة وبقيت حية، بعد موت مبدعيها، ثم أضاف: لا شيء يستحق أن نموت من أجله مثل الحرية، وهآنذا حرّ طليق بعد تلك السنين الطوال.

وددت أن أستفسر عن شي أسرّه لي أحد رفاقه، فسألته عن ذلك القط الذي لازمه في السجن فقال: تقصد القط (جيك). كان صغيراً لونه رمادي، اعتنيت به فصار لا يفارقني نهاراً وليلاً حتى موته، فكان جزءاً من تلك الحياة الصعبة في السجن.

ماذا أقول وقد إعترتني حالة من الكآبة، لأن أمثالك لا يحظون بتكريم من قبل الدولة ولا أن تصبح أعمالك الفنية مقررا دراسياً للطلاب ليتعرفوا على أبطال الوطن ودورهم المجيد، فشعلة النضال مشتعلة بك، رغم غيابك، فأنت الغائب الحاضر دوماً في وجدان الوطن.

جمعت أفكاري المبعثرة التائهة بعد ذلك اللقاء وجاهدتُ لكي أركز على ما قاله في ذلك اليوم، واذا بخبرهزّ جميع اركان جسدي، أغمضت عيني وأحسست بالدموع تنساب على خدي بطيئة ودافئة لقد مات مجيد.

في ظهيرة ذلك اليوم الكئيب أصوات الآلات الموسيقية تتصاعد وتصدح ألحان حزينة، وبأنين أكثر وأكثر يُسمع من بعيد صوت الكونترباص، ويمتد خيط الأنين عبر صوت السكسفون والهارمونيكا والأكورديون والفلوت مصحوباً بنداءات وصرخات جنائزية. لقد مات مجيد، مات. وكان ذلك في الثالث والعشرين من فبراير للعام 2010 . يوم حزين آخر مرّعلى الوطن.

مصادر:
1- ساكسفون وقنبله -هيكل الحزقي
2- مجيد مرهون -كيف تكون مانديلا وبيتهوفن في آن واحد– محمد فاضل العبيدلي