المنشور

لقاء لينين وكروبوتكن (2 – 2)

حينها نظرتُ إلى فلاديمير إليتش، بدت على نظراته علامات السخرية والتسلية وهو يستمع بإنتباه شديد لكروبوتكن. كان من الواضح أنه مذهولاً من إنبهار وتحمس كروبوتكن بالتعاونيات على الرغم من أن ثورة أكتوبر قد قدمت نموذجاً متقدماً بأشواط عنها. ظل كروبوتكن يتحدث عنها أكثر فأكثر، وحكى كيف تأسست تعاونية اخرى في مكان آخر في انكلترا؛ بالإضافة إلى تأسس فيدرالية تعاونية صغيرة في اسبانيا، وتطور الحركة السنديكالية في فرنسا. لم يستطع لينين أن يتمالك نفسه فقاطعه فوراً:

(هذا مضر جداً، إذ تجاهل الجانب السياسي وتقسيم الجماهير العاملة يؤدي بهم إلى التغافل عن النضال المباشر.)

كروبوتكن: (لكن هذه الحركة توحد الملايين من البشر، وهذا بحد ذاته يعد شيئاً عظيماً. مع الحركة التعاونية سنخطو خطوة كبرى إلى الأمام.)

قاطعه لينين: (جميل جداً هذا كله. بلا شك، للحركة التعاونية أهمية كبرى ولكن إن كانت تكتفي بطبيعة سنديكالية فإن هذا أمرٌ مضر؛ ولكن أهذا هو الأساس حقاً؟ أيؤدي كل هذا إلى شيء جديد؟ هل تعتقد حقاً بأن العالم الرأسمالي سيفرش الطريق أمام الحركة التعاونية؟ لا، الرأسمالية ستحاول السيطرة على هذه التعاونيات بشتى الطرق الممكنة. هذه التعاونية “المضادة- للسلطوية“ في انكلترا ستسحق بلا رحمة وستتحول إلى أداة في يد رأس المال. سينتهي بها الأمر إلى الاعتماد على رأس المال وهكذا تنتهي الحركة، التي تتعاطفَ معها جداً، في الخيوط العنكبوتية لرأس المال. اعذرني، ولكن ليس لكل هذا أي أهمية! إنها مجرد تفاصيلاً زائدة! ما نحتاجه هو العمل الجماهيري المباشر، وطالما لا يوجد هذا العمل لا يُمكننا أن نقول أي شيء حول الفيدرالية، أو الشيوعية، أو الثورات الاجتماعية. كل هذا لا يعدو كونه لعب أطفال، جلبة من دون أي أساس صلب، بلا سلطة ولا وسيلة وهكذا لا يقدمنا ولا يؤخرنا إزاء أهدافنا الاجتماعية.)

في هذه الأثناء، نهض فلاديمير إليتش بحماس وأخذ يقول ما قاله بصوت عالٍ وواضح، أما بيوتر إلكسيفيتش كان يستمع بإنتباه لكلمات لينين الملتهبة؛ بعدها لم يستحضر كروبوتكن مسألة التعاونيات ثانية.

كروبوتكن: (أنت على حق، من دون النضال لن نصل إلى أي مكان في بلد واحد، ايّ من دون أكثر النضال مرارة.)

لينين: (لكن عليه أن يكون نضالاً جماهيرياً! أما النضال الفردي ومحاولات الاغتيال لا تفيد أحد بأي شيء؛ حان الوقت لأن يفهم الأناركيون هذه الحقيقة. لن ينجح النضال ما لم كان في الجماهير، وعبر الجماهير، ومع الجماهير…أما الوسائل الأخرى، ومن ضمنها الوسائل الأناركية، فأنها الآن في أرشيف التاريخ. إنها بلا أي فائدة، ولا تخدم أي شيء، ولا تجذب الناس؛ بل إنها تشكل إلهاء للناس الذين يسعون خلاصهم في هذا الدرب المتعب.)

فجأة سكت فلاديمير إليتش، وابتسم ابتسامة لطيفة قائلاً: (اعذرني أطلت عليك ولعلني أنهكتك، لكن ما العمل؟ نحن البلاشفة هكذا، وهذه مشكلتنا إذ أن هذه المواضيع هي المفضلة لدينا ولا نستطيع أن نتحدث عنها من دون أن نتحمس.)

كروبوتكن: (إطلاقاً! إذا كنت أنت ورفاقك تفكرون بهذه الطريقة، ايّ إذا السلطوية لم تسيطر على عقولكم، وإذا كنتم تشعرون بأنكم لن تأخذوا نهج الدولة في القمع، إذن ستكونون قد أنجزتم الكثير من الأشياء العظيمة. هذا يعني بأن الثورة في أيدٍ أمينة.)

رقّ قلب لينين فقال: (نحن نقوم بأفضل ما لدينا، كما نحن بحاجة إلى جماهير متطورة. أنا أظن بأن عليك إعادة طباعة مؤلفك (الثورة الفرنسية العظمى) لينشر بأوسع شكل ممكن؛ هذا الكتاب مفيد للغاية. لكن يا ترى أين سيطبع هذا الكتاب؟ ليس من الممكن طباعته في دار نشر الدولة.)

كروبوتكن: (إذا كنت تشعر بأن الكتاب مثير للاهتمام ومفيد فأنا مستعد لنشره في طبعة جديدة ورخيصة. لعلي سأجد دار نشر ما تابعة لأحد التعاونيات ستقبل به.)

لينين: (لن يكون في ذلك أي مشكلة في هذا إطلاقاً.)

بعد ذلك انحسر النقاش ما بين الاثنين، فنظر لينين إلى ساعته ونهض ليعلن بأن عليه الاستعداد لاجتماع السوفناركوم. ودّع كروبوتكن بحرارة وقال له بإنه سيسعد بأي رسالة يتلقاها منه. ودعنا كروبوتكن ورافقناه إلى الباب. بعدها قال لينين لي:

(كم شاخ كروبوتكن! إنه يعيش في بلدٍ متفجر بثورة قلبت كل شيء رأساً على عقب، ومع ذلك جلّ ما يفكر به هو الحركة التعاونية! هاهو فقر أفكار الأناركيين والمنظرين والاصلاحيين البورجوازيين الصغار؛ ففي وقت التهاب الحركة الجماهيرية الخلاقة، ايّ في وقت الثورة، تجدهم في حيرة من أمرهم فلا يبتكرون أي خطة صالحة ولا يطرحون نصائحاً عملية. لنفترض للحظة بأننا قمنا بما ينصحنا أن نقوم به، حينها بحلول يوم غدٍ سنرجع إلى النظام الأوتوقراطي ثانية؛ وأين سنكون نحن؟ جمعينا، وهو معنا، سنكون على جادة الطريق نهذر. كم كانت مذهلة الكتب التي كتبها، وكم كان قلمه رشيقاً، وكم كان منعشاً أسلوبه في الطرح والتفكير، لكن هذا كله ينتمي للسابق ولم يتبق شيئاً. مع ذلك هو كبير في السن وعلينا أن نحيطه برعايتنا ونوفر له كل حاجاته بقدر المستطاع؛ علينا أن ننفذ هذا بأكثر الأشكال حساسية. إن وجوده مفيد للغاية وقيّم بفعل ماضيه وما قام به في الماضي. أرجوك ألا تهمله ووفر له ولأسرته الرعاية التامة وأحطني علماً بأحواله كلها؛ حينها سنناقش كل شيء فيما بيننا ونوفر له المساعدة المطلوبة.)

وفيما كنا نتحدث عن بيوتر إلكسيفيتش وجيله، مشينا أنا وفلاديمير إليتش في الكرملين بإتجاه مبنى السوفناركوم حيث ستعقد الجلسة الثانية لحكومتنا بعد ربع ساعة.