المنشور

إيران إلى أين.. من خلال انتخابات البرلمان؟

من الصعب أن يختلف شخصان حول ‘فرادة’ الديمقراطية الإيرانية بل غرائبيتها، وان اختلفا حول محتواها وآلية تطبيقها .. فالمناهضين والمعادين – الكُثر- للنظام الإيراني، ابتداءً من الدول الغربية وجزء كبير من الرأي العام الدولي والإيراني مرورا بالأغلبية الصامتة من المواطنين الإيرانيين وانتهاءً بالمعارضين السياسيين الإيرانيين في الداخل والخارج، لايترددون أبدا في طمغ النظام الإيراني، الخاضع أساسا لمركزية ‘ولاية الفقيه’، بعدم الديمقراطية -من حيث المبدأ- بل بالاستبداد القمعي الذي يندر أن يكون مثله نظام سياسي آخر. أما مؤيدوه- الكُثر أيضا- فإنهم يعتبرونه مثالا يجب أن يُحتذى به في العالم الإسلامي (خاصة الإسلاميين الشيعة) وان اختلفوا في مبدأ حاكمية ‘ولاية الفقيه’! يستدعي الإنصاف الموضوعي القول إن هناك في إيران’ تجربة جديدة/قديمة’، نعني بها الثيوقراطية أوالدولة الدينية، المبنية على المؤسسات الديمقراطية المنضبطة والموجِّهة، تتمثل في انتخابات وبرلمان ومؤسسات وان كانت كلها خاضعة للمراقبة والتصريح والكلمة الفصل من قِبَل ‘لجان عليا معيّنة’ تستمد قوتها من الشرعية الإسلامية ومرجعية الاثني عشرية! لكن دعنا نرى كيفية تطبيقها والمسار التي رأتها تلك التجربة منذ انتصار ثورة بهمن في سنة 1979 والتعرجات التي سارت والاصطفافات والتجاذبات التي تخطاها المجتمع الإيراني .. نوجزها هنا -نبذة مختصرة- مع القارئ الكريم، حتى يتسنى له الحكم- إيجابا أو سلبا- على تجربة هذه الثورة، التي وعدت المستضعفين الكثير..الكثير! هيمنت الثيوقراطية/ الدولة الدينية الحالية في إيران بعد ثورة شعبية عارمة، هزت أركان المنطقة الإقليمية مع تأثيراتها الدولية،عرفت بثورة 22 بهمن(الشهر ال11 في التقويم/ الروزنامة الإيرانية) 11 فبراير 1979 وكانت نتيجة تحالفات واسعة شملت سائر القوى السياسية، من اليمين الليبرالي والديني إلى اليسار المعتدل والمتطرف مرورا بالإسلام الماركسي(مجاهدي خلق) الذين اعتبروا- في حينه- أقوى تنظيم يساري وان كانت الحركة الدينية المتمثلة في خط الإمام الخميني تمثل أقواها وأوسعها جميعا(كانت عبارة عن تحالف فضفاض من القوى الدينية، الليبراليين الدينيين والحوزات الدينية). والحق يقال انه، منذ مئات السنين كانت توجد في إيران قوتان آيديولوجيتان وسياستان مهيمنتان هما الإسلام (منذ القرن ال7) والشاهنشاهية (من 2500 سنة)، التي هُزمت -أخيرا- على يد الأول شر هزيمة بالرغم من تحالفهما عبر التاريخ المديد للمجتمع الإيراني، كما حدث، على سبيل المثال، أبان الثورة الدستورية في مطلع القرن العشرين في التاريخ البشري قاطبة وتاريخ الثورات يندر أن نجد ثورة قد حققت كل شعاراتها وأهدافها بما فيها الثورات الدينية، من الثورة المحمدية حتى يومنا هذا.. ومن المؤكد أن التجربة الإيرانية ليست استثناء! يقول أحد كبار المفكرين في التاريخ أن الثورة تأكل خيرة أبنائها ولكن يبدو الآن أن تجربة الثورة الإيرانية، بعد أن حصدت خيرة أبنائها ردت – الآن – لتأكل نفسها! ومؤشرات ما نقصدها واضحة تتجسد في استعمال القسوة وخرق القوانين المستمدة من الدستور الإيراني نفسه في محاربة خصوم الرأي، شاملة الإصلاحيين الإسلاميين الذين لا يختلفون كثيرا عن المتشددين فيما يتعلق بقناعتهم لمبدأ ولاية الفقيه وإن اتسموا بالواقعية السياسية والتوازن الاقتصادي والمحتوى الاجتماعي/الثقافي لقيم الإسلام تشكلت في المجتمع الإيراني المعاصر في السنوات الأخيرة تمايزات طبقية حادة، واستقرت على مفارقات غرائبية عديدة يجب الإشارة إلى أهمها، قبل محاولتنا من تحليل الأرقام الإحصائية التي لا تقدم ولا تؤخر:
* دولة نفطية (زراعية) صناعية غنية ذات دخل خيالي من النفط ومشتقاتها ومصادر الدخل المتنوعة مقابل شُحّ في البنزين وارتفاع أسعاره ناهيك عن أسعار السلع الاستهلاكية /الحياتية الأساسية
* نظام إسلامي راديكالي يعتمد -نظريا على الأقل-على العدل في توزيع الثروة يقابل 20 مليون -على الأقل- يعيشون تحت خط الفقر
* مدرسة شمولية في الوعظ الأخلاقي /الديني (ليلا ونهارا) تقابلها – حسب الإحصاءات الرسمية – على الأقل 2 مليون من المعتادين على المواد المخدرة وعدد ضخم من المومسات قد يصل إلى المليون (حسب مصادر وبحوث السوسيولوجيين الإيرانيين)،عدى مظاهر الفساد والرشوة والمحسوبية والمظاهر السلبية الأخرى، المنتشرة عادة في بعض بلدان العالم!
* استقطاب طبقي يتكون من شرائح عليا من البرجوازية التجارية الجديدة(بازار بعد الثورة)،التي اغتنت في المرحلة الأولى من عمر الثورة والبرجوازية البيروقراطية/الطفيلية، التي اتسعت وتمركزت في السنوات الأخيرة( تكونت أساسا من كبار مسؤولي حرس الثورة)، وهما الشريحتان اللتان تعتبران الآن العمادان المركونان للنظام ،الذي نجح في إعادة إنتاج قوته بشكل غير مسبوق وبآليات وأنماط مبتكرة على الصعيد الاقتصادي/التمييزي (خليط من الاقتصاد الخاص والكُلياني )، حيث تحولت قادة ومسؤولي وبعض أفراد المتميزين وحتى العاديين من’منظمة حرس الثورة'( سباه باسداران) إلى حملة أسهم في قطاع تجاري صناعي/حربي، لتكون هذه المنظمة العسكرية والاقتصادية المليونية ،الدرع الحصين للدفاع عن جمهورية إيران الإسلامية!
 
صحيفة الوقت
23 مارس 2008

اقرأ المزيد

دلالات الحكم بإعادة غزوان وسهراب

يكتسب الحكم الذي أصدره القضاء البحريني ممثلا في المحكمة الصغرى العمالية الاولى بإرجاع النقابيين المفصولين فصلا تعسفيا فيصل غزوان وماجد سهراب الى عمليهما.. يكتسب هذا الحكم دلالات ومعاني عميقة المغزى سياسيا ونقابيا يمكننا ان نبرز أهمها فيما يلي: أولا: ان الحكم القضائي الصادر هو علامة مضيئة من العلامات التي تعكس أو تجسد السلطة القضائية كسلطة مستقلة. ثانيا: ان قرار المحكمة بعودة النقابيين المفصولين على خلفية ممارستهما لأنشطتهما وحقوقهما النقابية هو على الارجح أول حكم من نوعه في تاريخ القضاء البحريني يقضي بإعادة مفصولين بسبب عملهما النقابي الى عملهما بشكل قاطع وفوري وخاصة لما لقرار المحكمة من صفة الالزام كحكم قضائي عمالي. فلم يسبق في تاريخ الحركة العمالية والنقابية البحرينية التي قضت الشطر الاعظم من عمرها الطويل الذي يناهز نحو ستة عقود ان انتزعت قضائيا مثل هذا المكسب الكبير وهو مكسب لم يأت إلا بعد تشريع حق العمل النقابي العلني وكفالته قانونيا ودستوريا. ثالثا: ان الحكم القضائي بإلغاء فصل غزوان وسهراب ما كان ليتم لولا وحدة الموقف النقابي أو الحركة النقابية معهما سواء في اطار الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين أم في خارجه، هذا على الرغم من الانقسامات الراهنة التي يشهدها الجسم النقابي. ولا شك ان الحكم يكتسب مغزاه ودلالته ــ كدرس وكقدوة ــ كونه صدر عشية مؤتمر هذا الاتحاد، ليعطي بذلك أطراف هذا الاتحاد دفعة قوية للتمسك بالوحدة النقابية بعيدا عن تسييس العمل النقابي، والصراعات الفئوية والحزبية والشخصية التي تضر بمصالح الحركة النقابية البحرينية الجديدة الوليدة. رابعا: ان الحكم القضائي إذ يكتسب جانبا من دلالاته كونه صادرا عن واحدة من اكبر وأقدم الشركات في البلاد، وتتميز تقليديا بوجود رموز نافذة في ادارتها، فانه من صالح هذه الشركة وسمعتها التجارية والاهلية ان تقبل به بروح رياضية وغض النظر عن فكرة الاستئناف، ولاسيما في ضوء ما هو مرجح بأن يسفر الاستئناف عن تثبيت ذات الحكم القضائي وذلك نظرا لحساسية القضية وأبعادها السياسية ووضوح مظلومية الطرف المغبون فيها. خامسا: ان الحكم القضائي الصادر لصالح غزوان وسهراب لهو درس عميق على الشركات والمؤسسات استيعابه جيدا وذلك من خلال ترويض النفس وسعة الصدر في قبول الانشطة والحقوق النقابية وعدم مصادرتها عمليا، ذلك ان عصر تجاهل هذه الانشطة وازدراء الحقوق النقابية، والذي ساد ردحا طويلا من الزمن قد ولى وينبغي للشركات ان تفهم ذلك جيدا، هذا اذا ما رامت حقا الى تحقيق بيئة عمل مستقرة ودائمة تسهم في زيادة الانتاج وتحقيق الارباح ليس على حساب شقاء العاملين فيها بل بإشراكهم ولو بأدنى القليل من تلك الارباح وتفهم أدنى حقوقهم البسيطة، ولاسيما ان شركة النقابيين المفصولين هي من أكثر الشركات «الوطنية« مدرارا للأرباح الخرافية من دون ان يشعر العاملون فيها بشيء من عوائد تلك الارباح، أو ينعكس على افادة المواطنين المستهلكين في أسعارها وتحسين خدماتها اللهم أدنى القليل. سادسا: لما كان فصل النقابيين غزوان وسهراب جاء بسبب أنشطة نقابية مشروعة تتصل بالمطالبة بالزيادة في الرواتب ومطالب أخرى، فان الحكم القضائي الاخير يكتسب دلالاته البعيدة بأن تتعظ كل الشركات والمؤسسات الخاصة من خطورة تجاهل مطالب عمالها وموظفيها بتحقيق زيادة ولو بأدنى القليل المقبول وخاصة في هذه اللحظات حيث موجات غلاء أسعار السلع الاساسية المتعاقبة التي تعصف بحياتهم المعيشية. سابعا: لئن كان من اللافت في قضية النقابيين غزوان وسهراب انتهاؤها بوقوف السلطتين التشريعية (مجلس النواب) والقضائية الى جانب حقهما النقابي المشروع، فمن اللافت أيضا وقوف واحد من رموز السلطة التنفيذية الى جانبهما منذ البداية حتى النهاية وعلى نحو قاطع وحازم ألا هو وزير العمل مجيد العلوي، الذي اعتبر منذ بدايات الازمة ان الفصل غير قانوني، وطالب بإعادة المفصولين الى شركتهما قبل رفع القضية الى القضاء، وهو ما أكده الوزير بعد صدور الحكم مشيدا بحكم القضاء البحريني وداعيا الى وقف برنامج التدوير وتسريح البحرينيين وإحلال العمالة الأجنبية محلهم. ولا شك ان هذا الموقف النزيه إذ يحسب لصالح هذا الوزير، فإنه سيعزز من سمعة البحرين ومصداقيتها في المنظمات الدولية المعنية، من حيث التزاماتها القانونية بمعايير ومستويات العمل التي صدقت عليها المملكة.
 
صحيفة اخبار الخليج
23 مارس 2008

اقرأ المزيد

صناعة الإحباط

ينطلق البعض من ملاحظة جوهرية جديرة بالمعاينة،‮ ‬هي‮ ‬فقدان الشبيبة حماستها للأفكار الكبرى،‮ ‬مما‮ ‬يدفعنا للتساؤل عما إذا كانت لذلك علاقة بمفاعيل التقدم التقني،‮ ‬الذي‮ ‬يقال إنه‮ ‬يشوّه طبيعة الثقافة تفتيتاً‮ ‬وتمزيقاً‮.‬ لذا‮ ‬يأتي‮ ‬الإلحاح على محورية الوعي‮ ‬بالتاريخ،‮ ‬لأن الإنسان في‮ ‬هذا العصر،‮ ‬والمحروم من تاريخه،‮ ‬صار طريدة سهلة لكل أشكال القهر،‮ ‬وأخذ‮ ‬يتخلى عن ثقافته ببطء‮.‬ وأمر لافت للانتباه أن مجتمعات ديمقراطية عريقة تجد من الضروري‮ ‬التوكيد على الثقافة بوصفها شرطاً‮ ‬من شروط التطور الديمقراطي،‮ ‬وبصفتها بديلاً‮ ‬عن ضغط الإرهاصات المختلفة،‮ ‬التي‮ ‬يتعرض لها الإنسان في‮ ‬عالم‮ ‬ينزع فيه كل شيء ليكون مادياً‮ ‬واستهلاكياً،‮ ‬لتبدو هذه الثقافة فهماً‮ ‬يستوجب مجهوداً‮ ‬إبداعياً‮ ‬وفكرياً‮ ‬يمكنه وحده أن‮ ‬يعيد للإنسانية رسالاتها النبيلة‮.‬ البشرية بحاجة إلى علماء كما هي‮ ‬بحاجة إلى رسامين وشعراء وموسيقيين،‮ ‬لذا‮ ‬يتعين النظر إلى الثقافة بوصفها قوة ضرورية للوقوف في‮ ‬وجه تنميط الإنسان وتجريده من عالمه الروحي،‮ ‬وإعادة شروط تطوره الحر إليه‮.‬ منذ نحو عقدين،‮ ‬حين بدا أن الأمر قد استتب لأحادية القطب في‮ ‬العلاقات الدولية،‮ ‬راجت الكتب والنظريات والفلسفات التي‮ ‬تروج لنهاية التاريخ بالانتصار المبين لليبرالية الغربية،‮ ‬التي‮ ‬قيل‮ ‬يومها إنها قد هزمت الأنظمة الشمولية‮.‬ ترافق ذلك مع سعي‮ ‬ممنهج للبرهان على لا جدوى الثقافة والمعرفة والوعي‮ ‬بالتاريخ،‮ ‬وجرى الإعلاء من القيم المادية والاستهلاكية،‮ ‬وتقديمها على أنها وسيلة العيش وغايته أيضا،‮ ‬وما سوى ذلك فليس سوى ترهات‮ ‬ينشغل بها المثقفون الذين لا مهنة لهم سوى التنظير‮.‬ وإذا كان رواج هذه النظريات في‮ ‬الغرب مفهوماً،‮ ‬حيث أنجزت الحداثة،‮ ‬ولم‮ ‬يعد الحديث‮ ‬يدور عما بعد الحداثة،‮ ‬وإنما أيضاً‮ ‬عن “ما بعد ما بعد الحداثة‮”‬،‮ ‬في‮ ‬ما‮ ‬يشبه رد الاعتبار لقيم جرى التنازل عنها،‮ ‬فإن التكرار الببغائي‮ ‬لهذه المقولات في‮ ‬عالمنا العربي‮ ‬يبدو أشبه بالأضحوكة،‮ ‬في‮ ‬أوطان مازالت نسبة الأمية تصل في‮ ‬بعضها إلى نسبة ثمانين في‮ ‬المائة،‮ ‬وما زالت أجزاء من أراضيها تحت الاحتلال،‮ ‬فيما الفكر العربي‮ ‬لا‮ ‬يتراجع عن أطروحات طه حسين مثلاً،‮ ‬وإنما عن مقولات محمد عبده وجمال الدين الأفغاني‮ ‬والكواكبي‮ ‬وسواهم من رواد الفكر النهضوي‮ ‬والتجديد الديني‮.‬
 
صحيفة الايام
23 مارس 2008

اقرأ المزيد

بعد رحيل زعيمة حزب الشعب

غمرت الشارع الباكستاني‮ ‬فرحة عارمة بانتصار أحزاب المعارضة ضد أحزاب الموالاة للرئيس مشرف،‮ ‬وبدت رقصات الشعب من جمهور حزب الشعب تعبيرا عن رد فعل قوي‮ ‬أصابها قبل شهرين من فقدان زعيمة الحزب التاريخية التي‮ ‬ورثت قيادته من ارث والدها،‮ ‬وعلى الرغم من مقولة إن أسوأ ما في‮ ‬الذاكرة أنها سريعة النسيان فقد كان الفرح بالانتصار برهانا على انه فوق الحزن؛ فورود الجنازة وجثمان بنازير بوتو وقبرها وسر الاختلاف حول اغتيالها‮ ‬يبقى موضوعا لم تحسم ألغازه نهائيا،‮ ‬ومع ذلك كان على الحزب أن‮ ‬يقرر فورا بعد رحيل الزعيمة مقاربة سيناريوهات سياسية عدة،‮ ‬وكعادة كل من‮ ‬يلعب في‮ ‬دهاليزها‮. ‬ماذا‮ ‬يفعل الحزب حول الانتخابات القريبة القادمة؟ وما فائدة الانسحاب للحزب من المعركة الانتخابية؟ هل‮ ‬يترك الساحة للآخرين الموالين لمشرف،‮ ‬وينسحب مفضلا المقاطعة أم‮ ‬يدخل المعترك استكمالا لمسيرة بوتو التي‮ ‬دخلت بقوة قبل موتها،‮ ‬حملتها الانتخابية فكانت الساحات وملاعب الكرة تكتظ بالجماهير الغفيرة القادمة من ضواحي‮ ‬المدن الرئيسية التي‮ ‬أقامت فيها احتفالاتها وتعبئتها الانتخابية،‮ ‬فكانت صوتا مدويا للمؤسسات الصامتة والمختنقة في‮ ‬باكستان المسلوبة من الداخل بالفساد والجريمة السياسية،‮ ‬ودسائس لا تحصى خلقت في‮ ‬البلاد شرخا عميقا بين الشعب ونسيجه الاجتماعي؛ فجاء صوت بنازير واضحا،‮ ‬وهي‮ ‬تومئ للجهات الحقيقية المسؤولة عن المسرحيات الخفية التي‮ ‬حيكت لسنوات؛ فزرعت مشاكل تعدت ظاهرة الإرهاب وجذوره الحقيقية،‮ ‬بل وعجزت كيف تتعامل مع المعضلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إزاء توزيع الثروة العادل بين أقاليمها المختلفة؛ فأسست على ضوء تلك السياسات مجتمعاً‮ ‬قائماً‮ ‬على خيارات العنف،‮ ‬وصراعات مستمرة بين الدولة المركزية المحمية بمؤسسة الجيش والأمن والأجهزة الفاسدة في‮ ‬مواجهة الشعب والمعارضة،‮ ‬وأخفقت سلطة القوة والقمع في‮ ‬بناء جسر من الحوار والتوافق بين القبائل والأطراف البعيدة والدولة البيروقراطية الفاسدة‮.‬ ‬كان واضحا من تصريحات وخطب وبرنامج بنازير السياسي‮ ‬حال تقلدها الحكم الشروع في‮ ‬المحاسبة والتطهير لتلك المراكز المتنفذة،‮ ‬غير أنها لم تستطع انجاز مشروعها،‮ ‬لكن هذه الروح الصدامية كانت حاضرة عبر تحفيز جمهورها وحزبها في‮ ‬استكمال المشروع عن طريق التأكيد على ديمقراطية النهج السياسي‮ ‬في‮ ‬باكستان،‮ ‬وإبعادها عن أتون العنف الداخلي‮ ‬بين كافة طوائف وأعراق الشعب الباكستاني‮. ‬وبتلك الإرادة السياسية المفعمة برغبة الانتصار ظلت أيقونة بنازير مضيئة وعنصر دفع قوي‮ ‬يلوح في‮ ‬الأفق،‮ ‬وتدفع بالناس معلنة عن ضرورة رحيل مشرف ومؤسساته عن السلطة دون الحاجة لإسالة مزيد من الدماء؛ فخيار باكستان هو الديمقراطية،‮ ‬واحترام سيادة القانون والدستور،‮ ‬ولهذا لم‮ ‬يفاجأ العالم الداخلي‮ ‬والخارجي‮ ‬بمدى عزلة مشرف خاصة في‮ ‬ظل وجود معارضة اكبر حزبين‮ ‬يقفان سدا منيعا أمامه؛ فجاءت حصة حزب الرابطة الإسلامية بقيادة نواز شريف في‮ ‬المرتبة الثانية من مقاعد البرلمان،‮ ‬واستولى الحزبان على ثلثي‮ ‬المقاعد التي‮ ‬تؤهلهما لاختيار الحكومة وتحديدها بما فيها صلاحية رئيس الجمهورية‮. ‬وبتلك الضربة القاصمة التي‮ ‬حققها الحليفان الجديدان؛ فان تشكيل ائتلاف قادم‮ ‬يجعل وضع مشرف عند حافة الهاوية السياسية حتى وان أعلن عن رغبته بأنه‮ ‬يود مواصلة رئاسته وقيادة البلاد من اجل محاربة الإرهاب،‮ ‬وتكريس الديمقراطية والحرية والتنمية وازدهار باكستان الاقتصادي‮ ‬في‮ ‬وقت تتعالى الأصوات من داخل المعارضة بضرورة التنحي‮.‬ ‮ ‬وكأول خطوة للائتلاف بين حزب الشعب والرابطة الإسلامية تم تحديد المهمات المباشرة وان بدت ملامح الرؤى والاختلافات المتباينة كالموقف في‮ ‬كيفية التعاطي‮ ‬مع برويز مشرف ومن تاريخه السياسي‮ “‬خاصة وان للطرفين زرداري‮ ‬وشريف ثارات شخصية؛ فقد سجن الأول ثماني‮ ‬سنوات بتهمة الفساد والثاني‮ ‬اطاحه من الحكم بالانقلاب وسجنه ثم نفاه‮”. ‬وحول مسألة محاسبته أم عزله نهائيا بصورة تدريجية ضمن اتفاق داخلي‮ ‬في‮ ‬وقت لا‮ ‬يرى فيه نواز شريف ضرورة بمنحه فترة زمنية بتحويل السلطات والأجهزة الأكثر أهمية كالأمن والجيش والقضايا النووية‮.‬ ‮ ‬ويراهن مشرف على فترة تشكيل الائتلاف داخل البرلمان واللعب بالوقت بانتظار المساومة أو خلق ثغرة في‮ ‬داخل الائتلاف وزعزعة تماسكه،‮ ‬وعقد صفقات ممكنة مع طرفي‮ ‬الائتلاف،‮ ‬وان كان أساس وحدة الائتلاف قناعتهما بضرورة رحيل مشرف من السلطة كمبدأ مشترك فيما تبقى آلية رحيله مرهونة بتوازنات سياسية وقضايا عديدة،‮ ‬وهي‮ ‬لب الحوار الداخلي‮ ‬بين الحزبين‮. ‬ولا‮ ‬يبدو صعبا قبول مشرف بإعادة كبير القضاة كمطلب ملح للائتلاف،‮ ‬ولا توجد هناك مصاعب في‮ ‬قدرة الحزبين بالتنسيق مع حزب عوامي‮ ‬القومي‮ ‬في‮ ‬إقليم السند،‮ ‬وتلبية بعض من مطالبه العادلة فهو مثل‮ ‬غيره من الأحزاب طفح به الكيل من حكم مشرف الاتوقراطي‮ ‬المرتدي‮ ‬شكليا عباءة الديمقراطية وديكورها‮. ‬حصانان آخران‮ ‬يصعب امتطاؤهما كقوة خارجة عن إرادة برويز مشرف نفسه،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن تليين ساعد هاتين القوتين الغليظتين من أجهزة الدولة بسهولة،‮ ‬وهما القوة العسكرية والأمنية اللتان تملكان خيار قرار مشرف في‮ ‬البقاء أو الرحيل والمساومة على رأسه مع الحزبين في‮ ‬هذه اللحظة التاريخية من الانعطاف لباكستان؛ فلتلك القوتان سلطتهما العليا اللتان تتحكمان في‮ ‬قرارات البلاد من خلف الكواليس،‮ ‬وتلعبان بورقة التسويات والتصفيات،‮ ‬وهو ما‮ ‬يجعل الطرفين المعارضة ومشرف‮ ‬يسعيان لمعرفة موقفهما الجديد بعد نتائج الانتخابات والى أين ستؤول باكستان القادمة لسلطات مدنية بالكامل ومجتمع مدني‮ ‬ديمقراطي‮ ‬بحريات واسعة،‮ ‬أم بدولة‮ ‬يحكم قبضتها الأمن والعسكر كلعبة متواصلة وحلقة لم‮ ‬يتم كسرها نهائيا،‮ ‬وهما طرفان لهما مصالح عميقة في‮ ‬عملية تقاسم السلطة ويلعبان بأوراق كثيرة في‮ ‬تاريخ باكستان الحديث‮. ‬ومن السابق لأوانه معرفة مدى تماسك التحالف الجديد داخل قبة البرلمان،‮ ‬حول قبول الطرفين بتوزيع الحقائب الوزارية،‮ ‬وان أعلن زرداري‮ ‬أن حزبه لا‮ ‬يتشبث بموقع رئيس الوزراء،‮ ‬وهو أهم وأعلى منصب في‮ ‬السلطة التنفيذية،‮ ‬ولكن‮ ‬يبدو أن حزب الشعب بذلك التنازل والتصريح العاجل‮ ‬يخطط لوزارتي‮ ‬الداخلية والدفاع اقتناعا منه بمدى أهمية تلك المؤسستين التاريخيتين في‮ ‬معرفة كل أسرار الدولة والملفات المدفونة؛ فمن خلال تلك الوزارتين‮ ‬يستطيع حزب الشعب البحث بملف اغتيال بوتو إذ أعلن و‮- ‬لا‮ ‬يزال‮- ‬دعوته وفدا من الأمم المتحدة التحقيق في‮ ‬تلك القضية‮.‬ ‬محنة مشرف الأخيرة ستكون فقدان حلفائه في‮ ‬الخارج،‮ ‬حينما‮ ‬يعلنون تأييدهم للوضع الجديد،‮ ‬والذين‮ ‬يتحركون وفق المصالح لا الصداقات‮. ‬
 
صحيفة الايام
23 مارس 2008

اقرأ المزيد

الاستجواب: إرادة حكومة أم إرادة نواب

المشهد السياسي في بلادنا هذه الأيام يزداد سخونة ونحن في فصل الربيع فهل تستمر درجات الحرارة في الارتفاع نظراً للاحتقانات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والاختلاف الواضح في مجلس النواب وتزايد سخط الناس على مجلس النواب والحكومة معاً.  تتحمل الحكومة مسؤولية ما يجري لأنها هي التي جاءت بمجلس للنواب طائفي في التركيبة، يراد منه أن يمرر ما تطلبه منه، وليس محاسبتها ومراقبة أداء وزراءها والتصدي لكبار المفسدين وسارقي المال العام، مجلس يبصم على كل شيء تريده، وتعطيه الفتات من أجل حفظ ماء الوجه أمام الناخبين.  حتى هذا المجلس الكسيح، تعمل الحكومة جاهدة من اجل شله عن محاسبة المسئولين عن الفتنة الطائفية في البلاد، ونحن هنا نشير إلى ” التقرير المثير ” الذي يعرفه القاصي والداني في البلاد، الذي كشف عن مخطط طائفي وعرقي يراد من خلال تطبيقه في البلاد، تفتيت وحدة الشعب وإشعال الفتن الطائفية.  والغريب في الأمر أن الشخصية التي تطالب كتلة ” الوفاق ” في مجلس النواب استجوابها، اعترفت في الصحافة المحلية بإصدارها الشيكات، وحورت الموضوع بأنه سرقة من قبل المستشار السابق في مجلس الوزراء أي ناشر التقرير. نتساءل إذا كانت تلك الشخصية وهي من أبناء الأسرة الحاكمة في البحرين بريئة فلماذا الإصرار على رفض الاستجواب، وهو حق للنواب، وفق اللائحة الداخلية لمجلس النواب، ووفق دستور 2002، وأكد على ذلك العديد من المستشارين  القانونيين في البحرين ، بمن فيهم المستشار القانوني لمجلس النواب عمرو بركات المستقيل والذي غادر البحرين إلى موطنه مصر على وجه السرعة. ولماذا ترفض الكتل وبدعم حكومي وضع الاستجواب على جدول أعمال مجلس النواب خلال الجلسات الماضية، مما خلق حالة من الفوضى والاحتقان داخل المجلس ؟ هل تريد السلطات الحاكمة في بلادنا إفشال التجربة التي جاءت بها من خلال مشروعها المعروف بالإصلاحي وتم دعمه من القوى السياسية المعارضة في بداية فبراير 2001؟  ألا يكفي إنهم أصدروا دستوراً لا يمثل الإرادة الشعبية، ينتقص من الصلاحيات التشريعية لمجلس النواب، ويعيق عمل النواب في التشريع والرقابة!.  وبدلاً من تطوير التجربة الديمقراطية الوليدة في بلادنا والدفع بها للأمام بسن قوانين حضارية وعصرية تحترم إرادة الإنسان في هذا الوطن، وتصون حقوقه من الانتهاكات والاعتداءات وتحفظ كرامته وآدميته، تبرز مظاهر غريبة في مجلس النواب وهي التفنن وبشكل مخالف للقواعد في تعطيل الاستجوابات، الورقة الوحيدة التي تحافظ على ماء وجه هذا المجلس فأين أنتم من دولة القانون والمؤسسات عندما تنتهك القوانين واللوائح يا نواب الشعب ؟ وهل دواعي الوقوف إلى جانب الحكومة مكافأة لها على تقسيم الدوائر الانتخابية بشكل طائفي وهي التي أوصلت العديد منكم من خلال المراكز العامة، وهي التي تماطل في إيجاد حلول جذرية للملفات العالقة في بلادنا، البطالة والإسكان والصحة والتعليم ووقف مظاهر تفشي الغلاء في الأسعار بصورة لا مثيل لها، وهي تنذر بازدياد طبقة الفقراء والمحتاجين في بلادنا، وتمعن السلطة الحاكمة في تحدي إرادة الناس بالاستمرار في التجنيس، والتي بحت أصوات الشرفاء في وطننا  وهي تطالب بأن توقف هذا الفعل الذي لا تقوم به أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي، وهي التي تمتلك ثروات وموارد مالية كبيرة وأراضي شاسعة . نعود إلى من يعرفون بنواب الموالاة الذين لا نعرف هل يمثلون ناخبيهم الذين أوصلوهم إلى قبة البرلمان، أم يمثلون أنفسهم وجماعتهم، فنراهم يتسابقون من أجل الظفر بغنائم من السلطة .  لذا لا يستغرب المرء من هؤلاء وهم الذين يطالبون السلطة بحل البرلمان كمخرج لأزمة الاستجواب، والبعض ذهب بعيداً بتأييده ما قامت به مؤسسة الحكم في بلادنا بحلها المجلس الوطني في عام 1975، والأكثر من هذا يعاتب أعضاء المجلس الوطني لرفضهم قانون أمن الدولة السيئ الصيت.  والبعض الآخر من أعضاء مجلس النواب شغله الشاغل إثارة النعرات الطائفية والمذهبية في المجتمع وتنشر له بعض الصحف المحلية بدلاً من رفض تلك الدعوات السيئة لصب الزيت على النار، فهؤلاء الطارئون في الحياة السياسية يتحكمون في إرادة الناس ويفرضوا عليهم أجندتهم الطائفية البغيضة، والحكومة تصفق لهؤلاء الطائفيين وتغدق عليهم الأموال والعطايا.

خاص بالتقدمي

اقرأ المزيد

الصحافـــة

تضييق الخناق على الصحافة وجرجرة الكتّاب والصحفيين إلى المحاكم لعبة سياسية تشكل تهديداً خطيراً ليس فقط لحرية الرأي والتعبير وإنما للإصلاحات التي ما تزال في أول الطريق. في البحرين رغم كل العقبات حققنا تقدماً ملحوظاً على صعيد الصحافة المحلية ولا يمكن ان تقارن دور الصحافة بين الأمس واليوم ولكن وفي الوقت الذي ندافع فيه عن حرية الصحافة فإن إستراتيجية تلك اللعبة الحزبية الضيقة التي تتبناها القوى الإسلامية المتشددة ماضية في حصار وتهديد حرية الكلمة ومن الأدلة البالغة على هذا الموقف الدعاوى المرفوعة في المحاكم ضد الكتّاب والصحفيين ومن بينها رئيس تحرير “الأيام” الأستاذ عيسى الشايجي والصحافي المرموق الأستاذ سعيد الحمد الذي يتميز بتدفق قلمه وبشجاعته في الدفاع عن الحريات. والمشكلة أن من يقود الحملات المعادية لحرية الرأي والتعبير هم من النواب وهذا ليس اتهاماً وإنما حقائق يشهدها المجتمع البحريني والأمثلة على ذلك كثيرة!! لا نريد أن نذهب بعيداً ونسرد كل تفاصيل المنع ومصادرة الرأي الآخر ولكن دعونا أن نتأمل ذلك الخبر الذي نشرته إحدى الصحف المحلية ومفاده: إن نائب رئيس مجلس المحرق البلدي ورئيس المكتب الإعلامي بالمجلس اصدر أوامر مشددة لأمناء السر ومقرري اجتماعات المجلس ولجانه وجميع الموظفين من مهندسين وباحثات اجتماعيات بعدم الإدلاء بتصريحات للصحافة المحلية بحجة انه لا يحق لهم ذلك دون أوامر وتعليمات واضحة منه، ويقول الخبر أيضا: انه قام مؤخراً بتوبيخ إحدى الباحثات الاجتماعيات لأنها تحدثت للصحافة حول مشروع البيوت الآيلة للسقوط الذي هو من صميم اختصاصها. بالله عليكم اليوم ونحن نعيش هذا الانفتاح وهذه الحرية النسبية ماذا نفسر هذا التصرف غير المسئول؟؟ أليس هذا التصرف ينم عن عقلية إلى الآن بعد كل هذه التحولات لا تؤمن بأهمية تسهيل المعلومات للصحافة التي تتحمل مسؤولية مجتمعية كبرى تجاه مصالح الوطن والمواطن؟؟ وعلى هذا المنوال ليس خافياً على أحد أن هذا التوجه المتعارض مع الشفافية أصبح ومن المؤسف جداً توجهاً لدى بعض المسؤولين في أجهزة الدولة ولا ندري لماذا كل هذا الخوف من الصحافة؟؟ هل لأنهم يخافون ويخشون السلطة الرابعة لأمور ربما لا علاقة بتجاوزات مالية وإدارية لم تعد في وضعنا الإصلاحي السكوت عليها أم ماذا؟؟ ومع إننا نؤمن ونتضامن مع الرأي القائل: إن الصحف المحلية لا يمكن أن نضعها في سلة واحدة لان هناك من يبالغ ويهول في التعاطي مع الأحداث المحلية والخارجية وهناك أيضا من يدعم الإرهاب ويبرر تطرفه ويساهم في تأجيج الطائفية ولكن وفي الوقت نفسه لا ينبغي لأية جهة كانت أن تفرض الحظر على الصحافة.  وان تتعامل مع الكتّاب والصحفيين برغبات متشددة تدعو إلى تحاشي النقد البناء والمكاشفة والمصارحة طالما هي تصب في الصالح العام، وبالتالي فهل من المعقول أن نعالج قصورنا وسلبياتنا وأزماتنا التي تواجهها العملية الإصلاحية التي نأمل أن تتطور وتزدهر في ظل كل هذه الرقابة المسيّسة التي ينتهجها أولئك النواب الذين يصرون على حبس الصحافي من منطلقات سياسية وحزبية؟! ولذلك فالقضية في واقع الأمر ليست مقتصرة فقط في تحديث تشريعاتنا وتفعيلها وإنما أيضا في تلك العقليات القديمة التي كانت ولا تزال تناهض الصحافة، وما حبس الصحافي والتصدي لانتقال المعلومات في يسر وشفافية وعرقلة إصدار قانون عصري للصحافة الأخير برهان على تلك الممارسات التي تتجاهل الصحافة.
 
صحيفة الأيام
22 مارس 2008

اقرأ المزيد

دروس حل البرلمان الكويتي

كما هو متوقع لجأ أمير الكويت إلى خيار حل البرلمان حلا دستوريا للخروج من الأزمة البرلمانية والمتمثلة في استمرار المجابهات الحادة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية داخل مجلس الأمة وتعذر إيجاد أدنى أرضية ممكنة من التفاهم والتقارب المشترك بين الطرفين مما حدا بالوزراء إلى تقديم استقالة جماعية احتجاجية إلى رئيس الحكومة. والسؤال الذي بات مطروحا: هل يفضي هذا الخيار، أي حل البرلمان، إلى تفادي أزمات برلمانية مقبلة متوقعة مع مجيء البرلمان القادم المنتخب؟ وهل يفضي هذا الحل أيضا إلى حل الأزمة السياسية والديمقراطية برمتها على الساحة السياسية الكويتية عموما؟ مما لا شك فيه بداية ليس ثمة مخاوف من تعطيل السلطة التشريعية في البلاد على نحو يذكرنا بفترتي الحل الطويلتين في السبعينيات والتسعينيات واللتين تأثرت بهما الحياة السياسية والديمقراطية تأثيرا سلبيا، حيث نجم عنهما تغييب الحريات العامة وتضييق هامش حرية التعبير والحرية الصحفية وقيود واسعة على مجمل أشكال وأطر ومجالات الحقوق الديمقراطية والسياسية، ذلك بأن الحل الأخير، كما ذكرنا، هو حل دستوري ينص على الدعوة الى انتخابات جديدة بعد شهرين (مايو القادم). بيد ان ثمة شكوكا قوية أن يفضي هذا الحل الى حل للأزمة السياسية والديمقراطية الكويتية العامة الكبرى، فمع ان الديمقراطية الكويتية هي من أفضل الديمقراطيات العربية الى حد ما، والبرلمان الكويتي هو واحد من أقوى البرلمانات العربية، كسلطة تشريعية مستقلة وندة للسلطة التنفيذية، إلا أن دوامة أزمات حل البرلمان وكثرة تشكيل الوزارات المتعاقبة تكشف جانبا مهما من الثغرات الخطيرة التي تعتور النظام الديمقراطي الكويتي، والمتمثلة في المعوقات الكابحة لانطلاقته ونموه لتتناغم مع التطورات الديمقراطية التي يشهدها العصر، فلم يعد سرا ان هذا الشكل من النظام الديمقراطي المستمر منذ استقلال الكويت قبل 46 عاما أضحى غير ملائم لتطور الحياة السياسية الكويتية نفسها، ولعل أفضل شهادتين تحليليتين تؤكدان ما نذهب اليه نجدهما فيما ذكره كاتب سياسي يساري كويتي هو أحمد الديين وكاتب سياسي سعودي ليبرالي يميني مقرب الى الدوائر الرسمية العليا السعودية هو عبدالرحمن الراشد. فعلى الرغم من تباعد فكر واتجاه كلا الكاتبين فإنهما التقيا موضوعيا كلا على نحو مستقل وعلى طريقة توارد الخواطر في تحليل أبعاد الأزمة الديمقراطية الكويتية الراهنة. فكلاهما يذهبان الى ان غياب تشكيل الاحزاب وعدم وجود آلية لتداول السلطة (الحكومة)، كحكومة منتخبة تمثل الاغلبية المنتخبة يسهل طرح الثقة فيها أو في أحد وزرائها.. كل ذلك يفضي الى الأزمتين السياسية والديمقراطية معا. وفي هذا الصدد يقول الراشد: “في الكويت الانتخاب مسموح لكن الأحزاب ممنوعة، ومسموح للبرلماني ان يستجوب أي وزير، لكن الوزير لا يعطى فترة كافية لتنفيذ سياسات حكومته”، ويضيف: “يفترض في الحكومة أما أن تعكس نتيجة الانتخابات البرلمانية فتمثل الأغلبية الفائزة، وإما تمثل النظام السياسي كما في الأردن أو المغرب، أي ان تكون صناعة الباب العالي بصلاحيات واضحة وفترة محددة. لهذا ستستمر الكويت رهينة حالة الباب الدوار، يدخل ويخرج منه الوزراء وتشكل حكومات ويحل البرلمان من دون أي تغيير عملي على الأرض، وهذا يلغي الهدف الأساسي لكل العملية السياسية أي التطور والإصلاح وتلبية توقعات الناخب الكويتي”.. (عبدالرحمن الراشد الشرق الأوسط 19/3/2008). واذا كان هذا كلام الراشد عشية يوم الحل فهو تقريبا هو نفس مضمون كلام الديين الى اذاعة الـ “بي. بي. سي” مساء يوم الحل مع اختلاف بعض التفاصيل والإضافات. والحال اننا أمام افرازين متناقضين ناجمين عما يمكن تسميته، اذا جاز القول، بالنظم الديمقراطية العربية المفصلة، في النمط الأول نجد حكومات يدوم أغلب وزرائها فترات طويلة ولا يغيرون الا بألف حساب وتفكير وتبعا لموازين دقيقة في صراع مصالح وقوى داخل السلطة نفسها في مقابل حكومات عربية تعمد للخروج من أزمات أطرها الديمقراطية الدستورية المفصلة على مقاسها الى تعديلات أو تشكيلات متعاقبة في الوزارة. مهما يكن فثمة دروس مهمة يمكن استخلاصها كويتيا وخليجيا وعربيا من الازمة البرلمانية الكويتية الاخيرة. أولا: ان القيادة الجديدة للكويت المتمثلة في أميرها الشيخ صباح الأحمد مازالت تعكس درجة من النضج والحنكة في التعامل مع الازمة القائمة بلجوئه الى الحل الدستوري والدعوة الى الانتخابات في أجل قريب، بدلا من اللجوء الى الحل البرلماني التعسفي الطويل أو الى تعديل الصيغة الدستورية الديمقراطية المتعارف عليها منذ عام 1963 بتنزيل سقفها كما تلجأ دول عربية عديدة. ثانيا: ان رئيس البرلمان المحلول جاسم الخرافي أثبت تمتعه بقدر معقول من الحيادية والاستقلالية في الازمة والصراع الذي نشب بين السلطتين التشريعية والتنفيذية داخل البرلمان، وبخاصة من خلال ابعاد نفسه قدر المستطاع عن التجاذبات الطائفية والقبلية. وكان ان رفض نزع الجنسية أو رفع الحصانة عن النائبين عدنان عبدالصمد واحمد لاري على خلفية أزمة تأبين عماد مغنية (القائد العسكري بحزب الله)، وهو لم يتوان عن تحميل السلطة جزءا من المسئولية في الازمة البرلمانية.  ثالثا: اذا كانت كل من الحكومة والصيغة الدستورية المتقادمة تتحملان مسئولية أساسية لنشوء الازمة الاخيرة، فان سوء الأداء البرلماني وغياب النضج الوطني النيابي الكافي، بسبب التركيبة التي تغلب على البرلمان المحلول، كل ذلك له نصيب مهم في الازمة أيضا. ويبقى القول انه آن الأوان للأنظمة السياسية الخليجية والعربية ذات الديمقراطيات “المفصلة” ان تقتنع بالحاجة الملحة الى تطوير هذه “الديمقراطيات” الصورية المتقادمة لا ابقائها على حالها أو اضافة المزيد من القيود عليها، هذا اذا ما أرادت حقا الخروج من أزماتها السياسية الراهنة المزمنة، ناهيك عن أزمة تآكل شرعياتها السياسية الناجمة عن تلك الأزمات ذاتها. 

صحيفة أخبار الخليج 
 22 مارس 2008
 

اقرأ المزيد

دور المرأة البحرينية في انتفاضة مارس 1965

كان للنساء بشكل عام دور لافت في انتفاضة مارس 65. لكنه لم يكن دور متخذ القرار إلا في حالات نادرة. قالت لي إحدى المشاركات:” كنا متذمرات على الأوضاع التي يعانيها عمال البحرين وكنا ضد تسريحهم من عملهم، كما كنا ضد الانجليز ولا نريد بقاء الاستعمار”. ونعرض فيما يلي بعضا من الأدوار التي قامت بها المرأة البحرينية في الانتفاضة.                                                                  
 - كان تفاعل الشابات والطالبات مع الأحداث واضحا منذ أن تجاوبت طالبات المدرسة الثانوية مع تحرك العمال والطلاب يوم 11 مارس ومحاولتهن الخروج من المدرسة لولا إحكام إدارة المدرسة إغلاق أبوابها. 
– في المظاهرات شاركت النساء والشابات والطالبات فكن يتخذن جانبا من المظاهرة أو المسيرة ولعبن دورا بارزا في تحريك المظاهرات اليومية. 
– كان بعضهن يشارك في إلقاء الهتافات أو إلقاء الكلمات في جمهور المظاهرة. – إحدى الشابات سُمح لها مرة بدخول مسجد الشيخ حمد بالمحرق وإلقاء كلمة من المنبر داخل المسجد.  
– أما نساء البيوت فكن يتجمعن عند الأبواب حين مرور المظاهرة كنوع من الدعم للمتظاهرين. وكن على أتم الاستعداد لإخفاء من يحتمي ببيوتهن من المتظاهرين حالما تنقض الشرطة على المظاهرة ولإسعاف الجرحى أو المصابين من القنابل المسيلة للدموع. كن يعددن في البيوت قطع الخيش وحبات البصل لعمليات الإسعاف.                         
– على مستوى حركة القوميين العرب كانت الشابات يحضرن اجتماعات مع شباب من كوادر الحركة. في تلك الاجتماعات تناقش الأوضاع السياسية ودورالمرأة في الأحداث وتوزع عليهن مختلف المهمات أثناء الانتفاضة. 
– قام بعض كوادر حركة القوميين العرب بتدريب مجموعات من الشابات على صنع قنابل المولوتوف وطرق استخدامها. وكيفية إعداد قطع الخشب المثبت عليها مسامير لتعطيل عجلات دوريات الشرطة. 
– قامت الشابات بنقل الرسائل والثياب وتوصيل المعلومات ما بين مناطق البحرين المختلفة وقمن بنقل الشباب من منطقة لأخرى.   
– نقلت الشابات حتى الأسلحة كالمسدسات الصغيرة. وهن من أوصل الفتيل للشباب الذين فجروا باصات شركة نفط البحرين. 
– حينما أحكمت الرقابة على جسر الشيخ حمد كانت الشابات ينقلن الشباب ما بين المنامة والمحرق، فقد كانت الشرطة تسمح بعبور السيارات التي بها نساء وأطفال حتى وان كان بها ذكور. وهكذا يتم توصيل الناشطين من الشباب إلى الأماكن التي يقصدونها بين المدينتين. 
– نقلت الشابات المنشورات وقمن بتوزيعها.
– استخدمت الشابات سيارات الأجرة لأول مرة لأداء المهمات.
كن يتسلمن من الشباب مظاريف تحتوي على نقود ليوزعنها على بعض العائلات المتضررة من الأحداث.
 
خاص بالتقدمي

اقرأ المزيد

هل «إسرائيل» دولة أم عصابة مافيا؟

مما لا يخطئه المراقب ذو البصيرة، بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي واقعاً، والعربي الإسرائيلي شكلاً… هذا المراقب لا يخطئ التقدير السليم أن مبادرة السلام العربية مع “إسرائيل”، لم تأتِ من عزة نفس، أو كرامة وإباء، ولا من منطلق قوة ترهب الحكومات العربية بها “إسرائيل”، ولكنها جاءت نتيجة انهيارات عربية رسمية مخزية فاضحة، ليست أخزى ولا أفضح منها: “إننا لن نحارب (إسرائيل) من أجل لبنان”، وقد يكون الحياء قد غلب فحال دون تكملة العبارة “إننا سنحارب لبنان من أجل (إسرائيل)”! على أن ظاهرة هذه الانهيارات التي رزئت بها الأنظمة العربية هي النتيجة الحتمية للإرهاق الذي سلطته أميركا على هذه الأنظمة، باستخدامها حق النقض ضد أي قرار يدين ممارسات “إسرائيل”، حتى صارت “إسرائيل” دولة مطلقة، أقرب ما تتصف به، صفات العصابات الدولية، والمافيا، الذين يمارسون سلوكياتهم وتصرفاتهم خارج إطار القوانين الدولية، ولكن هذه التجمعات البشرية لا يمكن أن يطلق عليهم اسم دول لها حقوق الدول التي تضمنها الهيئات والقرارات الدولية، وتفرض عليهم القرارات التي يجب عليهم الالتزام بها وتنفيذها. ولما أن “إسرائيل” في ظل الحكومات الأميركية اليمينية المتطرفة وآخرها حكومة بوش الابن دمية اليمين الحاكم في أميركا قد أعفوا “إسرائيل” من الالتزام بالقرارات الدولية، ما يجردها من صفة الدولة، كما نرى هذا الأمر واضحاً وضوحاً مطلقاً فيما يأتي: “في أثناء حرب 1967، فرضت “إسرائيل” (بعون أميركي) سيطرتها العسكرية إضافة إلى مرتفعات الجولان (التي استقرت فيها بهدوء تام منذ احتلالها وحتى يومنا والغد غير المنظور) على صحراء سيناء وعلى المناطق الواقعة غربي نهر الأردن – الضفة الغربية – وعلى قطاع غزة – (الذي تعربد فيه “إسرائيل” وتسفك على أرضه دماء المناضلين الفلسطينيين تحت حماية صديقة حكام العالم العربي (أميركا) في ظل حكم اليمني المسيحي عدو الإنسانية. وكذلك على شرق القدس العربية، استناداً إلى القانون الدولي فإن احتلال ومصادرة الأرض عسكرياً هو عمل غير شرعي. غير أن اليمين الديني يقول إن القانون الدولي يطبق على كل أمم العالم باستثناء “إسرائيل”. ويدعو جيري فولويل زعماء “إسرائيل” إلى عدم الخضوع للقانون الدولي”. (راجع كتاب يد الله ص 86 و87). إن المدقق فيما احتواه المقتبس أعلاه يستطيع أن يستخرج منه الكثير من الدلائل والمؤشرات التي تنزع عن «إسرائيل» كونها دولة سوية وأنها نشأت نشوءاً طبيعياً وترعرعت في مسيرة التاريخ وما ينبلج عنه من طور الفكر الإنساني في ظل اندماجات مجتمعية وبناء الحضارات الإنسانية… فـ «إسرائيل» بتأثير اليمين الديني واستثنائها من تطبيق القانون الدولي عليها وعدم خضوعها لهذا القانون الدولي تصبح دولة نكرة، لأن الذي لا يخضع للقانون هم فئات عصابات المافيا وتجار المخدرات واللصوص ومختلف المجرمين الذين يلاحقهم القانون والبوليس الدولي (الإنتربول). ولعل ما يثير السخط والاشمئزاز والنفور من «إسرائيل» كدولة هي تلك المواقف المتناقضة لليمين المسيحي الأميركي المتطرف، بمعنى تركن إليه النفوس، وتصدقه، مثلما جاء حول من هو «عدو المسيح» في الفصل الرابع، منه، أنه: في مؤتمر للقساوسة عقد في 15 يناير/ كانون الثاني 1999 في كينغزبورت – تنيسي… قال فولويل: إن عدو المسيح – الذي صور لنا قبل ألفي عام على أنه متوج الشر – يمكن أن يكون يهودياً يعيش بيننا اليوم، (من عجب أن عدو المسيح الذي صور قبل ألفي عام على أنه متوج بالشر…. يكون يهودياً يعيش بيننا اليوم). إن أهم ما يمكن استخلاصه من أمر غاية في الأهمية ومغرق في الخطورة، كون أن عدو المسيح يهودي يعيش بيننا اليوم منذ ألفي عام، ليست إلا حالة من حالات الظواهر الاجتماعية التي تخضع لقانون التوارث المستمر بفعل الانتقال من أب إلى ابن، ومن ابن إلى حفيد، وهي حالة لا يمكن أن تشهدها المجتمعات البشرية واضحة ومسطرة إلا في دساتير الحكومات المتوارثة، ونحن لا نستبعد أن تكون الحالة الاستيراثية هي التي هيأت لليهودي عدو المسيح الاستمرار في الديمومة منذ ألفي عام وحتى اليوم. على أن التدقيق البحثي، والاستخلاصات الأقرب إلى الواقع من مجمل ما سلف، إضافة لما هو آتٍ، ليست إلا خزعبلات وصورة من طنطنات بعوضٍ شوقها وساندها الظلام؟!… والمستنقعات النتنة المؤذية للنفس، والضمير. هذه حالة من الحالات التي يعيشها اليمين المسيحي الظلامي الرجعي، ويتعامل على أساسها بعقلية ظلامية مع اليهود الذين أسماهم جهلاً وحماقة بشعب «إسرائيل». ومع استمرارنا في البحث وتقصي أحداث التاريخ، فإن النتيجة لن تعود على الشعوب العربية إلا بالخبل والنكد بسبب كراسي أميركا الدائمين على رأس أهم الأنظمة العربية القادرة على التأثير إيجابياً على مجمل الأحداث التي تثيرها عصابات المافيا اليهودية على الساحة العربية. ونحن نقول عصابات المافيا اليهودية، لأن ما لقي «إسرائيل» من اليمين المسيحي الثرثار، صانع «إسرائيل» وحاميها وممدها بالحياة والاستمرارية حتى الآن، وحده الذي نزع عنها صفة الدولة، كما سلف تأكيد ذلك، من خلال إبعادها عن أن «يطبق عليها القانون الدولي». وإمعاناً من اليمين المسيحي في تجريد «إسرائيل» من صفة الدولة، فقد حرضها على عدم الخضوع للقانون الدولي، لكي يحشرها في الإطار الذي خلقها من أجله، وقد أوضحنا هذه الحقيقة في ما سلف في سياق هذا المقال. ويمكن لـ «إسرائيل» أن تظل خفاشاً منبوذاً في أوساط الطيور والحيوانات, لولا السقطة الساداتية التي لم تقتصر على فصم العمود الفقري في التكاتف والتوحد العربي ضد عصابات اليهود وتجميعهم كنقطة ارتكاز قوية في فلسطين، وطن العرب الفلسطينيين المسلمين، بل هزت مواقف الكثير من دول العالم المؤيدة للقضية الفلسطينية، فراحوا يعترفون بـ «إسرائيل» كدولة، بعدما كانوا ينظرون إليها كعصابات مافيا ومجرمين، (الله يجازي اللي كان السبب)، الذي عيّنه نائب رئيس، فيما الحقيقة أنه لاجئ سياسي في السفارة السينمائية… ولنا لقاء.

صحيفة الوسط
21 مارس 2008

اقرأ المزيد

تحية إلى المناضلة حليمة فريتخ في عيد الأم

يوما الثامن والحادي والعشرين من شهر مارس هما (يوم المرأة العالمي ويوم عيد الأم)، اللذان تحتفل بهما الامم المتطورة والشعوب المناضلة، بقدر ما تحتفي بهما مؤسسات المجتمعات المدنية والجمعيات والاتحادات النسائية في كل مكان، ومنظمات حقوق الانسان، والمنابر الدولية وفي مقدمتها هيئة الامم المتحدة. وبحسب ما يمثله هذان اليومان العظيمان، مبدأ أمميا لأول حركة وطنية للمرأة، تمثلت تداعياتها في اضراب عاملات النسيج بنيويورك في 8 مارس عام 1875م، بقيادة المناضلتين (اليزابيث ستانتون ولوكريشياموت)، إذ عبرت حقائق ذاك الاضراب المقدس، عن أولى انطلاقة مطالبات المرأة بحقوقها السياسية والاقتصادية والمدنية. وفعلا فان هذه المرأة (الأم والعاملة والمناضلة والمثقفة) أكدت نضالاتها ضد القهر السياسي والظلم الاجتماعي، وضد الافكار الرجولية والذكورية المهيمنة على المرأة، وفي مواجهة الافكار الدينية المتجسدة في أجندة خطاب تيار الاسلام السياسي الذي طالب دائما ويطالب المرأة بالعودة الى المنزل، محاولا فرض وصاياه الاسلامية على المرأة والمجتمع بحواجز من التخلف والتغييب والدونية والتهميش.. مثلما ناضلت هذه المرأة، وخاصة العربية، ضد الانظمة الرسمية الابوية، والقائمة على السلطة الاستبدادية البطريركية في تسلسلها الهرمي ابتداء من البيئة الاسرية والتربوية مرورا بالبيئة المجتمعية والاعلامية، وتواصلا بالبيئة الانتاجية، التي يظل فيها (الاضطهاد الذكوري للمرأة) هو الآخر مضطهدا أصلا من النظام الرسمي.. وعلى بالرغم من ذلك فان هذه المرأة قد انتزعت العديد من حقوقها الاسرية والمجتمعية والتربوية والاقتصادية، وخاصة منها السياسية.. بل حققت شيئا من أهدافها النبيلة، خلال نضالاتها من أجل الحرية والديمقراطية والتحرير والاستقلال الوطني. ولعل بمناسبة (يوم المرأة العالمي) في الثامن من مارس، ومناسبة (عيد الأم) في الحادي والعشرين من الشهر ذاته.. فان تضحيات هذه المرأة ونتاجات ابداعاتها ونضالاتها تظل مضيئة في وجدان الشعوب، بقدر ما هي ماثلة في ضمير التاريخ.. ومن هذا المنطلق، فاننا سنتناول المواقف البطولية والتضحيات الوطنية لإحدى المناضلات الفلسطينيات داخل الارض المحتلة (فلسطين الجريح).. وهي المناضلة (حليمة فريتخ)، التي أجرت معها قناة “الجزيرة” القطرية لقاء، عبر البرنامج الرائع (زيارة خاصة)، وبحسب ما جاء خلال حوار اللقاء الذي تم مؤخرا ما بين مقدم البرنامج والمناضلة الفلسطينية (حليمة فريتخ).. انها اعتقلت على أيادي المافيا الصهيونية في بداية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وكانت ذات الستة عشر ربيعا، على اثر عمليتها الوطنية “الجريئة” التي نفذتها، حينما ألقت بقنبلة مولوتوف على ثلة من الضباط الصهاينة.. وبحسب ما تروي المناضلة لمقدم برنامج (زيارة خاصة) “انها نفذت عمليتها بعد ان حدث على مرأى من عينيها وبملء مسامعها، ووطأة معاناتها، وأوزار أوجاعها، ان أفراد أسرتها بين قضبان سجون العدو يعذبون، وبين أروقة الزنازين وأقبية غرف التعذيب يستشهدون”.. حتى لحقت هي الاخرى (حليمة فريتخ) بأشقائها في أوساط تلك السجون المظلمة، وحكم عليها بالسجن مدة ستة أعوام.. بعد اخضاعها لأبشع التعذيب بجميع صوره الجسدية والنفسية والمعنوية. وبحسب ما تروي (حليمة فريتخ) عن معاناتها أثناء التعذيب قائلة: “ان الجلادين الصهاينة علقوها بعمود للكهرباء وانهالوا عليها بالضرب المبرح على مختلف أنحاء جسدها، وبالأخص منطقة الرأس، حتى فقدت وعيها.. ثم نقلوها الى غرفة التحقيق لمواصلة عملية التعذيب ورحلة العذاب والمكابدة”. ورغم ذلك كله كانت تواجه سجانيها وتجادل معذبيها، عندما اتهموها بالانتماء إلى تنظيمات الثورة الفلسطينية.. كانت أجوبتها في كل وقت “لم تنضم إلى تنظيم.. ولم تنتم الى أي تنظيم.. وان العملية الوطنية التي قامت بها، جاءت بمحض ارادتها وقناعاتها الذاتية.. جاءت رد فعل للاحتلال والاستيطان الصهيونيين. وعلى اعتقال أشقائها (خضر ومحمود وسليمان)، الذين هم جميعهم رزحوا تحت التعذيب بسجون العدو الصهيوني، حتى الاعاقة.. وحتى الاستشهاد.. شقيقها (خضر)، الذي ترسخت صورته في عقلها وعيونها – بحسب ما تروي المناضلة (حليمة فريتخ).. وشقيقها (محمود)، الذي استشهد في سجن الرملة.. ولكن ما قبل استشهاده، حاربوا أخته (حليمة فريتخ) بحرب نفسية شعواء”، وبحسب ما أوردته حليمة فريتخ خلال استضافتها في برنامج (زيارة خاصة) لقناة الجزيرة “ان ضابطة صهيونية جاءت لتخبرها ان أخاها محمود في سجن الرملة مريض وسيموت”.. وحينما نقلوها هناك لمقابلة أخيها (محمود)، الذي لم تشاهده منذ خمسة أعوام.. وبمجرد ان شاهدته وهو مقعد على كرسي متحرك.. أصيبت بالصدمة معلقة بحزن عميق.. لقد هالها تدهور صحته وسوء حالته.. ذاك الشاب النضر الوسيم بحسب ما وصفته أخته، لم تعرفه بسبب المرض الخبيث.. مرض السرطان الذي ألم بقدمه ليمتد فيشمل كامل الجسد” بحسب ما جاء على لسان مقدم البرنامج.. وبعد ذلك استشهد شقيقها المناضل (محمود) في 14 ابريل عام 1985م.. لكن ظلت كلماته الاخيرة، بحسب ما ذكرت اخته (حليمة) من خلال اللقاء الاخير يخاطبها قائلا “ديري بالك على صحتك” ماثلة في عقلها ووجدانها برسوخ.. مثلما واجهت ويلات سجون العدو الصهيوني بتجلي ارادتها وتوطيد عزيمتها.. وخاصة انها رزحت معظم فترة سجنها في الزنازين الانفرادية المرعبة. كانت المناضلة (حليمة فريتخ) تغالب آلامها وأمراضها ومعاناتها وأوجاعها، بإرادة المناضلين الصامدين، “وخاصة ان والديها قد ماتا حزنا وهمّا على استشهاد ابنيهما (محمود وخضر) في أقبية سجون العدو الصهيوني.. وسجن ابنتهما (حليمة) بين زنازينه المرعبة” بحسب ما يروي مقدم برنامج (زيارة خاصة) بشكل مؤثر.. ولكن المناضلة (حليمة فريتخ) حينما أنهت فترة سجنها في شهر مايو عام 1986م “ظلت شامخة الرأس والجبين، وحينما رفضت طلب الرحمة أمام قضاة المحكمة الجلادين” بحسب ما ذكره مقدم البرنامج.. وبحسب ما جاء على لسان المناضلة حليمة “لم أندم على ما فعلت”. ومثلما رزحت هذه المناضلة تحت وطأة ويلات السجن، فان مقدم برنامج زيارة خاصة قال متفاخرا بالمناضلة “انها أخذت تغالب أمراضها ومازالت الى الآن، جراء التعذيب في سجون العدو.. وهي غير قادرة على العلاج بسبب ضيق الحال”.. وعلى الرغم من ذلك كله فانها واصلت نضالاتها المقدسة خلال الانتفاضة الفلسطينية عام 1986م “وفضلت خيار البقاء والاقامة الجبرية من أجل الارض والوطن والحفاظ على الهوية على خيار السفر والحياة الزوجية أو اللحاق بالزوج الذي نجح في الهرب من ملاحقات العدو الصهيوني” بحسب ما جاء على لسان مقدم برنامج زيارة خاصة.. فتحية إكبار لهذه المرأة.. لهذه الانسانة.. لهذا المناضلة والسجينة (حليمة فريتخ) في يوم المرأة العالمي.. وفي عيد الأم.. وتحية إجلال للبطلة (حليمة فريتخ) التي افتقدت أخويها الشهيدين (محمود وخضر) داخل سجون العدو.. ووالديها خارج السجن.. وغياب شقيقها (سليمان)، الذي كان مسجونا من أجل القضية وخرج.. ليعود داخل السجن بحكم المؤبد.. وعلى الرغم من معاناة هذه المناضلة الفلسطينية (حليمة فريتخ) المؤرقة والمؤلمة والموجعة.. فإن طريقها النضالي لا يعرف اليأس، بقدر ما ظلت مرفوعة الرأس بشموخ حاملة لواء التضحيات الوطنية وراية النضالات الرائعة.
 
صحيفة اخبار الخليج
21 مارس 2008

اقرأ المزيد