المنشور

أسوأ أنواع الحلول‮!‬


الذين يدعون إلى المناقشة بالعقل ويتشدقون بالموضوعية ليسوا عقلاء ولا يعرفون معنى الموضوعية.
والذين يطالبون بالعدل لا يدركون مفهوم العدل ولا أبسط قواعد العدالة.
والذين يتدثرون بالحكمة والواقعية والاحتكام إلى المنطق ليسوا بواقعيين ولا يعرفون من الحكمة والمنطق شيئاً.
والذين يزعمون أنهم يرحبون بالنقد ويدعون إلى التمسك بحرية الرأي والتشبث بالديمقراطية لا يعترفون بالآخر ولا بحقه في الاختلاف معهم، ولا يتقنون أصول الديمقراطية.
والذين ينبذون الطائفية علناً يمارسون الطائفية سراً وباسم الطائفية يمررون مصالحهم ويعززون نفوذهم.
والذين ينهون عن المنكرات ويعتقدون بأنهم أنقياء من كل عيب ومعصومون من كل خطأ يأتون بما يندى له الجبين خجلاً من عيوب وأخطاء.
والذين يحاضرون عن العفة والنزاهة هم أبعد ما يكونون عن العفة والنزاهة.
والذين يعيبون على الآخرين اقتراف التجاوزات بلغوا أسفل الدرك في تجاوزاتهم.
ومن احترفوا الحديث عن المسؤولية تخلوا عن الزامات والتزامات المسؤولية وانغمسوا في منطق البطانة والحاشية.
والمسؤولون الذين يعلنون بأن أبوابهم مفتوحة للجميع هم الذين أوجدوا سداً منيعاً من الجفوة وعدم الثقة مع الناس.
والذين يرفعون راية محاربة الفساد يتناسون أنهم فاسدون حتى النخاع وأنهم جعلوا كل مال عام سائباً.
والذين يزعمون بأن رؤاهم في كل ما يخص شؤون الوطن والعباد رؤى وطنية خالصة هم الذين لا تلج مشكلات الوطن إلى وجدانهم وهم الذين يشحنون مجتمعنا بكل ما يوتر ويقسم ويطأفن.
والذين يتحدثون عن الشفافية هم أول من يحجبون المعلومات عن الرأي العام ويوغلون في تغييب الشفافية في الأرقام والميزانيات والمعلومات.
والذين يتباكون على سيادة القانون هم أول من اعتدوا على سلطة القانون وغيبوا حاكميته.
والنواب الذين ينتقدون السلطة التنفيذية علناً هم الذين وجدناهم من دراويش السلطة ومريديها.
والنواب الذين يتحدثون دوماً عن الوحدة الوطنية هم الذين تعودنا منهم أن يزرعوا الألغام في طريق الوحدة الوطنية.
ومن يزعمون أنهم يأخذون بيد مؤسسات المجتمع المدني وسندهم الفعلي ضبطوا متلبسين بضرب هذه المؤسسات وافتعال العراقيل أمامها.
والذين يتحدثون عن المبادئ انحازوا إلى نقيض هذه المبادئ وكل ما رفعوه من شعارات.
والذين يزعمون أنهم يحموننا من أعداء الديمقراطية لا يرون في الديمقراطية إلا قوالب جوفاء وعبارات طنانة رنانة.
هل تتصورون مشاكل اعقد من تلك المشاكل، ثم لماذا تبقى مشاكلنا الصغيرة برمتها قبل الكبيرة برمتها لا حلول لها لا حاسمة ولا نهائية ولا مبدئية ولا حتى أولية، وعاجزون عن اقتحامها بكل مفردات المواجهة الشجاعة للمشكلات، ثم ألا ترون أن أكثر ما يبعث على الصدمة حيناً والمرارة حيناً في التعاطي مع هذه المشكلات حينما أخضعت هذه المشكلات للمزايدة وتهييج المشاعر، لتتحول المشاكل الصغيرة إلى مشاكل كبيرة معقدة، والمعاينة اليومية لواقع الحال ستكشف ذلك، وقد تكشف ما هو أخطر.
صحيح أن بعض المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية أصبحت من لزوميات حياتنا، وربما لم يعد البعض يتصور أن نعيش من دون حضورها الدائم في حياتنا وواقعنا، ولكن الصحيح أيضاً أن البعض يتعامل مع مشاكلنا كأنها غير قائمة أو هوّن من شأنها واعتبرها غير مهمة، أو راهن على الزمن لحلها.
مشاكل من نوع الفساد، والبطالة، والوضع المعيشي، والتضخم، والفقر، وإدارة الأصول العامة المملوكة للدولة، والملف الإسكاني، والتجنيس، ومستوى مخرجات التعليم، وبطء العدالة، وتلوث البيئة، والتنمية الاجتماعية، وإهدار القيم، وتكهين الكفاءات وفقدان الموضوعية في اعتلاء الوظيفة العامة، والمواقع القيادية، وانحراف ثقافة الوظيفة العامة والتطاول على المال العام، واستغلال النفوذ، وموجة التغريب العاتية، ولا حاجة إلى الاستزادة، فنحن لسنا في حاجة لا أن نناقش كل مشكلة ولا أن نبحث في الوقائع والخرائط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أفرزتها، فذلك موضوع مختلف عما نحن فيه، ولكننا في حاجة إلى التنبيه إلى أن المنحى الذي تأخذه المشاكل يفرض حواراً ومبضعاً والماماً بكل أبعاد ومسببات تلك المشاكل، والتخلي نهائياً عن إخضاع إدارة أية مشكلة لمقتضيات عقدة التأجيل أو فكر التماس الذرائع الذي يسّوف ويؤجل مرة تلو المرة أي تعامل جاد مع مشاكل المجتمع، وان جرى أي تعامل فإنما بشكل يؤدي إلى تفاقم المشكلات، وبذلك تطل علينا مشكلة أخطر، وهي أننا نواجه المشكلة بالمشكلة، والأزمة بالأزمة، ونداوي الداء بالداء، ونتبع الإخفاق بالإخفاق، ولا أحد يعترف بالمشكلة، ولا بالإشكاليات المنبثقة عن المشكلة، وكأنه قد كتب علينا مواصلة لعبة الفشل أو المواصلة في معالجة مشاكلنا أما بالبهرجة الإعلامية والمواقف الخاوية، أو الوعود الممنوعة من الصرف أو المعالجات المفككة، أو بإنكار ونفي المشكلة إلى أن نضطر للاعتراف المخفف بها مكتفين بمداواة الأمراض بالمسكنات.
أسوأ الحلول للمشكلات والمعضلات الأساسية هي تلك الحلول التي تعلق على شماعات الإمكانيات المادية، أو غياب التخطيط، أو نتذرع بأنها تحت الدراسة، أو تم إحالتها إلى لجنة، ولا ينبغي أن نلام إذا شككنا في صدقية وجدوى كل تلك المعالجات.
أسوأ أنواع الحلول أيضاً هي تلك النابعة من أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أهل الحل والعقد ومعنيين بحل المشكلات التي تواجه الناس من مسؤولين أو نواب وحتى بعض من يعتقدون بأنهم يمثلون قوى المجتمع المدني ممن يتحدثون عما يعتري المجتمع من ضعف وما يعترضه من مشاكل، وكأنهم مبعوثوا العناية الإلهية لإنقاذنا، ومن يتمتع بقدر وافٍ من البصيرة والفطنة لن يصعب عليه أن يكتشف بأن كل واحد من هؤلاء الذين يزعم أنه يحاول حل عقد المجتمع بأنه عقدة في حد ذاته ومشكلة من مشكلات المجتمع وعبء عليه، ولا يمكن أن يكون أي منهم في يوم من الأيام جزءاً من الحلول دون أن ننسى أن كثيرين من هؤلاء أخضعوا الحلول الحقيقية لتجاذبات ومقايضات ومساومات، وآخرين لا نجد منهم سوى أنه كلما شارفنا عتبة حل مشكلة ما ظهر لنا منهم من يبشرنا بعقبات تبعد الاقتراب من أي حل، وإن لوحوا بحلول في أحسن الأحوال، فإنما بالحلول الأسوأ من أجل أن نقبل بالسيئ..!!.
المهم في كل عناصر المشهد أن مسؤولية مواجهة هذه المشاكل التي يزخر بها واقعنا أسندت في كثير من الأحيان إلى مسؤولين أقل ما يمكن أن يقال عنهم بأنهم كانوا جزءاً من المشكلة ولم يكونوا يوماً جزءاً من الحل، ويمكن أن نضيف بأنهم لم يسجلوا رصيداً حقيقياً في العمل القائم على الأفكار والإبداع والتنظيم والإنجاز، وهذا هو بيت القصيد.
ومن دون أن نقع في فخ التعميم فإن القراءة المتأنية التي يمكن أن نستنتجها من مراقبتنا للمشهد فسوف نلاحظ أن ثمة مسؤولين أبتلينا بهم من نوعية:
] مسؤولون يتهربون من مسؤولية تبعات أي مشكلة ويتقاذفونها مع آخرين، وباتوا محترفين في التملص من المسؤولية واستطاعوا أن يتفننوا في ذلك، أو أن يخففوا على الأقل تبعاتها على أنفسهم، أو أن يجعلوا آخرين شركاء لهم في تحمل المسؤولية، وارجعوا بذاكرتكم إلى كارثة غرق سفينة الدانة التي راح ضحيتها العشرات فهي خير مثال على ذلك.
] مسؤولون يصرون بأن يظهروا وكأنهم لا يعملون ولا يتحركون ولا يؤدون واجبهم ولا يحققون إنجازاً يفترض أنه ضمن مسؤولياتهم وواجباتهم إلا بتوجيه أو تكليف أو أوامر من فوق، وجعلوا حل كل مشكلة صغيرة أو كبيرة لا يتم إلا امتثالاً لأوامر فوقية.
] مسؤولون عودونا ألا نصدقهم لأنهم يقولون دوماً كلاماً يخالف الواقع ودأبوا على الكلام والوعود والأمنيات والتصريحات البراقة، وعجزوا عن تحقيق إنجازات ملموسة.
] مسؤولون من نوع مدعي الأهمية الذين يعانون من تضخم في الذات ولا يجلسون إلا في لقاءات تغدق عليهم النرجسية، ويعتقدون أن الناس تلتف حولهم وتحتهم.
] ومسؤولون بات ملحاً إنقاذ الناس منهم، ومن بيروقراطيتهم، ولما يثيرونه حولهم من قيل وقال.
] ومسؤولون نجحوا في الدخول إلى »دائرة عالم النسيان« ولا أحد يسمع عنهم »حس ولا خبر« رغم أن كثيراً من المشاكل والمواقف كانت تستدعي ظهورهم.
] مسؤولون لا هم لهم إلا القفز داخل العدسات والكاميرات وألسنتهم تنطلق في رشاقة ومرونة للإدلاء بالتصريحات أو إصدار البيانات الصحفية التي تشيد بهم وبعطائهم.
ونوعيات أخرى كثيرة من المسؤولين، ولكن السؤال:
هل يمكن أن نعوّل على هكذا نوعية من المسؤولين في المراجعة والتدبر والتشخيص الصحيح والحلول المدروسة لمشاكل وقضايا المجتمع؟
هذا هو السؤال، وإن كنا نعلم جيداً أن المشكلة الكبرى بدأت حينما جلس على مقاعد المسؤولية من لم يعرفوا شيئاً عن المسؤولية ومعناها، بل وكانوا جزءاً من هموم ومشاكل مجتمعنا ولم يكونوا يوماً جزءاً من الحلول، هذه هي المشكلة والطامة الكبرى، وما على المعنيين بالأمر إلا أن يدركوا أن المرحلة والأوضاع الراهنة والمقبلة لا تحتمل هذا العبء، ونسأل الله السلامة.
 
الأيام 22 أغسطس 2008

اقرأ المزيد

حياة الناس على‮ ‬كف عفريت الـ‮ ” UCI ‮!!‬”


لا نعرف متى ستحل مشكلة الأسرّة للحالات الصعبة والمستعصية والخطيرة في مجمع السلمانية الطبي، إذ لا تزال أسرّة جناح الإنعاش ( وحدة العناية القصوى واختصارا الآي سي يو) غير كافية لمثل هذه الحالات، وكثير من هذه الحالات تنتظر أدوارها في قسم الطوارئ بالأيام حتى تتوفر على سرير في جناح (الآي سي بو)، بل إن كثيراً منهم تسوء أحوالهم الصحية بسبب هذا الانتظار، وربما تكون النتيجة مفجعة في بعض الأحيان.
أعتقد بأني لست أول أو آخر من يتناول قضية الأسرّة في هذا الجناح إذا استمر الحال على ما هو عليه، ولكن لا حياة لمن تنادي، وكما يقول المثل الشعبي (بن عمك أصمخ) أو كما لو إنك (تنفخ في قربه مقضوضه)، وأحياناً تتساءل بحسرة: هل حياة الناس رخيصة لهذه الدرجة حتى يتركوا على قائمة الانتظار في قسم الطوارئ ينتظرون حتفهم؟
مثل هذه الحالات ينبغي أن يوجه جل الاهتمام للإسراع في حلها بزيادة الأسرّة والأطباء، فمن يتعرض لها قد لا تفصله عن الموت سوى شعرة، ولذا ينبغي عدم إرجاء الحل أو التباطؤ فيه.
قضية (الآي سي يو) والطوارئ أثيرت في الصحافة قبل ميثاق العمل الوطني وبعده وأثيرت في مختلف وسائل الإعلام وفي الندوات، ومرت على أكثر من وزير ومسؤول في وزارة الصحة، ولا تزال القضية معلقة لم يحسم أمرها بعد، فهل تقتضي هذه القضية كلفة مالية عالية؟ هل شحت موازنة وزارة الصحة على حياة الناس أو عزّت؟ هل توقفت سيولة القطاع الخاص عن دعم الوزارة؟ هل انعدمت الوسيلة تماماً حتى لا يتمكن وزير واحد في الصحة من حل هذه المشكلة؟
مصدر هذه القضية أحد الأصدقاء الذين أكلهم القلق إلى درجة غير عادية عندما أخذ والدته وهي في حالة صحية سيئة إلى الطوارئ لإسعافها من قبل ملائكة الرحمة، واقتضى الأمر أخذها اضطراراً إلى جناح (الآي سي يو)، وبعد محاولة للبحث عن مكان لها فيه تعذر وجود سرير لها، فتركوها في قسم الطوارئ حيث ساءت حالتها يوماً بعد يوم، ومع كل رجاء هذا الصديق لأهل (الفرج والضيق) لإسعاف والدته، لم يتوفروا على سرير لها ولم يتسنَّ له الحصول على (واسطه عوده) حتى يجبروا الفراغات المتاحة في هذا الجناح على أن تتحول في (غمضة عين) غرفة بسرير لوالدته وبالتالي تنتهي مشكلته، فماذا يفعل هذا الصديق لوالدته؟ هل توجد عند وزارة الصحة خدمة خاصة لإسعاف الذين لم يتوفروا على سرير في جناح (الآي سي يو) في بيوتهم بتجهيز غرفة خاصة مثلاً مماثلة لتلك الأسرّة في جناح (الآي سي يو)؟ طبعاً نحلم!!
في لحظة تخيلت أن عدداً كبيراً تعرض لحالات صحية تتطلب وجود أسرة أكثر في (الآي سي يو) ولكن المسؤولين هناك إذا لم يوفروا هذه الأسرة، فماذا يفعل أولئك؟ هل يموتون؟ أليست هذه جريمة؟ هل سيعاقب عليها مرتكبها أم ستضيع في الملفات الكثيرة التي أخضعت للحالات الاضطرارية الاستثنائية مثلما ضاعت غيرها؟
قضية حياة أو موت، ماذا أعددتم من أجل ضمان حياة أطول للناس يا بني آدم؟
 
الوطن
 

اقرأ المزيد

البيئــة أولاً‮..‬‮ ‬حـــان وقــت التغييـــر


ينتابني فرح كبير لا يضاهى حين يتعلق الموضوع بأي شيء يتصل بحماية البيئة بشتى أنواعها وأشكالها، فهذا دليل وعي مجتمعي وصحة نفسية وعافية فكرية، وكم نحتاج هذا الدليل ليرشدنا إلى مناطق التغلب على الكارثة البيئية التي أوشكت أن تطمر آخر منابع الثروات والخيرات في وطننا، ولعل المبادرة الطيبة التي دشنتها الأمانة العامة للمجلس الأعلى للمرأة ممثلة في لجنة الشباب بالتعاون مع الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية والمؤسسة العامة للشباب والرياضة بمشاركة إيجابية ولافتة للأنظار من جمعيات الشباب وأهل الاختصاص في المجال البيئي في مملكة البحرين، تلك المبادرة التي جاءت بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للشباب، تؤكد مصداقية التوجه نحو الاهتمام بالبيئة، خصوصاً أن الشعار الذي تبنته بهذه المناسبة، وهو ‘الشباب وتغير المناخ، حان وقت التغيير’، لا يدع مجالاً للتراجع أو التنازل عن عزم تجسد في ‘حان وقت التغيير’.
وقد كانت ورش العمل التي تمحورت حول الاحتباس الحراري ومضار المواد البلاستيكية على البيئة وتغير المناخ وتأثيره على مناخ مملكة البحرين بجانب تنظيم مسابقة في التصوير الفوتوغرافي والسينمائي تستقي موضوعاتها من مشاهد البيئة والطبيعة المحلية والأخطار والملوثات التي تهدد البيئة البحرية والحياة الفطرية في المملكة، كل هذه الورش والمسابقات ستعزز بلا شك الوعي الاجتماعي والشبابي خصوصاً بأهمية البيئة ودورها، وسيكون لها مردودها الإيجابي على قطاعات كبيرة في مجتمعنا، والتي نتمنى أن تدرك ذلك الاهتمام فتستجيب لما سيخرج به الشباب المشاركون من تصورات واقتراحات وتوصيات، خصوصاً أن مصانعنا يعاني أخطار التلوث فيها كثير من العاملين والأهالي الذين تجاور بيوتهم هذه المصانع، مثل مناطق جو وعسكر والمعامير والنويدرات والنبيه صالح والرفاع الشرقي وغيرها من مناطق المملكة. وبجانب هذا التلوث الفظيع في هذه المصانع تعاني الثروة السمكية في بحارنا الأمرين بسبب الأنقاض ومخلفات البواخر والردم والطمر.
أضف إلى تلك المشكلات البيئية التلوث الجوي والتربة الزراعية، كلها مشكلات، وخبراء البيئة الآن يقرون بأن أكبر عدو وأخطر من الإرهاب البشري هو التلوث البيئي الذي إذا ما أهمل ولم يلتفت إليه سيأكل الأخضر واليابس من على هذه الخارطة الكونية، ولذلك أسباب تتجاوز حدود الاجتهادات المنظماتية للبيئة، إذ إن على الجهات الرسمية أن تفعل اهتمامها وتوجهاتها للبيئة، وأن تكون هناك خطوات فعلية تشارك فيها هذه الجهات الرسمية القطاعات الأهلية والشبابية في المملكة، ولنا في ذلك أسوة براعي الفعالية في مملكة البحرين سمو الشيخ عبدالله بن حمد آل خليفة رئيس الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية، الذي يكرس جل جهده ودأبه من أجل حماية هذه الثروة في المملكة، ويدفع الشباب وجمعيات البيئة باتجاه الاهتمام بالبيئة في المملكة، كما إن للكلمة التي ألقاها السيد آغا المنسق المقيم للأمم المتحدة والممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وقعها وأهميتها من حيث تحذيره المتواصل من خطر التغير المناخي في العالم والذي يهدد السلام والأمن ويجعل العالم في المستقبل مكاناً غير صالح للسكن، مستدلاً بتجربة حقيقية ومرة عاشها وسجل من خلالها رؤيته وقراءته لهذا العالم في ظل التغير المناخي المخيف.
إن شبابنا إذ يدفعهم حماسهم للمشاركة في مثل هذه الفعاليات والورش التي تعنى بالبيئة، فإنهم بحاجة إلى من يساعدهم ويقف معهم في ترجمة هذه الفعالية المناسباتية على صعيد الواقع والميدان، وبما أن هذا الحماس والتوقد متوافران لدى شبابنا، فإن الخطوة العملية المقبلة ستكون في ملعب الجهات الداعمة لمشاريع الشباب البيئية، ولن نعدم الوسيلة ما دام وراءها من بادر برعايته لهذه الفعالية
 
الوطن
 
 

اقرأ المزيد

للتذكير فقط اسمها جولة التنمية‮ ‬

أعلن المدير العام لمنظمة التجارة العالمية باسكال لامي‮ ‬فشل آخر محاولة،‮ ‬ضمن سلسلة محاولات تبذلها المنظمة،‮ ‬لانتشال جولة الدوحة من مفاوضات تحرير التجارة العالمية من عثرتها بعد مضي‮ ‬أكثر من‮ ‬6‮ ‬سنوات على انطلاقها في‮ ‬الدوحة في‮ ‬نوفمبر‮ ‬‭.‬2001
وجاء هذا الفشل الجديد في‮ ‬أعقاب عشرة أيام‮ (‬21‮-‬30‮ ‬يوليو‮ ‬2008‮) ‬من المفاوضات المارثونية التي‮ ‬امتدت لساعات المساء ووسط حضور مكثف لممثلي‮ ‬لوبيات المصالح التي‮ ‬يجري‮ ‬التداول بشأنها من وزراء مال واقتصاد وتجارة وصناعة وزراعة،‮ ‬يتقدمهم ممثلو الدول المحورية في‮ ‬منظمة التجارة العالمية الولايات المتحدة الأمريكية،‮ ‬والاتحاد الأوروبي‮ ‬ممثلاً‮ ‬لـ‮ ‬27‮ ‬دولة أوروبية،‮ ‬واليابان،‮ ‬والصين،‮ ‬والهند،‮ ‬والبرازيل‮.‬
بما‮ ‬يعني‮ ‬أن كافة التحضيرات والجهود التي‮ ‬بذلتها سكرتارية المنظمة في‮ ‬جنيف ومديرها العام باسكال لامي‮ ‬لتهيئة الأجواء المؤمنة لنجاح الحلقة الجديدة من المفاوضات،‮ ‬قد ذهبت أدراج الرياح،‮ ‬وأن جرعة جديدة من الإحباط وخيبة الأمل قد تلقتها جولة الدوحة‮ (‬الجولة التاسعة‮) ‬من مفاوضات تحرير التجارة العالمية في‮ ‬إطار منظمة التجارة العالمية،‮ ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬تعاني‮ ‬أصلاً‮ ‬من توالي‮ ‬الفشل في‮ ‬تحريكها منذ انطلاقتها‮.‬
أما أسباب فشل المحاولة الأخيرة لإنقاذ الجولة فهي‮ ‬لم تختلف عن سابقاتها،‮ ‬بما‮ ‬يدل عن عدم استعداد فرقاء الخلاف بعد للتخلي‮ ‬عن مواقفهم المتصلبة بخصوص المواضيع قيد التفاوض‮.‬
فالدول الرأسمالية المتقدمة،‮ ‬لاسيما الولايات المتحدة ومجموعة دول الاتحاد الأوروبي‮ ‬مازالت متمسكة بجوهر سياستها الحمائية المطلقة فيما‮ ‬يخص قطاعها الزراعي،‮ ‬من حيث عدم إبداء الاستعداد المطلوب لإلغاء الدعم المالي‮ ‬الذي‮ ‬يحظى به مزارعو دول الاتحاد الـ‮ ‬27‮ ‬والذي‮ ‬يمكنهم من المنافسة السعرية في‮ ‬تجارة المنتجات الزراعية والغذائية العالمية‮.‬
والولايات المتحدة هي‮ ‬الأخرى ليست مستعدة لإلغاء هذا الدعم الذي‮ ‬يحظى به قطاع واسع من المزارعين الأمريكيين‮.‬
وذلك على الرغم من التكلفة الباهظة التي‮ ‬يكلفها هذا الدعم لموازنات بلدان الاتحاد الأوروبي‮ ‬والولايات المتحدة،‮ ‬والتي‮ ‬يتم إلقاء عبئها على دافعي‮ ‬الضرائب لديها‮.‬
مواقف هذه البلدان بدون شك تحلحلت قليلاً‮ ‬عن مواقفها المتصلبة السابقة،‮ ‬ولكن هذا التغيير لا‮ ‬يطال الجوهر وإنما الشكل‮. ‬ناهيك عن أن هذا التزحزح مرهون بتلقي‮ ‬تنازلات موازية من جانب الدول النامية فيما‮ ‬يخص إحداث مزيد من التحرير‮ (‬مزيد من خفض الضرائب الجمركية‮) ‬لقطاع المنتجات‮ ‬غير الزراعية‮ (‬أي‮ ‬المنتجات الصناعية‮)‬،‮ ‬وتحرير القطاع المالي‮ ‬وقطاع الخدمات‮. ‬وكما هو متوقع تقاذفت الأطراف الرئيسية المتساومة في‮ ‬المفاوضات‮: ‬الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي‮ ‬كممثلين لنادي‮ ‬الأغنياء والهند والصين والبرازيل كممثلين لنادي‮ ‬الفقراء،‮ ‬الاتهامات وتحميل أسباب الفشل كل منهما للآخر،‮ ‬فلقد حملت الولايات المتحدة كلاً‮ ‬من الصين والهند مسؤولية انفضاض الاجتماع دون الخروج بالاتفاق المعلق منذ عام‮ ‬2003‮ ‬وذلك بسبب معارضتهما لفتح أسواقهما أمام المزيد من الواردات،‮ ‬وذهبت انتقادات وزير شؤون مجلس الوزراء الياباني‮ ‬نوبوتاكا ماشيمورا في‮ ‬ذات الاتجاه،‮ ‬إذ طالب الهند والصين بأن تقيِّما بدقة كلماتهما وأفعالهما في‮ ‬ضوء مسؤوليتهما عن دعم الاقتصاد العالمي،‮ ‬حيث إنهما تركزان أكثر من اللازم على مصالحهما الخاصة‮.‬
إلا أن الصين والهند حملتا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي‮ ‬تحديداً‮ ‬مسؤولية فشل المفاوضات،‮ ‬فقالت الصين إنها انهارت أساساً‮ ‬لأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي‮ ‬لم‮ ‬يكن لديهما أي‮ ‬استعداد لخفض الدعم الهائل الذي‮ ‬يقدمانه للمزارعين المحليين،‮ ‬وأن الدول الغنية إجمالاً‮ ‬مهتمة بمصالحها الخاصة ولا تلقي‮ ‬بالاً‮ ‬لمصالح الدول النامية‮. ‬وأنها لا ترغب في‮ ‬مواجهة اللوبي‮ ‬الزراعي‮ ‬لديها ولكنها تمارس ضغوطاً‮ ‬هائلة على الدول الفقيرة لخفض الرسوم الجمركية على وارداتها الصناعية ومن أجل فتح أبواب أسواق الخدمات المالية لديها على مصراعيها أمام البنوك وشركات التأمين الغربية‮. ‬وهذه،‮ ‬من وجهة نظر الصين،‮ ‬قمة الأنانية وقصر النظر‮.‬
ذلك ما جرى في‮ ‬العلن أو ما تم التركيز عليه في‮ ‬الإعلام،‮ ‬إلا أن واقع الحال أن اجتماع جنيف الأخير قد حقق تقدماً‮ ‬على مسارات التفاوض الثلاثة‮: ‬تقليص الدعم الزراعي،‮ ‬تقليص الضرائب الجمركية على المنتجات الصناعية وتحرير بعض أنشطة الخدمات‮. ‬بل إن تقدماً‮ ‬ملموساً‮ ‬تحقق في‮ ‬الملف الزراعي‮ ‬اشتمل على قبول مبدئي‮ ‬بقيام الدول الغنية بخفض الدعم الداخلي‮ ‬الذي‮ ‬تدفعه لمزارعيها بنسبة تتراوح بين‮ ‬50‮-‬85٪‮ ‬وإلغاء الدعم بشكل كامل عام‮ ‬‭,‬2013‮ ‬بما في‮ ‬ذلك حجم خفض الدعم الحكومي‮ ‬الأمريكي‮ ‬لمزارعيها من‮ ‬40‮ ‬مليار دولار إلى‮ ‬5‭,‬14‮ ‬مليار دولار،‮ ‬وكذلك الحال بالنسبة للرسوم الجمركية العالية التي‮ ‬تفرضها بلدان رأسمالية مثل اليابان وسويسرا ودول نامية مثل الهند وإندونيسيا على وارداتها من المنتجات الزراعية لحماية إنتاجها المحلي،‮ ‬وخفض الدول النامية مثل الهند والبرازيل رسومها الجمركية على المنتجات الصناعية بمتوسط‮ ‬يتراوح بين‮ ‬11‮-‬12٪‮.‬
ويبدو أن الوقت قد ضغط على الطرفين الرئيسيين الدول الرأسمالية المتقدمة والدول النامية في‮ ‬اليومين الأخيرين لحلحلة بعض المسائل الإشكالية لاسيما الخلاف بين الولايات المتحدة والهند حول آلية الحمائية التي‮ ‬اقترحتها منظمة التجارة العالمية لانفراج المفاوضات والتي‮ ‬تسمح لدولة ما بزيادة رسوم جماركها في‮ ‬حال تجاوز الاستيراد معدل الـ40٪،‮ ‬حيث أبدت البرازيل حليفة الهند في‮ ‬مجموعة العشرين مرونة فيما‮ ‬يتعلق بقبولها خفض الرسوم الجمركية الزراعية،‮ ‬فيما أبقت الهند على موقفها الرافض لمسعى الدول الغنية تحقيق اختراق في‮ ‬أسواق الدول النامية بدفعها لخفض رسومها الجمركية‮. ‬فالهند ومعها إندونيسيا‮  ‬وتركيا والفلبين ودول أفريقية اعتبرت هذا المعدل‮ (‬40٪‮) ‬مرتفع جداً‮ ‬بشكل سيمنعها من إطلاق آلية الحماية‮. ‬والراجح أن ما توصلت إليه الأطراف المتفاوضة في‮ ‬جنيف في‮ ‬الأيام الأخيرة من شهر‮ ‬يوليو الماضي‮ ‬والذي‮ ‬وصفه مسؤولون من المنظمة بأنه‮ ‬يفوق الخلافات المتبقية،‮ ‬سوف‮ ‬ينهض أساساً‮ ‬لاتفاق نهائي‮ ‬حول القضايا الثلاث الرئيسية المتفاوض عليها والمنوه عنها آنفاً،‮ ‬إذ من المتوقع أن‮ ‬يتم الترتيب لجولة مفاوضات تكميلية بعد جولات حوارية مكوكية سوف‮ ‬يتعين على باسكال لامي‮ ‬القيام بها لتسليك مساراتها قبل طرحها على أعضاء الجمعية العمومية للمنظمة البالغ‮ ‬عددهم‮ ‬153‮ ‬دولة‮. ‬على أن هنالك ملاحظة جديرة بالأضواء الإعلامية،‮ ‬وهي‮ ‬أن جولة مفاوضات الدوحة عندما أُطلقت عام‮ ‬2001‮ ‬كانت قد حملت طُعماً‮ ‬ترغيبياً‮ ‬للدول النامية مفاده أن هذه الجولة ستُكرس للتنمية في‮ ‬الدول النامية،‮ ‬أي‮ ‬سوف‮ ‬يتم تسخير آليات التجارة الدولية والاستثمار المتصل بالتجارة لتعزيز الحراك التنموي‮ ‬في‮ ‬الدول النامية،‮ ‬بعد أن صيرت الدول الرأسمالية المتقدمة جولة أوروغواي‮ ‬لصالحها‮.‬
فإذا بجولة الدوحة تتخذ نفس سيناريو سابقتها‮ (‬جولة أوروغواي‮)‬،‮ ‬حتى أن وزير التجارة الصيني‮ ‬تشين دمينج اتهم الولايات المتحدة بالإفراط في‮ ‬مطالبها من الدول النامية بعدما وفرت الحماية لمصالحها.
 
صحيفة الوطن
21 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

البترول رأس مال العرب (16)

لم يختلف وضع الرأسمال النقدي البترولي في العراق عن غيره من الدول العربية والإسلامية إلا في تضخم السمات السلبية في هذا البلد، نظرا إلى هيمنة الدولة العراقية الاستبدادية الشرسة على هذا الرأسمال وتوظيفه للحروب، وهو الجانبُ الذي دمر ليس التراكم النقدي بل الحياة الاجتماعية والاقتصادية. لقد تضخمت في الدول البترولية أجهزتـُها على نحو هائل، فأعداد الموظفين العسكريين والمدنيين ازادات أعدادا كبيرة غير مسبوقة، وتفاقمت نفقات معداتها وأجهزتها وتداخلت مع أشكال أخرى من النفوذ والهدر الاقتصادي، لكن هذا يعبر عن سمة قديمة في الأنظمة العربية التقليدية وهي سمة تقوية الفروع غير المنتجة بشكل غير عقلاني وغير مفيد، واستثمرت الجماعةُ القريبة المتحكمة في هذه المداخيل النقدية لأعمال مالية واقتصادية شخصية تلتهم جزءًا مهماً من المداخيل، لا أحد يعرف حتى الآن حجمه وتنوعه وروابطه بالشركات الخاصة و(الرأسماليين) الواجهات لأصحاب النفوذ والذين ظهروا فجأة وكانوا بلا رساميل وهو أمرٌ فاقم من البذخ والهدر المالي للدول النفطية على نحو غير مسبوق. وبهذا الصدد فإن هذه الواجهات تغدو جزءًا من العائلة، وخاصة للنساء اللواتي يعطين حصةً كبيرةً من هذه الواجهة، كما تـُعطى حصص أخرى للأبناء الذين يغدون أصحاب مؤسسات، فيتداخل الجذر الإقطاعي والتطورات الرأسمالية على مستوى مصادر الدخل، فيغدو الجذر التقليدي هو النبع، وهو المحاط بطبيعة النظام التقليدي، الذي يكون له في كل بلد تقاليده الخاصة، وتنمو الدخولُ الرأسماليةُ كذلك من دون أن تتحول إلى دخول منتجة، فأغلبها يتجه للتوظيفات المالية والعقارية والتجارية، وهو ما يحولها كذلك للمحافظ النقدية الغربية. وهناك نمو كبير للرأسمال الصناعي الخليجي على سبيل المثال وأغلبه في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، (حيث تمثل هذه نحو 85% من اجمالي المصانع وتوفر بين 50% إلى 80% من فرص العمل حسب مجلة دراسات خليجية، تقرير من كونا). لكن لا نعرف العلاقات بدقة بين الرأسمال النقدي النفطي والرأسمال الصناعي وبقية الرساميل، وهذا أمر يحتاج إلى درس خاص. لكن القسم الأكبر من هذا الفيض النقدي يتوجه إلى الحصالات الغربية المختلفة، بطبيعة الجذر المحافظ الذي ظهرت منه، فهي رؤوسُ أموالٍ لم تـُنتج من رأسمالٍ صناعي، بل هي نتاجُ سيطرةٍ سياسية على آبار النفط فقط، وحينئذٍ لا تكون لها تربة وطنية بل تحلقُ هاربةً من الوطن الذي تخافُ منه، نظرا إلى مولد الرأسمال غير الشرعي. (وقد بلغت الأموال العربية أكثر من ثلاثة تريليونات دولار في تلك الأعشاش الغربية الحاضنة الرؤوم)، وكما يكون للمتحكمين في الآلة السياسية للمجتمع تحديد كميات الدخول الكبرى فيه، فإنهم يشكلون الفئات المستفيدة وطبيعة المدن السياسية المؤثرة، فقد تغيرت طبيعة المدن في العالم النفطي العربي حسب ولائها أو قربها من الطبقة الحاكمة، فتدهورت مدنٌ قديمة وصعدت مدنٌ جديدة، بل إن ذلك يحدث حتى بالنسبة إلى الأقاليم، فإقليم المتنفذين في الثروة النفطية يغدو هو الإقليم المميز فجأة، خاصة في سنوات ارتفاع الأسعار البترولية الذي حدث بدايةً من السبعينيات كما سبق القول، فينحسرُ دورُ الإقليم القديم، وتتراجع الخدماتُ فيه، ولا تحظى العائلاتُ والقبائلُ التي كان يهفُ عليها بعضُ نسمات الربح البترولي بما كانت تحظى به، وهذا قد يحدثُ في بضع سنواتٍ قليلة، فتتغيرُ معيشتُها فجأة، وتنقلبُ أحوالُها، وفي المجتمعات البدوية خاصةً التي ترتبطُ بأعراف الموالاة والاعتماد على العيش من التدفق المالي الحكومي، والذي قد يتشكلُ في المناقصات التجارية أو في الخدمة العسكرية، فإن هذه الولاءات القبلية تنقلبُ فجأة كذلك. في حين يتوجهُ الفيضُ البترولي المباركُ إلى إقليم جديد وتظهر مدينةٌ كبرى كانت بلدةً لا يعرفها التاريخُ ولا دوائرُ الإحصاء الرسمية، وتصبحُ بين غمضةِ عينٍ وانتباهتِها مدينة كبرى، وهذا التحول حدثَ فجأة لأن الكيانَ الحكومي انتقل إليها، أو أن الحاكمَ ظهر منها، أو أن الانقلاب حدثَ فيها، ولكن هذا الانتقال المكلف مادياً حيث يحتاج إلى مؤسساتٍ وإنشاءات وطرق عادة تكون فخمة حسب سعر البرميل، يرادفهُ كذلك انتقالُ الحكام أو طاقم الوزارات وعوائلهم والعشائر والعائلات والخدم والحشم الأجانب عادة التي تعملُ لديهم إلى هذه المدينة الجديدة، فتتركز العوائدُ النفطية على الاعمار الباذح للمباني وعلى المتاجر التي تضخُ السلعَ إليهم، وعلى الورش والمعامل والكراجات التي تقدم خدماتها لبيوتهم وسياراتهم وأعمالهم. بطبيعة الحال هناك الثلث من الميزانية الذي يكون مخصصاً للوزارات الخدمية، والذي يتوهُ كذلك في الدهاليز البيروقراطية، المليئة بقطط المطابخ السياسية، وهذا الثلث الخدماتي يتقلب هو الآخر مع تقلبات الزمان النفطي السياسي الذي لا يدوم لأحد، فالتجار الذين كانوا في البلدة السابقة التي تعيش في خير الحكم، والتي كانت أحوالهم من المعدن، تتردى ظروفهم مع هذا التحول، ويتحولون فجأة إلى عاطلين أو مفلسين، وقد نرى ذلك حتى في عاصمة كبيرة كبغداد، التي ازدهرت بعض أحيائها في الزمن الملكي فتدهورت في الزمن الجمهوري وانتقل (الخير) إلى بعض المناطق البدوية الوسطى. فحالنا لم يختلف جوهرياً عن الحاكم العربي الذي حدد خراج الغيمة في جيبه أين ولت، لكن صارت الغيمة بترولية.
 
صحيفة اخبار الخليج
21 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

حكايات من تاريخنا

رجالات دولة الاستقلال

إذا كان يحق للبحرين أن تعتز بأنها واحدة من الدول العربية القليلة التي تمتلك جهازا إداريا عاما عريقا هو من أقدم مؤسسات القطاع العام الإدارية، كما ذكرت قبل أيام في سياق موضوع آخر، حيث ترجع جذور وبدايات التنظيم الإداري الحالي إلى عشرينيات القرن الماضي، والذي بناء على ما راكمه هذا الجهاز من خبرة إدارية طوال نحو نصف قرن تم بسهولة بناء جهاز الدولة المدنية الحديث غداة الاستقلال الوطني عام 1971، فإنه لذات الأسباب يحق لقيادة البحرين أيضا الافتخار بأنها تمكنت ووفقت في اختيار مجموعة من أفضل كفاءات البلاد الرجالية لقيادة مؤسسات القطاع العام الإدارية (الوزارات) غداة إنجاز الاستقلال الوطني عام 1971، منذ التشكيلة الوزارية الأولى لدولة الاستقلال، وهي التشكيلة التي تمت بالتنسيق التام والتعاون بين سمو أمير دولة البحرين المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة وصاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الذي كان يتمتع بثقة كبيرة لا حدود لها من قبل شقيقه أمير الدولة الراحل، كما كان بمثابة العمود الفقري الذي يعتمد عليه سمو الأمير الراحل في بناء الدولة الحديثة وكل ما يتعلق بها من استشارات وقرارات ومشاريع في قضايا البناء ومواجهة الإشكالات والمعوقات الطارئة التي تواجه وتعترض المسيرة التنموية لهذه الدولة العربية الخليجية الصغيرة الفتية المستقلة. ولعل يكفينا في هذا الصدد أن نشير، على سبيل المثال لا الحصر، إلى عدد من تلك الأسماء البارزة التي يشهد لها بالكفاءة الإدارية المتميزة لدى توليها بعض وزارات الدولة في التشكيلات الوزارية الأولى أمثال كل من الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة وزير الخارجية، والدكتور علي فخرو وزير الصحة ثم التربية والتعليم، ويوسف الشيراوي وزير التنمية والصناعة، والشيخ عيسى بن محمد آل خليفة وزير العدل ثم «العــمل«، والشــيخ خالد بـن عبد الله آل خليفة وزير الإسكان، وطارق المؤيد وزير الإعلام، وجواد العريض وزير العمل ثم «الصحة« ثم شئون مجلس الوزراء، والشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة وزير العدل والشئون الإسلامية، وماجد جواد الجشي وزير الكهرباء والماء، وإبراهيم عبدالكريم وزير المالية، وقبله محمود العلوي الذي تولى نفس الوزارة ،وحبيب قاسم وزير التجارة والزراعة ، وغيرهم من الكفاءات الإدارية العليا الأخرى ممن لا تحضرنا الآن أسماؤهم ونعتذر لعدم إسعافنا الذاكرة بتذكرها. مثل هذه القيادات الإدارية العليا التي تولت وزارات الدولة لفترة من الزمن كان مشهودا لها بالكفاءة الإدارية في إدارة وقيادة الوزارات التي تولتها، وبصرف النظر عما رافق أو شاب فترات توليها تلك الوزارات من أخطاء أو سلبيات، كبرت أم صغرت، فقد شهد لها القاصي والداني بتلك الكفاءة على المستويين الرسمي والشعبي داخل البحرين وخارجها، ولاسيما أنها تولت تلك الحقائب الوزارية في بدايات دولة الاستقلال الوطني الفتية. ومازال الكثير اليوم بالذات من موظفي الدولة وفئات الشعب يبدون الحسرة لغياب مثل تلك الكفاءات الوزارية، وبخاصة في المواقع والمؤسسات الوزارية التي يبدو بعض الوزراء «الجدد« عاجزين عن إدارتها حيث يتبين بوضوح الفراغ الكبير الذي تركته تلك الكفاءات الوزارية السابقة بعد خروجها من تلك المواقع. ونشير هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى وزارات الكهرباء والماء والعمل والشئون الاجتماعية والصحة والتربية والتعليم. وقد ازداد الشعور بفراغ هذه الكفاءات والحنين إلى من يملأ هذا الفراغ بكفاءات مماثلة في هذة الوزارات خلال السنوات الأخيرة ولاسيما في بعض الوزارات التي شهدت ومازالت تشهد مشاكل إدارية عويصة أو غير اعتيادية بات يواجهها وزراء جدد نرجو من الله سبحانه وتعالى أن يعينهم في القدرة على تجاوزها في ظل استمرارها حتى مع تكرر التغيير الوزاري في سنوات الألفية الجديدة. ولم يكن جل وزراء دولة الاستقلال الأوائل، رغم شبابيتهم، يتميزون فقط بالكفاءة الإدارية داخل وزاراتهم التي يشهد لها اليوم القاصي والداني، بل وبالكفاءة على مستوى خوض أصعب الحوارات الساخنة الحامية الوطيس في برلمان 73 الذي عرف بمعارضته السياسية القوية من مختلف التيارات السياسية حينذاك من يسارية وقومية وإسلامية وليبرالية، وهي معارضة متشددة لا تقارن البتة بمعارضة اليوم وفي برلمان لا يقارن أيضا ببرلمان اليوم بسلطاته وصلاحياته الواسعة. فقد كان وزراء دولة الاستقلال الذين عينهم سمو أمير الدولة الراحل بالتعاون والتنسيق مع شقيقه سمو رئيس الوزراء بمثابة محامين كبار محنكين لا يشق لهم غبار في الدفاع عن سياسات وزاراتهم وسياسات الدولة عامة حيث خاضوا أعنف المعارك وقدموا أفضل المرافعات في مواجهاتهم لهجوم المعارضة وحملاتها الشديدة على سياسات الحكومة داخل برلمان 73 بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع تلك السياسات. وللتدليل على ذلك ما عليك إلا أن تقارن ضعف كفاءات بعض وزراء اليوم ليس في إدارة وزاراتهم فحسب، بل وفيما تتسم به مرافعاتهم ودفاعاتهم عن سياسات وخطط وزاراتهم وسياسات الدولة داخل البرلمان الحالي من ارتباك وتخبط واضحين، رغم أن هذه «المرافعات« تتم في برلمان ليس كبرلمان 73، وأمام نواب أو معارضة ليسوا كنواب ومعارضة برلمان أيام زمان. فسبحان مغير الأحوال.. فأنظر معي أين كنا وأين أصبحنا؟
 
صحيفة اخبار الخليج
21 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

هل‮ ‬يشعر‮ ‬غورباتشوف بالندم؟

قال ميخائيل‮ ‬غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفييتي‮ ‬كلاماً‮ ‬حكيماً‮ ‬وهو‮ ‬يتحدث عن الحرب بين بلاده روسيا وجورجيا،‮ ‬مُنحياً‮ ‬باللائمة على الولايات المتحدة في‮ ‬اندلاع الحرب،‮ ‬بسبب ما شعر به قادة جورجيا من دعم خارجي،‮ ‬خلق لديهم حالاً‮ ‬من الغرور دفعت بهم للإقدام على مغامرتهم ضد اوسيتيا الجنوبية رغبة في‮ ‬إخضاعها بالقوة‮.‬ واستخدم‮ ‬غورباتشوف مفردات كتلك التي‮ ‬يتحدث بها الرئيس الروسي‮ ‬ميدفيدف ورئيس الوزراء بوتين،‮ ‬وهو‮ ‬يشرح كيف بدأت القذائف الثقيلة تتساقط على عاصمة اوسيتيا الجنوبية،‮ ‬ما أدى إلى تدمير المستشفيات والاتصالات والبنية التحتية‮. ‬مضيفاً‮: »‬لقد استخدموا أسلحة حديثة ومتطورة لقتل أناس كانوا نائمين في‮ ‬مدينة صغيرة‮«.‬ برأيه أن النتيجة الحتمية للعسكرة وزيادة الميزانيات العسكرية هي‮ ‬الحرب،‮ ‬لأن الأسلحة المتكدسة سوف تنطلق في‮ ‬يوم ما،‮ ‬وهذا ما حدث مع جورجيا التي‮ ‬حازت على جبال من الأسلحة،‮ ‬حيث زودها الغرب بمعدات متطورة وحديثة وطائرات وأسلحة برية‮.‬ وتساءل‮ ‬غورباتشوف‮: »‬هل كان رئيس جورجيا ساكاشفيلي‮ ‬سيقوم بما قام به لو لم تكن لديه حماية من الغرب«؟ يصح التساؤل عن المشاعر التي‮ ‬تنتاب‮ ‬غورباتشوف حالياً،‮ ‬وهو‮ ‬يرى ما‮ ‬يرى،‮ ‬حيث‮ ‬غدا ممكناً‮ ‬ما كان مجرد التفكير به مستحيلاً‮ ‬من قبل أية قوة كانت،‮ ‬داخل الاتحاد السوفييتي‮ ‬أو خارجه،‮ ‬يوم كانت هذه الدولة تشكل القطب الثاني‮ ‬في‮ ‬العالم،‮ ‬وكانت تلويحة أصبع من أحد قادة الكريملين في‮ ‬استعراض القوة بالساحة الحمراء أمام الكريملين كافيةً‮ ‬لأن تجعل مَن في‮ ‬البيت الأبيض و»البنتاغون‮« ‬يحسب لها ألف حساب‮. ‬فإذا بنا نرى أن جمهورية صغيرة،‮ ‬وربما مغمورة،‮ ‬من جمهوريات الاتحاد السوفييتي‮ ‬السابق،‮ ‬مثل جورجيا،‮ ‬تتنطح للتحرش بالدب الروسي‮ ‬العملاق،‮ ‬مستقويةً‮ ‬بالدعم الخارجي‮.‬ هل‮ ‬يشعر‮ ‬غورباتشوف بالندم للمصير الذي‮ ‬آلت إليه القوة العظمى التي‮ ‬كان على رأسها؟ وهل‮ ‬يشعر بمسؤوليته الشخصية في‮ ‬الذي‮ ‬جرى،‮ ‬لأنه أساء التقدير وهو‮ ‬يهد المعبد على من فيه بحجة الرغبة في‮ ‬إصلاحه؟ كان بوسع البريستريوكا التي‮ ‬دعا إليها،‮ ‬أن تحقق أهدافها في‮ ‬الإصلاح لو أنها سارت بإيقاع آخر،‮ ‬غير أن عبارات المديح المسمومة التي‮ ‬أطنبت تاتشر وريغان في‮ ‬كيلها لغورباتشوف ومظاهرات التأييد التي‮ ‬حُشدت له في‮ ‬عواصم الغرب التي‮ ‬زارها أسكرته،‮ ‬فصار همه الأساسي‮ ‬نيل رضا الغرب،‮ ‬وكان ما كان،‮ ‬فأتى بعده‮ ‬يلتسين ليهين روسيا،‮ ‬كما لم‮ ‬يفعل أحد،‮ ‬ويجعلها مستباحة من الغرب ومن اللوبي‮ ‬الصهيوني‮ ‬الداخلي‮ ‬المدعوم منه‮. ‬ هذا الاستنفار الأمريكي،‮ ‬والأطلسي‮ ‬عامة،‮ ‬ضد روسيا،‮ ‬ويمكن أن نضيف إليه استنفار إسرائيل أيضاً‮ ‬يشير إلى أن ما لم‮ ‬يعره‮ ‬غورباتشوف الاهتمام،‮ ‬يوم كان زعيماً‮ ‬للكريملين،‮ ‬وهو أن الغرب لا‮ ‬يمكن الا أن‮ ‬يكون وجلاً‮ ‬تجاه روسيا،‮ ‬لأنها تمثل سياقاً‮ ‬ثقافياً‮ ‬وتاريخياً‮ ‬وحضارياً‮ ‬مختلفاً‮. ‬ومع أن الحرب الباردة انتهت،‮ ‬أو هكذا‮ ‬يفترض،‮ ‬بتفكك الاتحاد السوفيتي،‮ ‬ألا أن أساليب هذه الحرب تنبعث مجدداً،‮ ‬حين أظهر ثنائي‮ ‬بوتين‮- ‬ميدفيدف الحزم الضروري‮ ‬بوجه مساعي‮ ‬الإذلال الغربية‮.‬
 
صحيفة الايام
21 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

البترول رأس مال العرب (15)

مع تدفقِ الفوائضِ النقدية على الدول المصدرة للنفط وهي في الحقيقة ليست (منتجة) بل هي حارسة سياسية على آبار البترول كما لو كانت آبار ماء للرعي، وكونها الحارسة والمالكة لهذا السائل المتدفق فقد تملكت سياسياً حصيلة المنتج بأسعار تقترب شيئاً فشيئاً من سعر الأساس الذي يقيّمُ به سعرُ البترول عالمياً. وقد رأينا أن المعاركَ التي خاضتها الشعوبُ والطبقاتُ العاملة وكذلك نتائج الحروب ومفاوضات منظمة أوبك كلها انصبت للتقارب مع أسعار بيع النفط الأساسي الذي نزل كالمطر النقدي على الصحراء الجرداء، فأسرع البدوي إليه حثيثاً!
ولكل بلد نفطي ظروف خاصة به، ومساحة جغرافية تم نهب النفط فيها، وإدارة غافلة خاصة به، تركت المرعى للراعي الأجنبي يفعل ما يشاء، حتى إذا ضحت الشعوبُ تقدمت الإدارة الغافلة لتصير مُلكاً عضوضاً أو مجلس قيادة نهب الثروة، لا الثورة، وقررت كيفية تصريف هذا المال المتدفق بغزارة. يروي لنا الباحث الاقتصادي العراقي كاظم حبيب كيفية استغلال النفط في العراق فيقول: (أن الكارتيل النفطي العالمي قد أهمل وهمّش النفطَ العراقي طوال العقود الأولى قبل ثورة تموز .1958 وقد برز هذا الإهمال والتهميش المتعمد في عدة نقاط، أبرزها: قلة عمليات التنقيب عن البترول، قلة كميات الاستخراج وكميات التصدير، نقص الموارد المالية المتأتية من ارباح النفط الخام للخزانة العراقية، وخاصة أن حصة العراق لم تزد حتى عام 1951 عن أربع شلنات ذهب للبرميل الواحد، ثم أصبحت مناصفة في الأرباح وفق اتفاقية 1952 بمردود رجعي لسنة واحدة فقط). رغم أن العراق كان أول بلد يـُكتشف فيه النفط في المنطقة ويصدر فإن شركات النفط تعاملت بحذر مع الوضع العراقي السياسي المعادي لها، فجعلتهُ هامشياً وطورت حقولاً أخرى تسودُ فيها الغفلةُ السياسية. يضيف الباحث: (لقد خاض رئيس الحكومة العراقية عبد الكريم قاسم مفاوضات صعبة كشفت عنها محاضر جلساتها بوضوح كبير التي دفعته إلى إصدار القانون رقم80 لسنة.1961 والأسباب كانت واضحة جداً وأبرزها: توقف التنقيب عن البترول تقريباً في جميع الأراضي التي كانت تحت تصرف شركات النفط الأجنبية، ندرة إعادة استثمار جزء من الأرباح السنوية المتحققة لشركات النفط الأجنبية في اقتصاد النفط الخام وعدم تحديث المكائن والمعدات، قلة الاستخراج والتصدير وحاجة البلاد للموارد المالية، عدم استجابة الشركات لمطالب العراق العادلة والكثيرة، عدم تعريق الموظفين في الشركات الثلاث، وجود إمكانية دخول شركات أجنبية أخرى منافسة في اقتصاد النفط الخام العراقي.). علينا أن نرى أن قيادات القوى العسكرية أخذت مكان الأسرة الهاشمية كإقطاع حاكم، وراحت تسيطرُ تدريجياً على الثروة الأساسية سواء عبر عبدالكريم قاسم أم عبدالسلام عارف أم صدام حسين، فهؤلاء يمثلون تدرجات من سيطرة الإقطاع السياسي على البترول، وللبترول علاقة كبيرة بنمو العسكر وتصاعد دورهم السياسي، وإذا كان عبدالكريم بلا روافد شعبية كبيرة تدعم حكمه إلا عبر المناورات السياسية البارعة، فإن صدام حسين جاء نتيجةً لنمو حزبٍ سياسي وسط العسكر وبين الجمهور المسيس. وهكذا فإن الثروة النفطية جاءت كفيضٍ مالي نزلَ من السماء، وهو أمرٌ جعل الوعي الديني غير قادرٍ على إنتاجِ عقلانية إسلامية، لأن العقلانية تظهرُ من تصنيعٍ في تربةٍ وبين جماهير وضد خرافاتٍ متكلسة، فقطعتْ الثروةُ السريعةُ غيرُ المنتجةِ والمصنعة خيوطَ الوعي لأن تتجذر وتتصنع في التربة. بل تنامت الأجهزةُ السياسيةُ والعسكرية القامعةُ للوعي لأن يتجذر وطنياً، وظهر المنقذُ (الإلهي) و(القومي) من مستنقع النفط الاقتصادي، فكان لا بد أن يعتمد على الرشوة الواسعة لكي يُلحقَ زبانيةَ الجحيم والنعيم هؤلاء بملكوته الطاغي. إن الخليفة العباسي السفاح أو المنصور، وهو يستغلُ الموادَ الزراعية الرخيصة كون مثل هذه الحشود الملحقة بمعسكره، وكلما ازداد الفيضُ الزراعي تنامت قوته، وهنا في العصر الحديث شكلاً كلما تصاعدت أسعارُ النفط كثر حرسهُ وفرقة العسكرية وأجهزته القمعية. ونظراً لتسييس المجتمع العراقي فقد جاء البذخُ العسكري أولاً، وهو إذ يدور حول بؤرة الطبقة التقليدية الجديدة، ينمي مداخيلها وفللها ومشروعاتها الاقتصادية التي تدور حول بؤرتي السلع الاستهلاكية الشخصية والسلع الاستهلاكية الإنتاجية أي التي تخدم الأشخاص عبر تصنيع مواد بيوتهم وأشكال رفاههم. يقول كاظم حبيب: (التفريط بالموارد المالية النفطية في تلك الفترة والتي تجلت في الاستيراد المفتوح والواسع النطاق وبأرقام مالية خيالية، وطبيعة العقود مع الشركات الأجنبية القائمة على أساس تسليم المفتاح، وإقامة المشاريع الباذخة والبدء بالتسلح والتصنيع العسكري والتحضير للحرب ضد إيران. لقد كانت تلك الفترة ازدهارا في أرباح الشركات المقاولة الأجنبية والعراقية القريبة من النظام والحرفيين والشركات التجارية. ولكنها عرفت في تلك الفترة البدايات الفعلية للفساد المالي في النخبة الحاكمة وأجهزة الدولة العليا وتفاقم النزعة الاستهلاكية في المجتمع.)، التعليق على المحاضرة اللندنية نفسها. تقوم الطبقة التقليدية الجديدة بتوجيه الفوائض النقدية نحو البذخ الاستهلاكي أو العسكرة أو الحروب أو التحول لرأس مال مالي مهاجر، وفي كل هذه المظاهر ليس ثمة عودة للفائض لكي يكون رأسمال، إلا من بعض مشروعات الصناعات التحويلية.
 
صحيفة اخبار الخليج
20 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

إيران و”أبوموسى”والتحديات الخارجية

من نافلة القول ان جمهورية ايران الاسلامية تمر الآن سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً بأخطر مرحلة من المراحل التاريخية الصعبة التي مرت بها على الإطلاق منذ تأسسها قبل نحو 30 عاماً. فسياسياً ثمة أزمات ومشاكل متفاقمة داخل النظام السياسي القائم نفسه، كما يتجلى ذلك في الصراع ليس فقط بين جناحيه المعتدل والمتشدد، بل وفي العزلة المتزايدة التي يواجهها داخلياً وخارجياً. على الصعيد الداخلي فلعل أبرز جوانب الازمة العامة تتمثل في تفاقم الازمة الاقتصادية والمعيشية التي تعصف بحياة السواد الاعظم من الشعب الايراني (75 مليون نسمة) فضلاً عن تململ فئات اجتماعية واسعة من تصاعد التضييق على الحريات العامة والشخصية، وزيادة التشدد والغلو الديني في ظل الرئيس الحالي احمدي نجاد. أما دولياً فلعل ابرز عنوان للأزمة يتمثل في «الملف النووي« الذي مازالت طهران عاجزة في ادارة دبلوماسية مرنة محنكة تبدد ظنون وشكوك المجتمع الدولي بعدم سعيها الى التسلح النووي. وايران بلا شك دولة مهمة وجارة لبلدان الخليج العربي التي تربطها بهذا البلد علاقات تاريخية دينية واجتماعية واقتصادية عريقة. وإذ تواجه ايران تهديدات تارة مبطنة وتارة اخرى صريحة بتوجيه ضربة عسكرية تأديبية انتقامية فإن الشعب الايراني ليس وحده الذي تستبد به مشاعر القلق من المصير المجهول الذي سيواجهه في ظل اشهار العقوبات العسكرية التي تلوح بها الولايات المتحدة بل وتشاطر الشعب الايراني شعوب المنطقة في هذا القلق. ذلك بأن بلدان الخليج جمعاء ستتأثر حتماً بخيار عسكري متهور كهذا. واذا كانت مسؤولية ابعاد شبح أي حرب جديدة عن المنطقة تقع على عاتق جميع بلدان حوض الخليج العربي فذلك لا يعني ان المسؤولية متكافئة بين جميع هذه الدول، إذ ان ايران الآن باعتبارها احد الاطراف الرئيسية في الازمة وهي البلد الأول المهدد عسكرياً بتوجيه ضربة عسكرية له تتحمل مسؤولية كبرى في حمل المجتمع الدولي أو القوى الدولية للضغط على واشنطن باستبعاد هذا الخيار الطائش. كما ان طهران مسؤولة بصفة خاصة عن بذل كل مساعيها الممكنة لتعزيز تدابير الثقة وحسن الجوار مع جاراتها لحفظ أمن واستقرار المنطقة في هذه الظروف الدقيقة. لكن للأسف فإن ايران وهي تواجه كل تلك التحديات الداخلية والخارجية المتفاقمة تفتح، بوعي منها او بدون وعي، جبهات متعددة هي في غنى عنها داخليا وخارجيا، ولعل ابرز تجليات المشاكل التي تخلقها طهران لنفسها على صعيد الوضع الاقليمي تدخلها الفظ المكشوف في شؤون جارتها الكبرى العراق، والى جانب ذلك فإن ايران وبدلاً من طمأنة جيرانها بحسن نواياها فإنها تثير بين الفينة والاخرى مواقف تسهم بقصد او بدون قصد في اثارة الشكوك في نواياها. ولعلنا نتذكر بعض هذه المواقف شبه الرسمية ومنها ما اثارته صحيفة مقربة الى مرشد الجمهورية العام الماضي من دعاوى بتبعية البحرين الى ايران وتسيير قبل اسابيع مسيرات امام احدى السفارات مستنكرة لتسمية الخليج بـ «الخليج العربي« لا «الخليج الفارسي«، وكما دأبت طهران على ان تقوم الدنيا ولا تقعدها أينما وردت هذه التسمية، مثلما ترتعد فرائصها ايضاً لأي بيان يصدر عن قمة التعاون يؤكد ولو بشكل ملطف او على استحياء على تبعية الجزر الاماراتية الثلاث المحتلة للإمارات. ولعل آخر هذه المواقف او الاجراءات المثيرة للاستفزاز والتي صدرت عن طهران ما قامت به في جزيرة ابوموسى الاماراتية المحتلة بإنشاء مكتبين اداريين، وهو اجراء يُعد خرقاً صريحاً لمذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين والتي لا تخول ايران ممارسة أي اجراءات في الجزيرة هي من صميم الاجراءات التي تمارسها دولة ذات سيادة على الجزيرة. واذا كانت الامارات، الدولة صاحبة السيادة المشروعة على «أبوموسى« قد بادرت على الفور بالاحتجاج على الاجراء الايراني المذكور، كما دعا برلمانها «المجلس الاتحادي« سلطات الاحتلال الايرانية الى ازالة الانشاءات الاخيرة التي اقامتها على الجزيرة، ووجه نداء الى برلمانيي العالم الى مساندة الامارات في استعادة جزرها الثلاث، فمن باب اولى ان تبادر دول مجلس التعاون كل على حدة باصدار موقف صريح رسمياً يبدي هذه المؤازرة والتعاون القوي مع الامارات، ويؤكد حقها المشروع في استعادة جزرها الثلاث، ولا يكتفى فقط بالموقف الاستنكاري الذي صدر عن الامين العام لمجلس التعاون مؤخراً. كما من الاهمية بمكان ان تبادر كل البرلمانات العربية وفي مقدمتها برلمانات ومجالس شورى دول مجلس التعاون بتلبية نداء البرلمان الاماراتي بابداء المساندة القوية لحق الامارات المشروع في استعادة جزرها الثلاث. لقد قلنا مراراً إنه ينبغي على مجلس التعاون وعلى دوله ان ترتقي بمواقفها تجاه مسألة احتلال ايران للجزر الاماراتية الثلاث الى موقف يجمع بين المرونة والحزم لكي تدرك طهران جيداً دول مجلس التعاون هذه المسألة المصيرية كمسألة مقدسة وغير منسية لدى دولة الامارات بوجه خاص ولدى دول مجلس التعاون بوجه عام. وبدون ذلك فستظل ايران تواصل فرض سياسة وتكريس الامر الواقع لاحتلالها الجزر بل واضفاء المشروعية على هذا الاحتلال بل ستتجرأ باستنكار من يندد باحتلال الجزر كما دأبت ان تفعل مع كل بيان هلامي فضفاض خجول يصدر عن مجلس التعاون منذ سنين بعيدة.
 
صحيفة اخبار الخليج
20 اغسطس 2008

اقرأ المزيد

لا إصلاح بدون تحديث

الإصلاح مقترن بالتحديث،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن المضي‮ ‬في‮ ‬الإصلاح وتعميقه إلا عبر تعزيز نهج التحديث،‮ ‬الذي‮ ‬يتطلب عزيز وتقوية دور القوى الحديثة في‮ ‬المجتمع،‮ ‬كونها ضمانة من ضمانات بناء الدولة والمجتمع بآفاق عصرية،‮ ‬تقدم بديلاً‮ ‬مغايراً‮ ‬لما تعدنا به القوى التقليدية وتعمل في‮ ‬سبيله‮.‬ القوى التقليدية وبحكم بنيتها الاجتماعية والفكرية والمصالح المترتبة على ذلك تحمل عداءاً‮ ‬سافراً‮ ‬أو مبطناً‮ ‬للحداثة،‮ ‬لأن آليات هذه الحداثة كفيلة بتفكيك بُناها،‮ ‬لذا فهي‮ ‬لا تتعاطى مع الإصلاح كقضية مجتمعية شاملة،‮ ‬وإنما تريد له أن‮ ‬يكون وسيلة لإعادة هيكلة العلاقة مع البنى التقليدية الأخرى المشابهة لها جوهراً،‮ ‬حتى وان تضادت معها في‮ ‬الشكل‮. ‬ والتحديث الذي‮ ‬نتحدث عنه‮ ‬يشمل مجالات عديدة‮: ‬التحديث في‮ ‬الوعي‮ ‬وفي‮ ‬الإدارة وفي‮ ‬شكل المشاركة الشعبية والسياسية‮. ‬ومجتمعنا خطا خلال السنوات القليلة الماضية خطوات أمنت مقدارا مهما من الانفراج السياسي،‮ ‬وأتاحت مقادير‮ ‬يُعتد بها من حرية الرأي‮ ‬والتعبير والتنظيم في‮ ‬مجالات مختلفة،‮ ‬وهناك أسس موضوعية في‮ ‬المجتمع تؤسس لتطور هذه التدابير وتعززها‮. ‬ لكن مبادرات مهمة مازالت منتظرة في‮ ‬هذا الاتجاه،‮ ‬لأننا لا ننظر لهذه العملية بوصفها تصحيحاً‮ ‬لوضعٍ‮ ‬خاطئ كان قائماً‮ ‬فحسب،‮ ‬وإنما أيضا،‮ ‬وأساساً،‮ ‬كونها عملية من أجل تحقيق أهداف حيوية تتصل بالإصلاح السياسي‮ ‬والاقتصادي،‮ ‬وبتحسين الأوضاع المعيشية للمواطن وللتغلب على أوجه الفساد في‮ ‬الجهاز الإداري،‮ ‬وإعادة تأهيل هذا الجهاز ليستوعب مهام الإصلاح ويكون قادراً‮ ‬على الوفاء باستحقاقاتها‮.‬ كما‮ ‬يقتضي‮ ‬ذلك تفكيك البنية التشريعية المحافظة والرجعية التي‮ ‬تعود لحقبة أمن الدولة،‮ ‬التي‮ ‬صُممت في‮ ‬الكثير من وجوهها لحماية تلك المرحلة،‮ ‬لتحل محلها بنية تشريعية جديدة تتواءم وحاجات الإصلاح،‮ ‬لأن من شأن بنية مثل هذه أن تشكل القاعدة الضرورية التي‮ ‬تدعم تطور المجتمع المدني‮ ‬ونهوضه بالأعباء الواقعة عليه،‮ ‬وتوسع نطاق الحريات العامة وتضمن الرقابة على المال العام وحمايته من التطاول عليه‮.‬ ويتصل بهذه المهام تطوير أنظمة التعليم،‮ ‬وإشاعة المناخ الديمقراطي‮ ‬في‮ ‬مجال الثقافة والإعلام ورعاية التربية والفنون والآداب عبر توفير البنية الأساسية اللازمة لإيصال الخدمات الثقافية الضرورية إلى القطاعات الشعبية الواسعة،‮ ‬والتأسيس لمفهوم التنمية الثقافية بوصفه أحد أوجه التنمية المستدامة الموجهة نحو بناء الإنسان وتطوير مهاراته الذهنية والمهنية‮.‬ إن نهجاً‮ ‬متوازناً‮ ‬ومتكاملاً‮ ‬مثل هذا‮ ‬يستند إلى رؤية أو تصور شامل للإصلاح السياسي‮ ‬والإداري‮ ‬والمالي‮ ‬من شأنه أن‮ ‬يوفر بيئة اجتماعية تساعد على الحد من مظاهر الاحتقان والتعصب والميول المحافظة،‮ ‬ويساعد على إشاعة ثقافة الحداثة ودمقرطة بنى المجتمع المختلفة،‮ ‬لأنه‮ ‬يؤمن تفاعلا أوسع وأكثر ديناميكية بين قوى الإصلاح في‮ ‬المجتمع،‮ ‬وهي‮ ‬قوى فاعلة وتمتلك طاقات تغيير كبيرة،‮ ‬لكنها مازالت‮ ‬غير موظفة بالصورة الصحيحة‮.‬ ‮ ‬سيخلق ذلك ديناميات جديدة تجعل من الإصلاح قضية اجتماعية‮ – ‬سياسية مركبة تعني‮ ‬المجتمع كله في‮ ‬مواقعه المختلفة،‮ ‬بما‮ ‬يساعد على بلورة محتوى جديد للمجتمع المدني،‮ ‬ليصبح محتوى موجهاً‮ ‬نحو بناء الدولة الحديثة القائمة على مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص أمام جميع المواطنين.
 
صحيفة الايام
20 أغسطس 2008

اقرأ المزيد