المنشور

الصراع الطائفي المناطقي

فيما تمثل السنية المذهبية أغلبية العالم الإسلامي، فإن الأقليات المذهبية والدينية تسعى إلى أدوار تتجاوز أحجامها، وبهذا فإن ثمة إشكاليات على صعيدي تطور المذهبية السياسية السنية كأنظمة، وخطورة بقائها في التقليدية والشمولية، وسعي الأقليات إلى تجاوز أحجامها والتغلغل في منطقة الأكثرية، وتحويل الصراع مع الهيمنة الخارجية إلى صراع بين المسلمين أنفسهم.
إن المحور الإيراني – السوري، تدخل فيه إسرائيل من نافذة خلفية، فهي تمثل كذلك أقلية دينية في المنطقة، فيحدثُ لقاءٌ ديني بين الأقليات الكبيرة، وهي تجدُ في منطقة السنة الواسعة المعتدلة الفضفاضة اجتماعيا والمتقطعة جغرافيا، ساحة تغلغل وتغيير وتأثير، مستندة كلها إلى أنظمة شمولية قوية، تخشى من ديمقراطية حقيقية، فتجعل المذهب أو الدين أداة تمييز بين المواطنين.
وبهذا فإن هذا المحور الإيراني – السوري في حالة تصدع، أو هو يعيش تناقضات كبيرة أمام التطور الطبيعي في العالم، فسوريا تسعى إلى سلام مع إسرائيل، واستعادة أرضها المغتصبة من الغزو الغاشم لإسرائيل، لكن بحيث لا تتصدع علاقاتها مع إيران، وهذا أمر صعب، لأن سياسة نجاد جعلت إيران في حالة حرب مع إسرائيل.
والسلام السوري مع إسرائيل رغم أنه سراب سياسي فإنه صار أمرا مهما للقيادة السورية للخروج من تبعات تدخلها الدامي في لبنان، لكنها تحاول الابقاء على علاقاتها مع إيران، وبهذا فإن علاقاتها مع حلفائها داخل لبنان يمكن أن تتغير بمقدار خروجها، وبمقدار تبعيتهم للسياسة الإيرانية.
تقوم سياسات الأقليات المذهبية والدينية على اختراق المنطقة السنية الكبرى، بحيث تحول تلك الأنظمة الصراع داخلها من صراع اجتماعي ضد سيطرتها على الثروة والحكم إلى صراع طائفي يعزز سيطرتها، بل يحولها إلى قوى متنفذة في المنطقة.
وقد رأينا في مقالات (صراعات الطوائف والطبقات) كيف تمتد هذه التدخلات في رقعة واسعة. لقد رأينا كيف تظهر هذه التدخلات في العراق بشكل وفي لبنان بشكل آخر وفي اليمن، أي في المشرق العربي بصفة خاصة.
وقد رأينا كذلك كيف أن النمو الليبرالي أو الديمقراطي قد تجمد في المحور، فتوجهت القوى السائدة نحو إحياء روابط قديمة، وإحداث تقارب بين مذاهب متباعدة من أجل حراك سياسي غير بناء.
إن اختراق المنطقة السنية يمثل لها اختبارا مهما فهي تركز في أن هذه المنطقة متهمة في ولائها للإسلام وللحرية وبكونها تابعة للغرب، كما تقول للجمهور الواسع، وبهذا فهي تتعرض للاختراق خاصة عبر الأقليات المذهبية الداخلية، وتحولها إلى قوى مساندة لسياستها.
هذا حدث لحماس في غزة التي وجدت نفسها في صراعها لضرب منظمة التحرير الفلسطينية تلتقي المحور الإيراني – السوري، والسياسة الإسرائيلية السابقة، وهي إذ تعزز مواقع الصقور في السياسة الإسرائيلية الراهنة، تضع نفسها كعقبة لتطور سياسة السلام.لقد قلبت حماس طبيعتها المذهبية، وصارت فقط أداة سياسية لصراع مناطقي، معرضة نضال الشعب الفلسطيني لأخطار فادحة، فلم تعرف القضية الفلسطينية مثل هذا النزاع رغم احتضانها العالمي الكبير الآن.
وراحت غزة تدفع ثمن هذه السياسة المراد لها تسخين المنطقة وتوتيرها بشكل مستمر، لكن سكان غزة هم من يدفع الثمن الباهظ لمواجهة كهذه.
وهذا ما جربه الشعب اللبناني بمرارة دافعاً ثمناً هائلاً لهذا.
في إيران وسوريا هناك شعور قوي في الدوائر الرسمية بأن زمن الدكتاتورية يتوجه نحو نهايته المحتومة، وأن المذهبية المحافظة هي أكبر متراس لهما، وأن الإماميات يجب أن تتحد وتتغلغل وتثير القلاقل معتمدة على الشعارات الحماسية بضرب الغرب والتبعية، لكن الجمهور في البلدين خاصة يتوجه لرفض هذه السفاسف السياسية ويطالب بتغيير الأوضاع المعيشية والسياسية بالداخل أولاً، وأن هذه السياسات المعارضة للمسلمين والممزقة لوحدة صفوفهم هي كارثة على الجميع.
وقد بدأ ذلك في العراق وراح الشيعة العراقيون الوطنيون يبحثون عن مصالح وطنهم المستقلة، ويتخذون خيارات نابعة من هذه المصالح بغض النظر عما تقول الدول الأخرى.
ولكن التدخلات الارهابية الدموية التي تجري من أجهزة غير معروفة بشكل كلي حتى الآن تهيجهم وتدفعهم لخيارات معاكسة، وهو أمرٌ لا تخفى دلالاته، فهذه الأجهزة السرية لا يهمها السكان الذين تقتلهم من أي مذهب كانوا ولكن يهمها بقاء العراق في هيمنتها.
يجري صراع طائفي رهيب في العراق يعكس ضعف الوطنية العراقية.
ومن جهةٍ أخرى فإن الدول السنية السائدة خاصة الدول المركزية ذات الأهمية لا تقوم بسياسات قومية وشعبية إصلاحية كبيرة تجعل السكان يلتفون حولها، فإداراتها مشغولة بمصالحها وكراسيها، وتجعل الأغلبية الشعبية عرضة لكل التردي المعيشي والتغلغلات، ولا تجابه التعنت الإسرائيلي والغربي المتدخل بما يرده.
وحين تظهر سياسة (سنية) ارهابية على طريقة القاعدة لكي (تحرر المسلمين من الذل) تزيدهم ذلاً وتبعية وتجعل الجيوش الأجنبية تتدخل في كل زوايا بلادهم.
هذا يتطلب كله سياسة علمانية عربية تحررية إسلامية مسيحية يهودية إنسانية، بمعنى أن تتفق كل القوى في المنطقة على السلام وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وتنهي احتلال الأراضي التابعة للجيران، وتجعل المواطنة هي الأساس تاركة الأديان والمذاهب للحياة الاجتماعية والعبادية، وتشكل مجتمعات ديمقراطية يقوم المواطنون بتغيير أوضاعهم فيها بما يتلاءم مع تقاليدهم السياسية.
إن كل الدول في المنطقة تعاني المشاكل نفسها، وإذ هي تقوم بالصراع بين بعضها بعضا، وتعتمد على الأقليات واختراق حدودها السياسية والاجتماعية فهي تحطم نفسها، وتتواجه في معارك لا غالب فيها ولا مغلوب بل تجعل نفسها عرضة للتفكك والغزو.
إن نشوء روابط وعلاقات بين قوى السلام والتحديث تمارس تأثيرات مشتركة في هذه المنطقة وتسعى إلى التقارب بين الدول والشعوب هو مطلب ملح، فالقوى القديمة “القوموية” والدينية لا تدرك تغير طبيعة المنطقة والحاجة إلى وحدة شعوبها وأممها، فتتوجه للصراعات دائماً، وتأجيج المنطقة مع انها في وضع غير قادر على مثل هذه المواجهات، وترفض توسع علاقات حسن الجوار والسلام بين كل هذه الشعوب.

صحيفة اخبار الخليج
23 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

بيت التقدميين

وسط حضورٍ‮ ‬حاشد لقادة وممثلي‮ ‬الجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني‮ ‬وشخصيات من مختلف الأطياف السياسية،‮ ‬الليبرالية والإسلامية وسواها،‮ ‬والإعلاميين والإعلاميات،‮ ‬والقيادات التاريخية لجبهة التحرير الوطني،‮ ‬إضافة إلى أعضاء وأصدقاء المنبر التقدمي،‮ ‬أقام المنبر حفل استقبال بمناسبة افتتاح مقره الدائم في‮ ‬مدينة عيسى‮.‬ أظهر الحضور الواسع والمتنوع في‮ ‬ذلك المساء البهيج ما‮ ‬يحظى به‮ »‬التقدمي‮« ‬ودوره السياسي‮ ‬والفكري‮ ‬في‮ ‬المجتمع من تقدير نابع،‮ ‬كذلك من التاريخ المشرف المفعم بالتضحيات الجليلة لأجيال من المناضلين والمناضلات الذين انضووا في‮ ‬صفوف جبهة التحرير الوطني‮ ‬التي‮ ‬يشكل‮ »‬التقدمي‮«  ‬اليوم امتدادها التنظيمي‮ ‬والفكري‮ ‬والسياسي‮.‬ من الخلية الأولى التي‮ ‬أسست جبهة التحرير قبل أكثر من خمسين عاما انبثقت خلايا عمت الوطن كله من أقصاه إلى أقصاه بالمعنى الحرفي‮ ‬للكلمة،‮ ‬وليس المعنى المجازي،‮ ‬فالتيار الذي‮ ‬يمثله‮ »‬التقدمي‮« ‬هو تيار لكل الوطن ولكل الشعب بكل فئاته وشرائحه وطوائفه‮.‬ ومن البيوت السرية والأوكار الحزبية التي‮ ‬كان‮ ‬يجتمع فيها المناضلون في‮ ‬عقود الجمر الطويلة،‮ ‬وقف أعضاء التقدمي‮ ‬وأنصاره وحلفائه وضيوفه مساء الأحد الماضي‮ ‬في‮ ‬صرحهم الدائم والمضيء،‮ ‬بعد أن أصبح الحلم الذي‮ ‬سعت إليه أجيال من أجل حرية العمل الحزبي‮ ‬وعلنيته حقيقةً،‮ ‬بفضل تضحيات مناضلينا ومناضلي‮ ‬القوى الوطنية والشعبية الأخرى وجماهير شعبنا،‮ ‬وبفضل المناخ الايجابي‮ ‬الذي‮ ‬تحقق في‮ ‬البلاد بعد التحولات السياسية التي‮ ‬جاءت مع المشروع الإصلاحي‮ ‬لجلالة الملك‮.‬ امتلاك الجمعيات السياسية لمقرات دائمة تملكها هو مظهر من مظاهر تكريس العمل الحزبي‮ ‬العلني،‮ ‬و»مأسسة‮« ‬عمل هذه الجمعيات،‮ ‬لتغدو أطراً‮ ‬منظمة وفق التقاليد الحزبية المعمول بها في‮ ‬البلدان الأخرى‮.‬ استذكر التقدميون في‮ ‬ذلك المساء تاريخ تيارهم العريق،‮ ‬خاصة بحضور قامات نضالية كبيرة كان لها دور كبير في‮ ‬صنع هذا التاريخ،‮ ‬من مؤسسي‮ ‬جبهة التحرير وقادتها وأفراد الرعيل الأول من مناضلي‮ ‬الجبهة وكذلك كوادرها المتقدمة في‮ ‬المراحل النضالية المختلفة الذين ذاقوا مرارات السجون والمعتقلات والمنافي‮.‬ ‮ ‬كما استذكروا من قدم حياته قرباناً‮ ‬لقضية الوطن وقضية الفكر التقدمي‮ ‬الإنساني،‮ ‬وبشكل خاص‮  ‬أحمد الذوادي‮ ‬الأمين العام لجبهة التحرير وأول رئيس للمنبر،‮ ‬وكذلك أسماء‮: ‬حسن نظام وعلي‮ ‬مدان وسعيد العويناتي‮ ‬والدكتور هاشم العلوي‮ ‬وعزيز ماشاء الله،‮ ‬وسواهم من المناضلين الذين فقدناهم وكان آخرهم كريم سلمان وحميد عواجي‮ ‬وجمال عمران وأحمد الفاتح‮.‬ أي‮ ‬انجاز‮ ‬يُحققه‮ »‬التقدمي‮« ‬اليوم هو في‮ ‬وجه من وجوهه ثمرة لنضالات هؤلاء وتضحياتهم الغالية،‮ ‬هم وأجيال من المناضلين تعاقبت على هذا التيار المناضل الذي‮ ‬وجد ليبقى،‮ ‬والذي‮ ‬سيظل راسخاً‮ ‬في‮ ‬تربة البحرين الطيبة بعزيمة وإرادة وتصميم مناضليه ووحدة صفوفهم التي‮ ‬تحظى،‮ ‬دائماً،‮ ‬بأهمية قصوى‮.‬ المنبر التقدمي‮ ‬هو اليوم إحدى القوى السياسية الرئيسية في‮ ‬البلد،‮ ‬المعروفة بالمبدئية وبالرصانة السياسية،‮ ‬وتحظى مواقفه بالتقدير من قطاعات واسعة في‮ ‬المجتمع،‮ ‬وهو‮ ‬يضم في‮ ‬صفوفه طاقات وكفاءات مشهود لها في‮ ‬مجالات مختلفة‮.‬ كما انه‮ ‬يختزن خبرات وإمكانيات كامنة ما زال متعيناً‮ ‬عليه توظيفها بصورة خلاقة ومبدعة في‮ ‬خدمة عمله من أجل مواصلة بناء هياكل المنبر وتوسيع قاعدته وتعزيز حضوره السياسي‮ ‬في‮ ‬النضال من أجل الديمقراطية والإصلاح السياسي‮ ‬والدستوري‮.‬
 
صحيفة الايام
23 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

الفتى الكسندروس‮ ‬يموت بطلاً

لم‮ ‬يكن الفتى الكسندروس‮ ‬يدرك‮  ‬انه سيخلد للموت،‮ ‬مثلما لم‮ ‬يكن‮ ‬يعرف انه بعد موته سيصبح بطلا إغريقيا لزمنه،‮ ‬وانه سيشعل بين الطلبة والشبيبة في‮ ‬كل الجزر اليونانية‮ ‬غضبا عارما وتساؤلا عميقا عن كل ما‮ ‬يدور من فساد وسوء إدارة في‮ ‬سلك الأمن والشرطة‮. ‬كل تلك التساؤلات بدأت تتفجر بشكل واضح وان لم تكن ناتجة عن تلك الحالة لمقتل الفتى،‮ ‬بقدر ما تداخلت القضايا المجتمعية والاقتصادية والتعليمية معا،‮ ‬فحملت في‮ ‬طياتها ذلك الغضب المكتوم نحو شوارع أثينا وضواحيها والمدن الصغيرة حتى مدينة سالونيكي‮ ‬في‮ ‬الشمال اكبر ثاني‮ ‬المدن اليونانية،‮ ‬فالتقت بذلك الحركة الشبابية والطلابية والنقابية والأحزاب السياسية معا في‮ ‬تطاحن حقيقي‮ ‬من حكومة اليمين بقيادة كرامنليس،‮ ‬التي‮ ‬حاولت ولا تزال تحاول امتصاص الغضب تحت كل الحجج والوسائل والوعود،‮ ‬فهل بالفعل موت الفتى كان سببا وراء تلك الأزمات المستفحلة أم انه الشرارة التي‮ ‬أشعلت الغابة المعفنة بالمستنقعات التي‮ ‬مر وقت طويل لها دون أن تنجح في‮ ‬تجفيفها كل الحكومات السابقة؟‮  ‬بما فيها حكومة الحزب الاشتراكي‮ ‬والأحزاب اليسارية الذين وجدوا في‮ ‬علة الوضع فرصة ذهبية لإسقاط الحكومة الحالية،‮ ‬معتبرين حالة تزايد وتضخم الوضع حتى درجة التردي‮ ‬فرصة لهم،‮ ‬والشعور بأن اليونان بدأت تعيش أوضاعاً‮ ‬معيشية متدهورة لا تليق بدولة عضو في‮ ‬الاتحاد الأوروبي‮. ‬لقد أثارت موجة الغضب والتخريب في‮ ‬الممتلكات المهولة حالة فزع لدى شرائح واسعة ومؤسسات مالية وتجارية،‮ ‬فقد اختلط الحابل بالنابل،‮ ‬وعمت كل تلك العمليات التخريبية الشوارع الرئيسة والفرعية لدرجة دفعت رئيس الوزراء كرامنليس بالإعلان عن إن الحكومة ستدفع تعويضا ماليا لكل من أصابهم التخريب،‮ ‬لعله‮ ‬يمتص‮ ‬غضبهم ويحاول الحفاظ على ناخبيه من تلك الأوساط والشرائح،‮ ‬بينما وجد الحزب الاشتراكي‮ ‬المعارض بقيادة باباندريوس نفسه‮ ‬يخرج للملأ معلنا إن الحكومة فشلت في‮ ‬مواجهة الأزمة وعليها التنحي‮ ‬وأن وتدعو لانتخابات مبكرة‮. ‬هانحن نتابع استمرار تصاعد الأزمة ومواصلة الشارع اليوناني‮ ‬احتجاجه بشكل عنيف وسلمي‮ ‬معا،‮ ‬فقد تركت النقابات للطلبة والشبيبة نهجها في‮ ‬الهيجان،‮ ‬ومواصلة السيطرة على ضواحي‮ ‬وبلديات المناطق وكأنها دخلت حالة حرب المتاريس والإدارة الذاتية للمناطق،‮ ‬بهدف إغلاق تلك المناطق التي‮ ‬شكلت ترسا من المحتجين،‮ ‬فيما راحت النقابات تسيّر مواكب هادئة لمشروعها وأزمتها الأسبق والأعمق من الغضب الطلابي‮ ‬والتعليمي‮ ‬الذي‮ ‬ازداد لهيبه مع موت الفتى الكسندروس وسقوط الجرحى واعتقال العديد منهم‮. ‬وفي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يحتفل العالم بذكرى مرور الستين عاما على تدشين مبادئ إعلان حقوق الإنسان،‮ ‬يجد اليونانيون أنفسهم اليوم في‮ ‬مواجهة رصاص الشرطة ومسيلات الدموع،‮ ‬وتجد الطرقات السياحية نفسها في‮ ‬تلك المناسبة تشتعل في‮ ‬وقت اعتادت فيه المدن والضواحي‮ ‬ارتداء حلة عيد الميلاد وأعياد رأس السنة،‮ ‬بل وتزداد في‮ ‬تلك الفترة من العام قوافل السياح القادمين من عواصم أوروبا الباردة إلى أثينا الدافئة،‮ ‬غير أن هذا العام سيكون أكثر كآبة وحزنا واضطرابا،‮ ‬إذ وضع اليونانيون خلفهم شعورهم بالفرح وعاداتهم الاحتفالية خلف ظهورهم وباتوا مستعدين للمواصلة في‮ ‬تحدي‮ ‬الحكومة والضغط عليها بالتنازل والاستعداد عن تحقيق كل المطالب المرفوعة،‮ ‬خاصة مطالب الحركة النقابية التي‮ ‬بدأت تشعر بمدى تردي‮ ‬وضعها الاقتصادي‮ ‬في‮ ‬ظل الأزمة المالية العالمية من جهة،‮ ‬ومن جهة أخرى نمو وثراء فاحش لقلة قليلة من المجتمع،‮ ‬وبذلك لم‮ ‬يعد الوضع محتملا بأكثر مما‮ ‬ينبغي،‮ ‬فقد اخرج العفريت المجتمعي‮ ‬رأسه من عنق الزجاجة وكسر كل ما‮ ‬يمكن كسره من صمت واستنفار وتشنج عاشه لسنوات عدة‮. ‬كان المجتمع بحاجة لأضحية وقربان الحرب كفداء‮ ‬يشعل الغضب‮. ‬ويبدو أن الأزمة اليونانية لن تكون داخلية،‮ ‬بقدر ما سيجد البرلمان الأوروبي‮ ‬نفسه كالعادة منقسما وبحدة هذه المرة،‮ ‬إذ سيصطف المحافظون وأحزاب اليمين مع أصدقائهم في‮ ‬اليونان بينما سيختار أحزاب اليسار والاشتراكيون مقاعدهم الاحتجاجية،‮ ‬وسيدعمون أصدقاءهم دون هوادة أو تراجع،‮ ‬فقد وجد البرلمان الأوروبي‮ ‬نفسه في‮ ‬وضع لا‮ ‬يمكنه الوقوف في‮ ‬منتصف الطريق أو التنازل عن شركاء المبادئ مهما كانت درجة الأخطاء والخطيئة،‮ ‬فكل طرف سيرفع عقيرته بالخطب والحجج كما‮ ‬يفعل في‮ ‬العادة،‮ ‬ولكنه في‮ ‬نهاية المطاف سيجد أمامه وضعا لا بد من معالجته وإلا بلغت حرائق أثينا البيت الأوروبي،‮ ‬إذ تشتكي‮ ‬غالبية دول الاتحاد الحالة التعليمية والنقابية والمعيشية المشكلة ذاتها وان كانت بدرجات مختلفة من بلد إلى آخر‮. ‬أخيرا تحول الفتى الكسندروس بطلا محاطا بإكليل من الغار،‮ ‬وكأنه‮ ‬يذكرنا بكل أبطال الإغريق القدماء العائدين بجثامينهم من معاركهم العظيمة،‮ ‬وهم محاطون بتأبين كبير‮ ‬يليق ببطولاتهم،‮ ‬فامتزجت القيم الميثولوجية القديمة والقيم الدينية الأرثوذكسية التي‮ ‬تبالغ‮ ‬في‮ ‬طقوس الموتى وتوديعهم حتى‮ ‬غرقت الشوارع بالزهور والشموع على قبر الفتى،‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يدور في‮ ‬خلده أبدا انه سيشعل الوطن بذلك الحجم من المواجهة ويصبح بطلا في‮ ‬تاريخها المعاصر‮.‬

صحيفة الايام
23 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

الاحتفاء بالحذاء وصاحبه‮ ‬يعبر عن أزمة ولا‮ ‬يعبر عن بعث جديد لأمة… تعساً‮ ‬لبعـث‮ ‬يكون رمزه حذاء…

‮»‬وعدنا بخفي‮ ‬حنين‮« ‬مثل‮ ‬يُضرب للتعبير عن خيبة الأمل،‮ ‬أو لمن بذل جهداً‮ ‬وكان العائد زهيداً،‮ ‬ولكن‮ ‬يبدو أن هذا المثل سيتغير ليصبح‮ »‬وعدنا بخفي‮ ‬منتظر‮« ‬إذ‮ ‬يبدو أن حذاء منتظر الزيدي‮ ‬سيدخل التاريخ العربي‮ ‬المعاصر من أوسع أبوابه،‮ ‬على أنه كان مرحلة تفصل ما قبلها عما بعدها،‮ ‬فقد أسس لنوع جديد من أنواع المقاومة،‮ ‬وشكل جديد من أشكال الرفض‮. ‬وحذاء الزيدي،‮ ‬الذي‮ ‬نشر أن ثريا عربيا عرض مبلغا كبيرا بالملايين لشرائه،‮ ‬ملايين كانت ستفرج كربة مئات المحتاجين في‮ ‬هذا العالم،‮ ‬سيصبح أحد مفردات الخطاب‮ »‬النضالي‮« ‬العربي‮ ‬المعاصر،‮ ‬الحذاء الرمز الذي‮ ‬استطاع أن‮ ‬يعبر عن الوقوف في‮ ‬وجه الاحتلال والإمبريالية،‮ ‬واستطاع أن‮ ‬يقول لا لبوش وطغمته الاستعمارية‮. ‬أما منتظر الزيدي‮ ‬فسيصبح علماً‮ ‬من أعلام النضال العربي‮ ‬المعاصر،‮ ‬وهو الذي‮ ‬عبر في‮ ‬مقابلة تلفزيونية سابقة مع تلفزيون المستقبل،‮ ‬عن شكره لجورج بوش الصغير لإزاحة كابوس صدام حسين عن العراقيين‮. ‬
تعجبت كثيراً‮ ‬حقيقة لرد الفعل العربي‮ ‬الجماهيري‮ ‬لما فعله الزيدي،‮ ‬وكل هذا الهيجان الذي‮ ‬أثاره حذاء قُذف في‮ ‬وجه رئيس،‮ ‬وليس أي‮ ‬رئيس،‮ ‬بل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية،‮ ‬أقوى قوة على وجه الأرض اليوم‮. ‬عبر الزيدي‮ ‬عن رأيه ورفضه بحذائه،‮ ‬وهذا أمر‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬دولة ديموقراطية من دون أن‮ ‬يثير لغطاً‮ ‬أو هيجاناً،‮ ‬فالأحذية كثيرة والبيض الفاسد أكثر،‮ ‬وذاك السرور والشعور بالرضى وعودة الكرامة الذي‮ ‬حققه الحذاء‮. ‬تعجبت حقيقة من هذا الهيجان وذاك الفخر الشعبي‮ ‬الذي‮ ‬أثاره الحذاء،‮ ‬بل ان بعض النخب،‮ ‬التي‮ ‬يُفترض فيها أن تكون أكثر وعياً،‮ ‬كانت من المحتفلين بالحذاء ورمزيته،‮ ‬كنمط من أنماط المقاومة،‮ ‬وشكل من أشكال الرفض‮. ‬اعتصام في‮ ‬بيروت،‮ ‬ومسيرات في‮ ‬بغداد،‮ ‬من أجل الحذاء وصاحب الحذاء،‮ ‬وخطب عنترية حول فلسفة الحذاء،‮ ‬وحوارات تلفزيونية حول مستقبل العراق بعد الحذاء،‮ ‬والحديث عن معجزات في‮ ‬كيف أن الحذاء الذي‮ ‬لم‮ ‬يصب رئيس أمريكا،‮ ‬أصاب علم أمريكا،‮ ‬ولم‮ ‬يتجه إلى علم العراق،‮ ‬وأمور أخرى عديدة،‮ ‬ولا أدري،‮ ‬فربما‮ ‬يأتي‮ ‬يوم‮ ‬يؤرخ به بحادثة الحذاء،‮ ‬فيُقال سنة كذا للحذاء،‮ ‬وعام كذا للحذاء،‮ ‬فكل شيء وارد في‮ ‬عالم تُضفي‮ ‬فيه الرمزية على ما لا‮ ‬يستحق الترميز‮. ‬
حادثة الحذاء برهنت،‮ ‬لي‮ ‬على الأقل،‮ ‬أن عالم العرب لم‮ ‬يتغير،‮ ‬ولا‮ ‬يُريد أن‮ ‬يتغير،‮ ‬وهنا تكمن مشكلة مشكلاته‮. ‬فلو كانت حادثة الحذاء هذه جرت أيام حكم‮ «‬الرفيق القائد‮»‬،‮ ‬وكان الحذاء قد قُذف في‮ ‬وجه مسؤول حزبي‮ ‬أو حكومي،‮ ‬ولا أقول صدام حسين نفسه،‮ ‬فذاك انتحار سريع بإطلاق رصاصة على الرأس مباشرة،‮ ‬أو تذويباً‮ ‬في‮ ‬أحواض الأسيد،‮ ‬وذلك بعد نفخ الأحشاء بالمنفاخ بطبيعة الحال،‮ ‬لوجدنا فيها شيئاً‮ ‬من الشجاعة والدفاع عما بقي‮ ‬من كرامة،‮ ‬إذ ان ذلك‮ ‬يُشكل أضعف الإيمان في‮ ‬التعبير عن الرفض‮. ‬بل لو أن الحذاء قُذف في‮ ‬وجه‮ »‬زعيم‮« ‬عربي‮ ‬آخر،‮ ‬من زعماء القهر والاستعباد،‮ ‬وما أكثرهم امتداداً‮ ‬من الماء إلى الماء،‮ ‬لكان للقضية وجه آخر‮. ‬أما أن‮ ‬يحدث ذلك في‮ ‬وقت‮ ‬يقتل فيه العراقيون بعضهم بعضاً،‮ ‬ويموت آلاف الجنود من أمريكا،‮ ‬فلا أظن أن قذف حذاء في‮ ‬وجه أمريكي‮ ‬آخر،‮ ‬حتى لو كان الرئيس الأمريكي‮ ‬نفسه،‮ ‬مسألة تتطلب شجاعة،‮ ‬أو تحقق هدفاً،‮ ‬والأسلحة في‮ ‬كل‮ ‬يد‮. ‬أنا لست محبذاً‮ ‬للعنف أو لسفك الدماء،‮ ‬أو لأسلوب الاغتيالات حلاً،‮ ‬ولكن لو أن قاذف الحذاء استبدله ببعض الرصاصات،‮ ‬المتوفرة بالعراق كما الأرز العراقي‮ ‬أيام زمان،‮ ‬لقلنا قولاً‮ ‬آخر،‮ ‬بغض النظر عن تأييد أو رفض مثل هذا الأسلوب،‮ ‬ولكن أن‮ ‬يتمخض الجبل فيلد فأراً،‮ ‬فإن تلك مسألة أخرى‮. ‬أنا واثق من أن صاحب الحذاء كان‮ ‬يعلم أنه بفعلته هذه لن‮ ‬يحصل له أي‮ ‬شيء،‮ ‬وإن حصل شيء،‮ ‬فأمر‮ ‬يمكن احتماله في‮ ‬مقابل الشهرة والرمزية التي‮ ‬سيحظى بهما،‮ ‬في‮ ‬عالم‮ ‬يبحث عن بطل،‮ ‬أي‮ ‬بطل،‮ ‬حتى لو كان بطلاً‮ ‬من ورق أو كان مصنوعاً‮ ‬من جلد كما الحذاء‮. ‬
من خلال حكاية الحذاء وذاك السرور الذي‮ ‬قوبلت به في‮ ‬عالم العرب،‮ ‬يمكن قراءة الكثير عن أوضاع عالم فقد بوصلة الاتجاه،‮ ‬وسفينة فقدت دفتها،‮ ‬وليس ضمن تلك القراءة أن كراهية أمريكا في‮ ‬المنطقة قد وصلت مداها،‮ ‬لدرجة أن قذف رئيسها بحذاء أثلج كثيرا من الصدور،‮ ‬وأفرح كثيرا من القلوب،‮ ‬فكراهية أمريكا بوش الصغير وجماعة المسيحيين الجدد،‮ ‬مسألة مفروغ‮ ‬منها،‮ ‬بل ان هذه الكراهية أصبحت على مستوى العالم كله،‮ ‬فلم‮ ‬يدع بوش الصغير والمسيحيون الجدد مجالاً‮ ‬لتكريه العالم بهم إلا وسلكوه،‮ ‬بدءاً‮ ‬من تلك الغطرسة التي‮ ‬لا ترى العالم إلا من خلال أمريكا،‮ ‬أو لا ترى في‮ ‬العالم إلا أمريكا،‮ ‬وانتهاء بذاك الغرور الذي‮ ‬يعبر عنه ذلك المثل المصري‮ ‬القائل‮: «‬يا أرض اتهدي‮ ‬ما حدش أدي‮»‬،‮ ‬وما بينهما من سلوكيات جعلت حتى حلفاء أمريكا‮ ‬يشعرون بالمقت والتقزز من كونهم حلفاء لأقوى قوة ظهرت في‮ ‬التاريخ،‮ ‬ولكن على رأسها جماعة تزدري‮ ‬كل أحد،‮ ‬بعقل ضيق الأفق،‮ ‬بحجم جمجمة لا‮ ‬يتوافق مع حجم الجسد،‮ ‬وذلك مثل ديناصور ضخم الجسد،‮ ‬ولكن جمجمته صغيرة‮. ‬ثماني‮ ‬سنوات من حكم جورج الصغير وجماعته،‮ ‬حولت أمريكا من‮ «‬الحلم الكبير‮» ‬إلى‮ «‬الكابوس العظيم‮». ‬حولت أمريكا من راعية الحرية،‮ ‬إلى قامعة الحرية،‮ ‬ومن الإيمان بمبادئ الإنسان،‮ ‬إلى التلاعب بمبادئ الإنسان،‮ ‬ومن رومانسية ويلسون،‮ ‬وحكمة روزفلت،‮ ‬وإنسانية لينكولن،‮ ‬وشجاعة آيزنهاور وكينيدي،‮ ‬إلى سذاجة بوش الصغير وحماقاته التي‮ ‬حولت إرثاً‮ ‬عظيماً،‮ ‬إلى كومة من الأكاذيب والنفاق‮. ‬
وعودة إلى حكاية الحذاء،‮ ‬أقول إن حذاء الزيدي،‮ ‬وليس خفي‮ ‬حنين،‮ ‬عبر عن أعظم أزمة تعيشها أمة العرب،‮ ‬إن كان هنالك أمة عرب،‮ ‬ألا وهي‮ ‬أنها أمة خاوية الوفاض،‮ ‬لم‮ ‬يعد لديها إلا التعلق بقشة كي‮ ‬تنجو من الغرق،‮ ‬أو تعتقد أنها تنجو من مستقبل لا‮ ‬يحمل إلا الأسوأ،‮ ‬فكلما ظننا أن الأسوأ قد مضى،‮ ‬فإذا هو بالمرصاد‮. ‬كرامة ممرغة بالتراب،‮ ‬وعزة نفس لا نجدها إلا بومضات لا تكاد تُذكر من ماض تليد ليس له أن‮ ‬يعود،‮ ‬مهما افترضنا‮ ‬غير ذلك،‮ ‬وفخر نبحث عنه كما‮ ‬يبحث الخيميائيون عن حجر الفلاسفة،‮ ‬ولكن كلها أوهام تجر أوهاما،‮ ‬وواقع‮ ‬يجثم على الصدر‮: ‬قلة حيلة،‮ ‬مستقبل مجهول،‮ ‬شعور بالهامشية رغم الادعاء،‮ ‬اغتراب نفسي‮ ‬واجتماعي،‮ ‬ثقافة لا علاقة لها بالعصر رغم استهلاك منتجات العصر،‮ ‬كره وإعجاب مكتوم بعدو لا‮ ‬يشكل واحدا بالمائة من عالم عربي‮ ‬ممتد الأطراف،‮ ‬ولكنه مهيمن ومساهم في‮ ‬حضارة لا نعترف بها،‮ ‬ولكننا من رضاعها،‮ ‬والمستفيدين من لبنها‮. ‬الاحتفاء بالحذاء وصاحبه‮ ‬يعبر عن أزمة ولا‮ ‬يعبر عن بعث جديد لأمة كانت ثم صارت،‮ ‬وتعساً‮ ‬لبعث‮ ‬يكون رمزه حذاء‮. ‬احتفى العرب بالحذاء وحكاية الحذاء،‮ ‬لأنهم‮ ‬يبحثون عن أي‮ ‬رمز‮ ‬يُعيد إليهم الثقة بالنفس،‮ ‬وتلك الكرامة والعزة والشعور بالإنسانية،‮ ‬تلك التي‮ ‬قتلها القريب قبل الغريب،‮ ‬حين قتل الإنسان باسم الإنسان،‮ ‬وحين قهر الشعب باسم الشعب‮. ‬كرامة العرب مُرغت في‮ ‬التراب بواسطة العرب،‮ ‬وكل ما فعله الأجنبي‮ ‬هو أنه استغل ما هو موجود،‮ ‬ففي‮ ‬النهاية ما لجرح بميت إيلام‮. ‬حذاء الزيدي‮ ‬حادثة عادية في‮ ‬كل أمم الأرض،‮ ‬ولكنها أصبحت بالنسبة لعرب اليوم تعبيرا عن كرامة مفقودة،‮ ‬ومقدمة لصلاح ثقافة جديدة،‮ ‬أو مهدي‮ ‬آخر الزمان،‮ ‬الذي‮ ‬يعيد الكرامة والعزة والعدل لقوم فقدوا أنفسهم مذ كان تاريخهم المكتوب،‮ ‬ومن كان في‮ ‬مثل هذا الوضع،‮ ‬فكل ما‮ ‬يحدث إشارة لشيء ما‮.. ‬ما هو هذا الشيء؟ من‮ ‬يعلم‮.. ‬فالأسطورة كفيلة بحل اللغز،‮ ‬ولا‮ ‬يحل الألغاز في‮ ‬منطقتنا إلا الأساطير‮. ‬
في‮ ‬نكتة حديثة حول الحذاء وحادثة الحذاء،‮ ‬يُقال إن القاعدة أعلنت استيراد مجموعة من الجزم العراقية‮. ‬وأيضا،‮ ‬وهذه ليست نكتة،‮ ‬جاء خبر بأن كاتب أغاني‮ ‬المطرب الشعبي‮ ‬شعبان عبد الرحيم‮ (‬المُنظّر السياسي‮ ‬والاستراتيجي‮ ‬لأمة العرب اليوم‮)‬،‮ ‬الشاعر إسلام خليل،‮ ‬كتب أغنية لمنظّر أمة العرب بعد حكاية الحذاء،‮ ‬أسماها‮ «‬ما لكش لزمة‮»‬،‮ ‬وتقول كلمات هذه الأغنية‮: ‬
خلاص ما لكش لزمة‮.. ‬
يا بوش‮ ‬يا ابن الذينا‮ ‬
تستاهل ألف جزمة‮.. ‬
على اللي‮ ‬انت عملته فينا‮ ‬
بجزمتين في‮ ‬وشك‮ .. ‬
هتسيب أمريكا على نارك‮ ‬
ويا عيني‮ ‬مش حتلحق‮.. ‬
يا بوش تاخذ بتارك‮ ‬
وهييييي‮.. ‬
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم‮.. ‬وعجبي‮..
 
صحيفة الايام
22 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

التلوث البحري.. ومصير التقارير الموضوعية؟

بعد فترة وجيزة من صدور تقرير ديوان الرقابة المالية، وما تضمنه من معلومات صريحة تتسم بالشفافية حول مخالفات خطيرة ترقى إلى اشكال ومظاهر من الفساد في عدد من الوزارات والمؤسسات العامة الاقتصادية، وهو التقرير الذي حظي بارتياح عارم واسع النطاق في الاوساط الصحفية والاعلامية والقوى السياسية بالنظر لشفافيته.. ها هو تقرير رسمي آخر يصدر مؤخرا لا يقل شفافية فيما تضمنه من معلومات وحقائق موضوعية.. انه التقرير الصادر عن الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة حول ما افضت إليه عمليات الردم والدفان على مدى ثلاثة عقود ونيف من نتائج كارثية على البيئة والثروة البحرية الغذائية ولاسيما ان هذه العمليات ظلت متواصلة طوال هذه الفترة الطويلة على نحو جنوني متفاقم عاما بعد عام من دون ادنى ضوابط تذكر او محاسبة تشريعية أو قضائية أو رقابة أمنية رادعة. يشير التقرير الذي وصفته «اخبار الخليج« تحت عنوان مانشيتها الرئيسي في عددها الصادر يوم 11/12/2008 بـ «الخطير« إلى ان المناطق التي تم ردمها بجميع مناطق البحرين هي مناطق متضررة وبضمنها سواحل أكبر واعرق مدينتين شمال العاصمة وجنوبها وسواحل جزيرة المدينة الثانية في البلاد «المحرق«، كما ينذر التقرير من تدهور المزيد من البيئات الغنية بالتنوع البيولوجي المجاورة لمناطق الدفان مما سيؤدي إلى الاجهاز على الكائنات الحية وتلويث وتعكير المياه البحرية والتناقص السريع في مخزون الثروة السمكية التي تعتمد عليها شريحة كبيرة من المواطنين في غذائها اليومي، ناهيك عن تعرض مهنة الصيد للانقراض، ومما زاد من تفاقم حدة الازمة البيئية البحرية، كما يذكر التقرير، كون اغلب مشاريع الردم والدفان تجرى متواصلة على قدم وساق من دون تراخيص رسمية قانونية (انظر «اخبار الخليج«، نفس العدد). ومن الجدير بالذكر أيضا ما أكده تقرير «الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية« ذاته أن المناطق الساحلية المنكوبة هي من اغنى البيئات البحرية وأكثرها تنوعا على الاطلاق، في حين ادت عمليات الردم والدفان العشوائى الهمجية إلى فقدان التنوع البيولوجي من بيئات احيائية بحرية، ومصادر جينية.. الخ، ناهيك عن تدمير مناطق التكاثر والتغذية للكائنات البحرية وفقدان هذه الحاضنات البيئية مصادر التغذية التي تقتات منها تلك الكائنات البحرية، وكان النائب ناصر الفضالة رئيس لجنة التحقيق النيابية في تلوث البيئة البحرية قد صرح للصحافة المحلية بأن سواحل البلاد وبحرها تتعرض للتدمير لصالح مشاريع تستنزف ثروات البلد الطبيعية واصفا وضع هذه السواحل في ضوء جولة عمل بحرية تفقدية قام بها اعضاء لجنة التحقيق النيابية بأنه امر محزن لان معظم الجزر المدفونة لجهات خاصة، وان المنطقة المدفونة المخصصة لمشروع اقامة المدينة الشمالية تنشر تلوثا لمساحات شاسعة، وان دفان المناطق التي اقيم عليها المرفأ المالي، وجزيرة «امواج« و«ديار المحرق«، كلها جرت وفق عمليات مدمرة للبيئة البحرية، وان الحجارة التي توضع بحجة حماية البيئة البحرية هي لحماية رمل المالك، وان خليج توبلي تنبعث منه روائح كريهة، وان لا سواحل عامة، وان دفان مشروع الدرة يستفيد منه ساكنو هذا المشروع فقط، وان مثل هذه المشاريع تنذر بمخاطر وكوارث بيئية بحرية منتظرة. وإذ نكتفي بهذا القدر من أهم ما تضمنه تقرير «الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية« والتصريحات التي ادلى بها النائب ناصر الفضالة حول أهم النتائج التي خرجت بها لجنة التحقيق النيابية حول نفس الموضوع، وحيث يمكن الرجوع للمزيد من تفاصيل كل ذلك في التقرير الذي نشرته «أخبار الخليج« في العدد الآنف الذكر فان التساؤلات المهمة التي تطرح نفسها هنا هي: ماذا بعد كل تقرير رسمي يتسم بقدر معقول من الشفافية حول أي موضوع أو قضية وطنية آنية فائقة الأهمية؟ وماذا بعد كل تقرير نيابي تصدره السلطة التشريعية يتسم ايضا بقدر معقول من الشفافية والحقائق الموضوعية؟ هل المطلوب كانجاز اصدار هذه التقارير الموضوعية الشفافة في حد ذاتها سواء صدرت عن احدى غرفتى السلطة التشريعية، كمجلس النواب، أم عن أي جهة تمثل السلطة التنفيذية كديوان الرقابة المالية و«الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية«؟ ثم كفى الله المؤمنين شر القتال بعد «شوية« زوبعة من اثارة الضجة الصحفية، و«شوية« من إثارة الزوبعة تحت قبة البرلمان؟ ثم تعود المياه إلى مجاريها لا اقصد هنا المياه البحرية بل مياه الكارثة البيئية كما هي عليه ماضية قدما وتفاقما في تدمير ما تبقى من البيئة البحرية ان يكن تبقى شيء منها؟ الم تصدر قبل مثل هذه التقارير تقارير اشرفت عليها بعض الجهات الرسمية العليا استقدمت افضل الخبراء العالميين في البيئة البحرية نظير أموال طائلة، ثم اودعت توصياتها الارشيف أو الادراج وراحت هباء منثورا؟ وقبلها ألم تصدر تقارير اشرفت عليها ذات الجهات الرسمية العليا حول حقائق مذهلة عن مستوى المعيشة في البحرين ومعدل الفقر والبطالة والمستوى الادنى المفترض للأجور الكفيل بحياة كريمة للأسرة البحرينية، ثم أودعت ايضا ارشيفات الدوائر الرسمية اعقبتها تقارير رسمية تنسف وتناقض لا بل اعقبتها تقارير رسمية لا ترقى للموضوعية لانها تنسف وتتناقض مع ما سبق ان صدر من دراسات وتقارير رسمية سابقة تتسم بالمصارحة والشفافية في ورش ومنتديات اشرفت عليها ذات الجهات الرسمية العليا؟ والحال انه ما لم يستفد على نحو جدي من هذه التقارير الرسمية والبرلمانية الموضوعية لوضع آليات تشريعية ورقابية صارمة لعلاج كل تلك المشاكل والازمات الآنية المزمنة ووضع حد لها فاننا سنبقى نتغنى بانجازات التقارير الموضوعية الشفافة تلو التقارير الشفافة، لكن ستظل مشاكلنا وازماتنا هذه تراوح مكانها وتتفاقم فكأنك بالتالي يا زيد ما غزيت.

صحيفة اخبار الخليج
22 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

حريات النساء مقياس للديمقراطية

كلما ازدادت حريات النساء كان التقدم الاجتماعي أكبر، وتواجه الدول والجماعات المحافظة اليمينية و(اليسارية) اختباراً قوياً لمدى إيمانها بالديمقراطية اللفظية حتى الآن، ويتحدد ذلك بمدى قدرتها على إحداث تطورات كبيرة في حياة النساء في وضع يهيمن فيه الذكورُ هيمنة مطلقة في هذه الدول والتنظيمات. تعود الهزائم التي حلت بأنظمة التحرر والقومية والليبرالية الضعيفة إلى عدم إيلائها هذا الجمهور القابع في البيوت والتراث المجمد عناية كافية، فقد قادت هذه الأنظمة جماعاتُ الذكور المحافظين، ومهما كانت إيجابياتها على صعيد محاربة الاستعمار والتخلف فإنها تركتْ النساءَ في ظلام العصور الوسطى. وقد بدأت الأنظمة الليبرالية تقدماً مهما على هذا الصعيد فتفجرت شعارات تحرر النساء وظهر منظرون لهذه الحريات على صعيد الحريات الاجتماعية والسياسية المحدودة، لكن تلك الحريات لم تصل للعمل الصناعي وتحجيم العائلة الأبوية الكثيرة الأعداد والقابعة في الأمية والجهل والأساطير، وفي قوانين الاعتقال التي تـُبرر باسم الدين. بل ان الأحوالَ ازدادتْ سوءاً مع الأنظمة والحركات القومية العسكرية والدينية الشمولية، فقد تضخمتْ المدنُ العربية الصغيرة بأعدادٍ هائلة من الريفيين والبدو التي حملتْ الأشكالَ المتيبسة المحافظة وحاربت بها التطورات الوطنية والليبرالية الصغيرة في المدن العربية. وهكذا تحملتْ النساءُ تراجعات الحركات السياسية العربية وتصاعد ذكوريتها، فامتدت الدكتاتورية من البيوت إلى الشوارع والأحزاب والجماعات والحكومات. وكان التراجعُ ظاهراً على صعيد الملابس، وأدوات الزينة، وفرض الهيئة الذكورية على النساء، وتحجيم الجمال ودوره الخلاق، ونشر القبح، والأشكال الرهبانية وأمراض السمنة، ولكن النساء كن حتى في مثل هذا التصاعد للدكتاتورية كن يقاومن داخلها، بتغيير اللباس والبحث عن علماء دين يتسمون بالنزاهة والبعد عن الإقطاع، وهم نادرون محاصرون، فعاد عهد الجواري على نحو كثيف، وربحَ الكثيرُ من الرجال حريات البذخ واللهو والاسراف وتضييع ثروات الأمم الإسلامية. ولكن الأغلبية من النساء يتسمن بالخضوع ويزايدن على علماء الدين في محافظتهم فيزددن عبودية، نظراً لعدم درايتهن بالإسلام والحداثة، وعدم تمييزهن بين الإسلام كثورة نهضوية توحيدية ومشروعات الحركات الطائفية الرجعية التمزيقية لجسد الأمم الإسلامية. ساعد في هذا استيلاء قادة القرويين والبدو على مقدرات المنطقة وبثهم الشعارات المحافظة، وتصاعد مشروعاتهم وتكاتفهم وتكوينهم أحلافاً منظمة، وتمزق الحركات العلمانية والوطنية والتحديثية. صار بعض الرجال يطارد بناته لأنهن يكتبن ويقرأن، أو لأنهن يظهرن على المسرح يشاركن في عروض مسرحية خلاقة، فكان الوأد الجاهلي المتعدد الأشكال للبنات. في حين وجدنا في مرحلة سابقة آباءً أميين يفخرون بكتابة وحضور بناتهم الفكري. لا يعود هذا الحضور المحافظ لهذه الجماعات أساساً بل للتكوينات الاقتصادية الأساسية في كل بلد، فالحكومات العربية لا يهمها النسيج السكاني الاجتماعي برجاله ونسائه بقدر ما يهمها السيطرة على الثروات في مشروعاتها غير المراقبة، التي تخضع لراهن الربح والفائدة المادية، وليس لهدف تقدم السكان ككل. لدينا في البحرين عدة آلاف من النساء لا يشتغلن في الخارج بل يعملن في بيوتهن الخاصة، وهناك الملايين في كل بلد عربي بمثل هذا الوضع، في حين تأتي العاملات والموظفات الأجنبيات للاستيلاء على وظائفهن، ولا يهتم رؤوساء الشركات بالعاملين فما بالك بتطور الحضور النسائي في الأعمال المختلفة؟! يعتمد الحضور النسائي التحرري على تطور معيشة الطبقات الفقيرة، ومدى اتساع تعليمها، فهي المكان الأساسي لوجود الذكورية المحافظة والشمولية، وكلما ترقت في أجورها ووظائفها ومساكنها وثقافتها صعب تغلغل القوى الشمولية بينها. كما يؤدي هذا إلى عمل النساء واتساعه، وهو أمر يعمق كذلك من تطور معيشة هذه الطبقات، فلا ترغب في التوجه للمزايدات السياسية، وتعطي البنات حقهن من العمل والتعليم والثقافة. إن طبقات معدمة جاهلة لا يمكن إلا أن تجعل نساءها أكثر تخلفاً وإنتاجاً للتخلف. ومهما فعلت الأنظمة والحركات الدينية الشمولية من اضطهاد للنساء فإن الكثيرات يجدن ثغرات في نظام القمع الشامل هذا، فكل هذه الدول والجماعات الدينية المحافظة لها ظاهر وباطن، ادعاء بالتدين وتكالب على المنافع ولذائذ الحياة، فتظهر أنظمتها وحركاتها بهذا الشكل المشروخ المنافق، فاللافتات تقول: طهر ونقاء وصرامة، والباطن عمولات ومحرمات، سوق علنية (بيضاء) وسوق باطنية سوداء، أغلب الأشياء محرمة في الظاهر وصارمة ولكن في الباطن كل شيء مسموح وحسب أفضل الأسعار. ولهذا فإن الكثير من النساء المتمتعات عموماً بالدهاء يجاملن هذه الحركات والأنظمة وينسقن مع أغنيات الفضيلة الزاعقة فيها، ولكن يكون لهن باطنهن ومكرهن الخاص. غرائز البشر وأخطاؤهم ونواقصهم لا يمكن القضاء عليها بالخطب التي يعتقد المحافظون انها الوسيلة المثلى، ويجاورها العقوبات الصارمة، وهو أسلوب في ردع الإنسان ثبت فشله، وليس أفضل من المكاشفة والوضوح وتغيير الإنسان عبر ظروفه الموضوعية، ودعوته لخيارات الخير، ويبقى هو سيد مصيره، فإذا تجاوز القانون خضع لعقوباته. فوفر للنساء خيارات العمل والثقافة والرقي ثم حاسبهن على خياراتهن. أما أن تقمعهن وتسود عيشتهن فسوف يمكرن بك ويجعلنك أضحوكة وأنت تعتقد أنك سيد الفضيلة. لكن الدول والحركات المحافظة لا توفر ذلك لأغلبية النساء، فهن عاطلات في البيوت، يخضعن للسحر والثقافة المتردية للفراغ، فيجدن في الأزياء والعطور ومناكدة الأزواج وسوء تربية الصغار وجودهن الزائف وقد اُنتزع وجودهن الحقيقي. فتجر النساءُ الرجالَ المحافظين لهذا المستنقع الاجتماعي، فيؤسس الرجالُ بيئات متعة زائفة، ومجتمعات ذكورية خاصة بهم، ونفقات بذخية تدمر الأسر، فيكون المجتمع قد خسرَ رجاله ونساءه معاً. ونتاج ذلك حشود من النسوة في المحاكم ومعذبات ومطلقات وعيال مشردين، ويقوم الفقهُ الذكوري الجامد بمنع الإصلاح عن طريق الشرع، وعقاب الرجال الفاسدين.
 
صحيفة اخبار الخليج
22 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

قانون العمل في‮ »‬التقدمي‮«‬

اهتمت الصحافة المحلية منذ نحو أسبوع بالحلقة الحوارية المُهمة التي‮ ‬نظمها المنبر التقدمي‮ ‬حول مشروع قانون العمل الجديد المعروض على مجلس النواب‮.‬ هدف‮ »‬التقدمي‮« ‬من وراء هذه الحلقة تسليط الضوء على أهمية التشريع الذي‮ ‬يُنظم العلاقة بين أطراف العمل،‮ ‬وطبيعي‮ ‬أن نُولي‮ ‬عناية خاصة إلى حقوق العمال،‮ ‬بصفتها القضية الأساس في‮ ‬الموضوع،‮ ‬حين‮ ‬يدور الحديث عن تنظيمٍ‮ ‬وضع في‮ ‬مقدمة مهامه الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة والفئات الكادحة‮.‬ ولعل هذا الجانب كان في‮ ‬أساس تفكيرنا في‮ ‬تنظيم هذه الحلقة التي‮ ‬شاركتْ‮ ‬فيها،‮ ‬مشكورةً،‮ ‬عدة جهات أبرزها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بوفد‮ ‬يرأسه سعادة الوكيل المساعد في‮ ‬الوزارة جميل حميدان،‮ ‬غرفة التجارة والصناعة التي‮ ‬مثلها د‮. ‬منذر الخور،‮ ‬وفد الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين المكون من الأخوين كريم رضي‮ ‬ومحمد عبد الرحمن،‮ ‬والاتحاد النسائي‮ ‬البحريني‮ ‬في‮ ‬شخص رئيسته الأخت مريم الرويعي،‮ ‬بالإضافة إلى كتلة الوفاق النيابية التي‮ ‬تمثلت في‮ ‬شخص عضو لجنة الخدمات د‮. ‬عبدعلي‮ ‬محمد حسن،‮ ‬والمكتب العمالي‮ ‬في‮ ‬جمعية‮ »‬وعد‮« ‬الذي‮ ‬مثله رئيسه الأخ خليفة الشملان،‮ ‬وأخيراً‮ ‬المنبر التقدمي‮ ‬نفسه‮.‬ وتخلف عن تلبية دعوتنا مجلس التنمية الاقتصادية الذي‮ ‬كنا حريصين على حضوره لعلاقته المباشرة بمشروع القانون،‮ ‬كونه إحدى الجهات التي‮ ‬ساهمت في‮ ‬وضع مشروع القانون في‮ ‬صيغته الحالية المعروضة على المجلس‮.‬ هذه الحلقة الحوارية تأتي‮ ‬في‮ ‬سياق أنشطة نوعية مشابهة أقامها‮ »‬التقدمي‮« ‬في‮ ‬الأعوام الثلاثة الأخيرة،‮ ‬بينها ورشة حول إصلاح النظام الانتخابي،‮ ‬وأخرى حول إصلاح النظام البلدي‮  ‬وتنظيم العلاقة بين المجالس البلدية المنتخبة والجهاز البلدي‮ ‬الرسمي،‮ ‬وثالثة حول‮ ‬غلاء الأسعار،‮ ‬ورابعة حول الحياة البرلمانية بين تجربتين‮.‬ وفي‮ ‬كل هذه الأنشطة حرصنا على أن‮ ‬يكون المشاركون فيها من ذوي‮ ‬العلاقة والاختصاص،‮ ‬ومن المعنيين مباشرةً‮ ‬بالأنشطة والموضوعات مجال البحث والنقاش فيها،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬تجلى في‮ ‬الحلقة الحوارية الأخيرة حول مشروع قانون العمل التي‮ ‬انصرفتْ‮ ‬إلى مناقشة هذا المشروع من أوجهه المختلفة،‮ ‬بغرض أن تتمكن السلطة التشريعية وهي‮ ‬تنظر المشروع من التعرف على رؤية الجهات المعنية حوله،‮ ‬وخاصة رؤية الجهات المُصنفة في‮ ‬عداد المجتمع المدني‮ ‬كالجمعيات السياسية والحركتين النقابية والنسائية‮.‬ ربما عدنا في‮ ‬وقت‮  ‬لاحق لاستعراض أهم ما نوقش في‮ ‬هذه الحلقة،‮ ‬ولكن‮ ‬يمكن العودة إلى التغطية الصحافية الوافية حولها في‮ ‬صحف الرابع عشر من ديسمبر الجاري،‮ ‬أو إلى النصوص الكاملة للأوراق المقدمة فيها،‮ ‬وبينها الورقة التفصيلية التي‮ ‬تعكس رؤية المنبر التقدمي‮ ‬في‮ ‬كافة المحاور التي‮ ‬نظرتها الورشة وهي‮ ‬من إعداد لجنتينا القانونية والعمالية وقدمها في‮ ‬الحلقة عضو مكتبنا السياسي‮ ‬المحامي‮ ‬حسن إسماعيل،‮ ‬وهي‮ ‬متوافرة على الموقع الالكتروني‮ ‬للمنبر‮.‬ اختارت الحلقة،‮ ‬في‮ ‬ختام عملها،‮ ‬لجنةً‮ ‬من ممثلي‮ ‬الجهات المشاركة فيها،‮ ‬لصوغ‮ ‬التوصيات التي‮ ‬خلصت إليها المناقشات،‮ ‬ولكن في‮ ‬هذا السياق‮ ‬يعنينا أن‮ ‬يولي‮ ‬مجلس النواب،‮ ‬بقوامه الكامل وباللجنة المختصة فيه،‮ ‬العناية الكافية بتوصيات هذه الحلقة وبمجمل الأوراق والأفكار الغنية التي‮ ‬طرحت فيها،‮ ‬لأنها تُعينه على تبصر أوجه القصور الكثيرة التي‮ ‬تنطوي‮ ‬عليها مسودة مشروع قانون العمل المعروضة عليه والمقدمة من الحكومة‮.‬
 
صحيفة الايام
22 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

واقعة “الحذاء”.. ومنظمات حقوق الإنسان؟!

الحوادث والحكايات السياسية التي ارتبطت بالحذاء أو الأحذية هي بلا شك عديدة سواء في تاريخنا العربي بشقيه القديم والحديث أم في التاريخ العالمي ماضيا وحاضرا. لكن على الأرجح ستكون واقعة قذف الصحفي العراقي منتظر الزيدي فردتي حذائه في وجه الرئيس الأمريكي جورج بوش أمام المنصة التي جمعته مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في المؤتمر الصحفي المشترك ستدخل التاريخ السياسي العالمي باعتبارها الواقعة الثالثة الأشهر ارتباطا بالسياسة خلال خمسة عقود خلت.
كانت الواقعة الأولى قد جرت خلال خريف عام 1960 في الجمعية العامة للأمم المتحدة وكان بطلها الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف الذي كان حاضرا في جلستها المنعقدة حينذاك.. ففي ظل نقاش محتدم خيمت عليه أجواء الحرب الباردة وبينما كان الاتحاد السوفييتي يسعى الى جمع أكبر حشد في الأمم المتحدة الى جانب مقترحه بإصدار وثيقة للقضاء على الاستعمار، في حين وقف مندوب الفلبين الحليفة لأمريكا منددا بالاتحاد السوفييتي لاستعماره، على حد تعبيره، دول أوروبا الشرقية أيضا، وبينما يطلب خروتشوف الكلمة أكثر من مرة من رئيس الجلسة الايرلندي فريدريك بولند، فيما ظل هذا الأخير يتجاهله، فما كان من خروتشوف إلا أن فاجأ الحضور بخلع إحدى فردتي حذائه، وأخذ يطرق بها بشدة مرات عديدة على الطاولة التي كانت أمامه احتجاجا على تجاهل طلبه بالمداخلة.
أما الواقعة الثانية من الحكايات السياسية التي ارتبطت بالأحذية فهي حكاية قرينة الرئيس الفلبيني الدكتاتوري الراحل فرديناند ماركوس “ايميلدا ماركوس” التي كانت معروفة في العالم بأسره بولعها الجنوني بجمع أرقى وآخر موديلات الأحذية النسائية.
وبعد سقوط نظام زوجها الاستبدادي ذُهل المحققون ومراسلو صحف العالم عن المتحف الخاص بما جمعته من أحذية قدرها البعض بأكثر من 1200 حذاء، فيما قدرها آخرون بثلاثة آلاف فردة من الحذاء. وكانت هذه الحكاية شاهدا من شواهد فساد نظام ماركوس ونهبه وزوجته لأموال شعبهما البائس الفقير طوال سنوات طويلة.وأخيرا فلعل الواقعة التي فاجأ بها الصحفي العراقي منتظر الزيدي جورج بوش أثناء زيارته الغبية الوداعية الأخيرة للعراق، وذلك خلال المؤتمر الصحفي بقذفه بفردتي حذائه هي الواقعة التي ستدخل التاريخ من أوسع أبوابه مضاهية في قوة إثارتها ودلالاتها السياسية الواقعتين الحذائيتين المتقدم ذكرهما، حذاء خروتشوف في الأمم المتحدة، ومتحف أحذية ايميلدا ماركوس الخاص بمختلف “الموديلات” من أحذيتها النسائية، والتي جمعت الآلاف منها طوال الفترة الطويلة من حكم زوجها.
أما عراقيا فلا تذكر وقائع وأحداث التاريخ القريب من أحذية مرتبطة بالسياسة سوى خطاب للرئيس الدكتاتوري الراحل صدام حسين أثناء الحرب العراقية ــ الإيرانية، ربما لا يتذكره الآن الكثيرون حينما حكى في هذا الخطاب عن واقعة مندوب أو مسئول أمريكي كبير زاره في قصره وكان هذا المسئول على حد زعم صدام، أخذ يتعمد وضع رجله اليمنى على رجله اليسرى في جلسته مبديا باطن حذائه أمام مرأى ووجه الرئيس صدام، فما كان من هذا الأخير، حسب قوله، إلا أن واجهه بالمعاملة بالمثل أي بذات السلوك.
وسواء صحت الواقعة التي تحدث عنها صدام، من حيث تعمد تصرف المندوب الأمريكي بذلك السلوك، أم جاء عفويا، وهو الأرجح، إلا أنه يدل على جهل الساسة الأمريكيين المطبق في الطبقة السياسية الحاكمة بقواعد وأصول آداب السلوك التي ينبغي ان يتبعها الضيف عند أهل الشرق، ولاسيما في مثل هذه الجلسات الرسمية.
وعودة لواقعة قذف الصحفي الزيدي بفردتي حذائه الرئيس بوش فبالرغم من أنها “قبلة وداع” جديرة به ويستحقها فعلا وأثلجت صدور ليس عشرات الملايين من العرب بل مئات الملايين في العالم بأسره من المعارضين والمتضررين من سياسات إدارته على مدى ثماني سنوات، فإن لمجرد أن بطلها عربي هذه المرة وجدنا عدداً لا بأس به من منظري وفلاسفة العقلانية العرب المتحضرين من يندد بالواقعة من دون أن يرف له جفن لما تعرض له الزيدي من تعذيب أمام الملأ. فأين هؤلاء حينما قفزت في خريف عام 2007م إحدى المحتجات الأمريكيات من نشطاء الأمريكيين ضد الحرب على العراق واحتلاله نحو الوزيرة السيئة الصيت كوندوليزا رايس محاولة صبغ وجهها بكلتا يديها المخضبتين بهذا الصبغ الأحمر، كدلالة ورمز على أيدي رايس ورئيسها وكل رموز الادارة الأمريكية المخضبة الملطخة بدماء مئات الألوف من العراقيين والأفغان الأبرياء التي يحتل الجيش الأمريكي بلديهم؟
لماذا لم يوجه هؤلاء تنديداً لسلوكها باعتباره خارجا عن قواعد السلوك واللباقة المألوفة؟ وهل تعرضت هذه السيدة حينئذ للتعذيب والاستخدام المفرط للقوة أمام مرأى العالم كما تعرض له الصحفي العراقي الزيدي على أيدي ضباط وجنود الاحتلال وأتباعهم العراقيين؟
وأين كان هؤلاء المنظرون العقلانيون المتحضرون العرب من حادثة الألماني العاطل عن العمل الذي صفع المستشار الألماني السابق على وجهه أمام الملأ لأنه خذل العمال بوعوده الانتخابية الكاذبة؟ هل عُذب أمام الملأ وهل سجن بعد ذلك ولو لبضعة أيام؟
وأين هم من أشهر سلاحين لطالما استخدمهما المتظاهرون وقوى المعارضة في احتجاجاتهم في بلدان الأنظمة الديمقراطية الغربية، ألا هما البيض الفاسد والطماطم الفاسدة، سواء أثناء خطب الرؤساء الفاسدين أو الفاشلين الجماهيرية، أو لدى مرور مواكبهم بالشارع؟ وأين هؤلاء “العقلانيون المتحضرون” العرب من حادثة قريبة مشابهة تماماً لحادثة قذف بوش بالحذاء في العراق الأخيرة، وقد جرت هذه المرة في موسكو وبطلها صحفي روسي كان يحضر اجتماعاً ألقى خلاله الرئيس ميدفيديف كلمة بمناسبة يوم الدستور فتفاجأ الحضور بصراخ الصحفي بأعلى صوته بشكل متواصل مطالباً بعدم الإصغاء للرئيس ميدفيديف لأنه كذّاب ولا علاقة له بالدستور والديمقراطية اللذين يتشدق بهما في كلمته ولأن الرئيس انتهك الحقوق وسلب الحريات العامة بسطوة وقمع أجهزة الأمن السرية، وزوّر الانتخابات. فكل ما فعله رجال الأمن عندئذ أن كمموا فمه وأخرجوه من القاعة وربما سجن لبضعة أيام، فهل شهد العالم في شاشات التلفزة تعذيبه وانقضاض رجال البوليس عليه كالوحوش؟
أخيراً، والأهم من كل ذلك وذاك، وحيث مازلنا نسمع تعاطف وتضامن منظمات صحفية وإعلامية وسياسية عربية وعالمية مع منتظر الزيدي متواصلة ومنقطعة النظير، أين منظمات حقوق الإنسان البحرينية والعربية والعالمية من هذا الانقضاض الوحشي على الزيدي فور انتهائه من قذف الفردة الثانية وهو يتأوه ألماً وينزف دماً تحت تأثير الضرب المبرح من قبل لا يقل عن عشرة من رجال أمن الحكومة وضباط الحماية من قوات الاحتلال الأمريكي، فيما الرئيس الأبله الفاشل المنتهية ولايته في البيت الأبيض يبتسم ويضحك ليداري حرجه ويعتبر فعلة الزيدي ما هي إلا دليل على ثمرة شجرة “الديمقراطية” التي غرسها في العراق.. أي تعذيب الإنسان أمام مرأى العالم بأجمعه؟ أليست هذه الواقعة الصغيرة شاهدا حيا ونموذجا مصغرا لجرائم الاحتلال الدموية الجماعية الأبشع وحشية في العراق؟!

صحيفة اخبار الخليج
21 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

الكوارث لم تأتِ بعد

يتعرض وضع المنطقة لجملة تغييرات كبيرة، يتداخل فيها الإيجابي والسلبي، القومي والعالمي، الديني والوطني، الإصلاحي والاستبدادي، الحرية والهيمنة، إلى درجة مذهلة مخيفة.
التحالف الدولي يتوجه للخروج من العراق بعد أن تأسست دويلات طائفية، وارتفعت الجماعات الشمولية الدينية، ولن تكون قبضة هذا التحالف في عهد الرئيس الأمريكي الجديد مثلها مثل العهد السابق، فسوف تتراخى حتماً مما يوهم الجماعات والدول الطائفية بأنها على طريق الانتصار والتوسع، ويترافق هذا مع أزمة اقتصادية عالمية ستؤدي إلى تسريحات عمالية كبيرة وتزايد الافقار لجماهير كبيرة، ويمثل هذا عهداً خصباً للقوى الشمولية والفاشية المتصاعدة الحضور في سفك الدماء.
كما أن الدول الشرقية الاستبدادية لاتزال قوية ويعود بعضها للحضور على ساحة المنطقة وتجد تجارة السلاح أقوى سوق لها.
والتفكك في قيادة الدول الغربية قائدة العالم الديمقراطي سوف يتصاعد كذلك، إن لم تنضم قوى الدول الشرقية الكبيرة لهذا التحالف من أجل حصار الارهابيين والطائفيين والقراصنة، وتدع مشروعات التوسع والتجارة بالسلاح.
إن الصراع في العراق سيكون المختبر السياسي للمنطقة، فهل تتغلب القوى السياسية المتجهة للوطنية العراقية أم ستنتصر القوى الطائفية والقومية الاستبدادية التي لم تشبع من الدمار بعد؟
وليس للمذهبيين السياسيين أي توجه لمساندة العمال والفلاحين، فهم قوى استغلالية تريد نهب القاعدة الشعبية العريضة كالانظمة التي تحاربها كما تقول، ولهذا سوف يحتمون بالكلام العام المحنط الديني، ويجمعون الثروات ويتسلقون ويصيرون من قوى الاستغلال التي نمت عبر نقص الديمقراطية، وعبر جهل الجماهير الفقيرة نفسها.
ولن تكون العناصر النظيفة والتحديثية والعلمانية بينها سوى أقلية ضائعة الصوت والتأثير.
بطبيعة الحال تتيح الاتفاقية الأمنية المعقودة بين العراق والولايات المتحدة فرملة لهذا السيناريو المخيف ولعدم الانزلاق الكلي للدويلات الطائفية المتحاربة.
لكن عمليات الانسحاب الكبيرة سوف تشجع القتل والمذابح والكوارث، والتدخلات الخارجية في العراق، لزيادة حصص الدول الخارجية الشمولية المناطقية، ودون أن تلوح في الأفق وحدة وطنية عراقية على أسس العلمانية والحداثة والعروبة والإسلام والديمقراطية.
فكل هذه التكوينات السياسية ظهرت من بحر العماء السياسي، ومن الجهل الجماهيري الرهيب، أو من الانتهازية وتسلق بيروقراطيات الدول الشرقية أو الغربية، ولم يستطع حزب عراقي واحد أن يثبت جماهيريته الوطنية، وسوف يعود جهازا الدولة والجيش ليملآ الفراغ.
إن السيناريو العراقي قد ينتشر، ويتفاقم الصراع الطائفي المحوري بين الشيعة والسنة، ويتخذ له أبعاداً مناطقية – عالمية.
وسوف يكون برنامج التوسع وخلق الاضطرابات مبنياً على أن الدول الموالية للغرب تكون مسرحاً لعمليات الدول المعادية للغرب، كي تنتزع من الغرب ومن هذه الدول اعترافاً بحضورها المركزي في المنطقة.
وإذا كان الصومال تـُرك كلياً فلعدم أهميته النفطية، لكن أهميته الجغرافية نسيت، فظهر صومال الحرب الأهلية الدموية المجنونة، والقرصنة.
وهذا يحدث للعراق بدرجة أقل ثم لأفغانستان، وهذا يدل على أن (الديمقراطية) المنشورة لم تقم على مصالح الأغلبية الشعبية، فكانت بالأفق الأمريكي المحافظ، ولم تقدم مساعدات جذرية للعمال والفلاحين والنساء، لتبعد هذه الجماهير المحرومة عن مصائد الطائفيين وتجارتهم بالدين.
ولهذا ينبغي للإدارة الأمريكية الجديدة أن تنعطف بهذه الديمقراطية الشكلية نحو إحداث إصلاحات عميقة في الأرض والعلاقات البيتية العتيقة وفي أوضاع الصناعات المتردية عبر دعم القطاعات العامة والصناعات الخاصة، وإذا واصلت نفس سياسات المحافظين الجدد الأمريكيين، بإصلاحات سياسية فوقية ونهب ثروات البنوك والنفط، فإن سيناريو العنف والطائفية سوف يتوسع وينبغي أن يجري ذلك عبر الحوار مع التنظيمات العلمانية واليسارية والحكومات المعتدلة، وليس عبر سياسات التدخل والأوامر.
إن منطقة بهذه المعايير لن تخرج بسهولة، وهناك جبال من الصعوبات، ولكن ترك المنطقة لـ (القدر) سوف يُزهق أرواح الملايين، ولابد من تعاون دول المنطقة والغرب الديمقراطي من أجل عدم الانزلاق هذا.
إن وجود الفراغ الأمني الإقليمي، وتمدد الدول الشمولية العسكري، وغياب الإصلاح للجمهور العريض الفقير، إن كل هذه ستكون آثارها وخيمة، فهي إما ستفجر الصراعات بين دول المنطقة، وإما تحدث ثورات عمياء عنفية، أو تمدد الصراعات الطائفية إلى دول جديدة فتظهر مزيدا من دول الاضطراب إضافة لدول العراق وافغانستان والصومال، إلى فلسطين ذات الظرف المختلف، لكن المشارك في دوامة التمزق والاضطراب.
إن عودة الوحدة الوطنية لكل شعب تعتمد على مدى اقتراب الدول العالمية والوطنية نفسها من الجمهور، فكلما زادت مقاربة هذه الدول من الجمهور وحلت مشكلاته المعيشية المتفاقمة، أمكن خفوت سيناريو الخراب، الذي تغذيه جماعاتُ التطرف المختلفة.
ولا شك أن تغير قيادة بوش ومجيء قيادة تلتفت إلى تطوير التنمية في هذه الدول وتدعم القطاعات العامة، وتقلص الحروب والنفقات العسكرية والجيوش الهائلة، وتضع حداً لهجرات العمال القاسية والفوضوية والمتاجرة بالملايين، وتعود إلى تعمير قوى الإنتاج في الصناعة والزراعة والعلوم التقنية في كل بلد، إن كل هذه الجوانب سوف تخفف من أزمات المنطقة.
إن وجود سياسة ديمقراطية عالمية إنتاجية وسلمية، ستكون هي المركز لمثل هذه العمليات التحويلية، فقوى التطرف لم تظهر إلا في ظروف القمع وتدهور المعيشة وتدني الأفكار الوطنية والعقلانية.
لكن هل ستظهر مثل هذه السياسة على صعيد عالمي وخاصة على صعيد الإدارة الأمريكية الجديدة، التي شئنا أم أبينا هي قيادة الكرة الأرضية، في السنوات الراهنة، أم أن الدول المناطقية الاستبدادية الطائفية سوف تقوضُ مثل هذه السياسة عن طريق تفجير العداء الطائفي كما تفعل في العراق والصومال وافغانستان؟!
وهل ستتمكن الدول العربية والإسلامية المعتدلة من التصدي لهذه السياسة ومن التعاون مع الغرب الديمقراطي بأفق ديمقراطي حقيقي مساند للأغلبية الشعبية، أم ستـُخترق هي الأخرى وتصير مثل الصومال في زمن يتدهور النفط فيه وتتعاظم الأسعار والأزمات؟!

صحيفة اخبار الخليج
21 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد

درع الشملان لحسن رضي


للأسف حال سفري‮ ‬للكويت دون حضوري‮ ‬احتفالية كنت سأحرص على حضورها،‮ ‬هي‮ ‬احتفالية تقديم الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان لدرعها الذي‮ ‬يحمل اسم المناضل أحمد الشملان للمحامي‮ ‬المعروف حسن رضي‮.‬ والاحتفال مهم لأسباب عديدة،‮ ‬بينها أن الدرع‮ ‬يحمل اسم الشملان بالذات الذي‮ ‬يعتز المنبر التقدمي‮ ‬بكافة أعضائه وأصدقائه ومناصريه بكونه رئيساً‮ ‬فخرياً‮ ‬له،‮ ‬ففخر كبير لنا أن تكون هذه القامة الوطنية الشاهقة بتاريخها المشرف على رأس تنظيمنا‮.‬ ‮ ‬ونعبر،‮ ‬مرة أخرى،‮ ‬للأخوة في‮ ‬الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان على التفاتتهم المعبرة بتسمية درعها باسم الشملان أحد أبرز مناضلي‮ ‬الحركة الوطنية البحرينية خلال نصف القرن المنصرم،‮ ‬والذي‮ ‬عرف بجسارته وإقدامه وصلابته النضالية والفكرية‮.‬ وليس‮ ‬غريباً‮ ‬أن تكون هناك جوائز ودروع وسواها تحمل اسم هذا المناضل الفذ والشجاع أطال الله في‮ ‬عمره ومده بالمزيد من الصحة،‮ ‬ليظل لنا مُلهماً‮ ‬وقائداً‮ ‬نقتدي‮ ‬من شمائله الشخصية والنضالية الشيء الكثير‮.‬ وأحمد الشملان القائد السياسي‮ ‬والوطني،‮ ‬والشاعر والأديب،‮ ‬والكاتب الصحافي،‮ ‬هو أيضاً‮ ‬محام بارز عُرف بدفاعه الدؤوب عن قضايا حقوق الإنسان،‮ ‬وذاع صيته في‮ ‬التسعينات كأحد أبرز محامي‮ ‬الدفاع في‮ ‬قضايا الرأي،‮ ‬وتبني‮ ‬ملفات من كانوا‮ ‬يقدمون للمحاكمات ذات الطابع الأمني،‮ ‬لذا‮ ‬يظل مُقدراً‮ ‬للجمعية البحرينية لحقوق الإنسان أن تطلق اسم أبرز المدافعين عن هذه الحقوق على الدرع الذي‮ ‬يكتسب الصدقية والرصانة‮.‬ ولأنه كذلك‮ ‬يبدو طبيعياً‮ ‬أن‮ ‬يذهب لواحدٍ‮ ‬من أهم الشخصيات العامة في‮ ‬بلادنا وهو المحامي‮ ‬حسن رضي،‮ ‬الذي‮ ‬تعبر سيرته الذاتية التي‮ ‬نُشرت في‮ ‬الصحافة مؤخراً،‮ ‬والمعروفة لدى الناس على كل حال،‮ ‬عن مسيرةٍ‮ ‬وطنية وحقوقية ومهنية حافلة‮.‬ فحسن رضي‮ ‬نموذج الإنسان الذي‮ ‬لم تحل كفاءته المشهود له بها دون تواضعه الجم ودماثة خلقه وحُسن معشره،‮ ‬وقربه من الناس،‮ ‬فاستحق ما هو أهل له من تقدير واحترام‮.‬ وحسن رضي‮ ‬نموذج للكفاءة المهنية التي‮ ‬يجدر التعلم منها،‮ ‬والتي‮ ‬تعطي‮ ‬صورة مشرفة ليس فقط عن كفاءة عناصرنا الوطنية النظيفة وقدراتها ومهاراتها،‮ ‬وإنما تقدم سمعة طيبة للبحرين التي‮ ‬تزخر بالكثير من الطاقات التي‮ ‬لا تنال في‮ ‬الكثير من الحالات التقدير‮.‬ والى جانب مكانته المهنية كمحامي‮ ‬ناجح،‮ ‬هناك دوره النقابي‮ ‬الذي‮ ‬بدأه شاباً‮ ‬يوم كان عضواً‮ ‬في‮ ‬اللجنة التأسيسية للاتحاد العام للعمال والمستخدمين وأصحاب المهن الحرة في‮ ‬سبعينات القرن الماضي،‮ ‬ثم واصله من خلال جمعية المحامين التي‮ ‬حرص وزملاؤه من المحامين الشرفاء،‮ ‬وبينهم بالمناسبة أحمد الشملان نفسه،‮ ‬على استقلاليتها وعلى أن تكون صوتاً‮ ‬للحق والعدالة في‮ ‬سنوات الجمر‮ ‬يوم كانت القيود على الحريات أكثر من أن تحصى‮.‬ وكان من المساهمين في‮ ‬تكريس السمعة المهنية المستقلة والرصينة للمحامين البحرينيين،‮ ‬مما جعل منه اسماً‮ ‬معروفاً‮ ‬في‮ ‬الحركة الحقوقية لا على المستوى العربي‮ ‬فحسب،‮ ‬وإنما على المستوى الدولي‮ ‬أيضاً‮.‬ وظلّ‮ ‬حسن رضي‮ ‬حتى اليوم داعية من دعاة الإصلاح السياسي‮ ‬والدستوري‮ ‬في‮ ‬البلاد،‮ ‬ومن أجل تحقيق الشراكة السليمة بين الدولة والمجتمع،‮ ‬وجسد ذلك بمشاركاته في‮ ‬العديد من الفعاليات الموجهة نحو هذا الهدف النبيل‮.‬ لعلي‮ ‬وجدت هذه مناسبة لتوجيه تحية لرجلين،‮ ‬لكل منهما دوره في‮ ‬موقعه،‮ ‬نكن لهما التقدير والمحبة‮.‬
 
صحيفة الايام
21 ديسمبر 2008

اقرأ المزيد