المنشور

الحكومة ليست سنية والمعارضة ليست شيعية


لم أكن أود، وأنا رجل علماني، أن يأتي اليوم الذي أضطر فيه لطرح موضوع من الموضوعات بالطريقة التي ربما يُساء فهمها من العنوان الذي اخترته لمقالي اليوم، لولا أن سطوة الواقع أقوى من الأمنيات والآمال.

على كل حال، فكرة هذا العنوان خطرت في ذهني من واقع مناقشات صحافية كنت طرفاً فيها خلال الأيام القليلة الماضية بعد العفو الملكي الكريم عن المعتقلين والموقوفين والسجناء في القضايا التي جرى التعارف على وصفها بالقضايا الأمنية، وعلى صلة بموضوع الحوار الوطني الذي أصبح حديث الساحة وبدون منازع.

ويسرنا، بطبيعة الحال، ونحن نمثل القوة السياسية التي تقدمت بمبادرة شاملة متوازنة للحوار الوطني، أن تكون موضوعة الحوار بالذات هي الغالبة في سجالنا السياسي والإعلامي بعد مبادرة جلالة الملك المقدرة عالياً منا ومن الجميع.

مبادرة جلالة الملك ليست جديدة ولا غريبة على جلالته، فقد اعتدنا منه مثل هذا التدخل في لحظات الاحتقان الأمني والسياسي، بما ينزع فتيل مُسبب رئيسي من مسببات هذا الاحتقان، وجاءت هذه المبادرة الملكية على خلفية”حوار” بين جلالته وبين كبار رجال الدين الشيعة.
وجرى حديث أيضاً عن أن شكلاً من التفاهم أو حتى من الحوار، أو لنطلق عليه ما شئنا من المسميات، بين جهاز الأمن الوطني وبين بعض الشخصيات التي كانت رهن التوقيف فترة وجودها في المعتقل.

وكل صيغة من صيغ التواصل والتفاهم والحوار مطلوبة، لكي لا يكون البديل القطيعة، التي حين يمتد أمدها تتراكم على شكل طبقات من عدم الثقة وسوء الفهم، مما ينجم عنه السلبي من النتائج.

ولكن الذي ندعو إليه، نحن في المنبر التقدمي ومعنا قوى وتنظيمات سياسية ومؤسسات المجتمع المدني وشخصيات وطنية مستقلة ورجال دين متنورين مثل الأخ الكريم الشيخ صلاح الجودر وغيره، هو الحوار الوطني الشامل، الذي  يشترك فيه ممثلو كل الفعاليات السياسية والمجتمعية والدينية في هذا الوطن، وبطبيعة الحال الدولة ذاتها فيمن تراه مخولاً في هذا الحوار.

مثل هذا النوع من الحوار الوطني الشامل هو الذي يحقق المظلة الجامعة لمكونات الوطن كله، بصرف النظر عن المذهب والتحدر الطائفي أو العرقي أو الانتماء السياسي والحزبي، وتطرح فيه قضايا الوطن المشتركة التي تعني الجميع، ويغدو ما يطالب به ممثل هذه أو تلك من التكوينات المجتمعية جزء من خريطة أشمل.

لسنا ضد أي شكل من أشكال التواصل بين الدولة وبين ممثلي أي فئة أو طائفة، وهو تواصل قائم وسيستمر، لكننا لا نرغب في أن يختزل موضوع الحوار في تفاهمات بين الدولة وبين من تراهم ممثلين لهذه الطائفة أو تلك، مع بالغ تقديرنا واحترامنا للجميع ولمكانتهم الدينية والمجتمعية.

لا نريد للدولة أن تتصرف على أنها سنية، لأن لكل مكونات المجتمع حق في هذه الدولة، ويطالبونها بأن تكون ممثلة لهم جميعاً، والمعارضة في البحرين ليست شيعية، ويخطئ بعض قادة المعارضة إذا تصرفوا على هذا الأساس، لأنهم ينزعون عن مطالباتهم الطابع الوطني، ويحولونها إلى مظالم للطائفة، وفي هذا مقتل لأي معارضة جدية.


  للحديث تتمة.

اقرأ المزيد

في البحث عن الهوية الجامعة


الأربعاء والخميس الماضيين عقد معهد البحرين للتنمية السياسية مؤتمر التنمية السياسية الأول تحت عنوان «الهوية في الخليج العربي.. التنوع ووحدة الانتماء». وكان اختيار العنوان والتوقيت موفقين تماماً إنْ لجهة تطورات الأوضاع والمتغيرات الداخلية والتحديات التي تواجهها منطقة الخليج وبلدان مجلس التعاون خصوصاً، أو للمتغيرات العالمية التي بدأت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وصولاً إلى الأزمة العالمية الحالية الآخذة في التفاقم.

وإذا كانت الهوية تعني وعي الإنسان لذاته ومطابقته لها، وهي الصورة المتخذة ذاتياً وسط كل ثراء وتنوع علاقات الذات بالعالم المحيط، فإن تطورات العولمة، خصوصاً في العقد الأخير من القرن الماضي والعقد الأول من القرن الجاري، بيّنت ظاهرتين متضادتين في تطور اتجاهات تحديد الهوية والانتماءات. ففي غرب أوروبا، وبعد قيام الاتحاد الأوروبي، تطورت المواطنة بشكل عابر للقوميات نحو المواطنة الأوروبية. أما في فضاء الاتحاد السوفييتي الاتحاد اليوغسلافي وتشيكوسلوفاكيا، فقد تفتت الهويات المبنية على أساس أممي إلى قومية تبحث في الماضي عن ضمانات المستقبل.

وإذا كانت بلدان مجلس التعاون الخليجي قد وجدت في تنوعها السكاني مصدر ثراء بسبب تلاقي الحضارات والثقافات المختلفة وتلاقحها، فإن الخلل السكاني المتنامي بشكل فاضح أصبح يشكل خطراً جسيماً على هوية هذه البلدان. كما أن ظروف التطور الاجتماعي السياسي في هذه البلدان أحدث فعله السلبي على اصطفاف الجماعات واختيارها الهويات والانتماءات المتقابلة لتحديد شكل ونوع العلاقات فيما بينها.

كانت البحرين الأسبق بين شقيقاتها إلى اكتشاف النفط وتشكل الطبقة العاملة الحديثة فيها. ولذلك فقد جاء تطورها أكثر تدرجاً، وكان يفترض أن يصبح وضعها الأكثر توطداً وتوازناً.
في منتصف القرن الماضي تمثل التناقض الرئيس في المجتمع بشكل أساسي بين الطبقة العاملة المحلية ورأس المال الأجنبي (شركة النفط)، وتترجم على المستوى الأوسع تناقضاً بين الوعي الوطني والقومي المتصاعدين في مواجهة الاستعمار البريطاني. ورغم تمارين المواجهات الطائفية حتى بداية خمسينات القرن الماضي، وممارسة سياسة ” فرّق تسد ” الاستعمارية، إلا أن التحولات الاقتصادية الاجتماعية الجارية في أحشاء المجتمع سرعان ما ذوّبت الفوارق الطائفية والقومية ووحدة العمل والأنشطة التجارية ممثلي الطوائف والإثنيات في بوتقة وطنية واحدة.

لقد وعى الشعب ذاته الوطنية وحدد هويته البحرينية على أساسها. وبفضل النضال المرتكز على قاعدة الوحدة الوطنية أنجز الاستقلال الوطني العام 1971 .  كما أجمع شعب البحرين على عروبة بلاده في وجهة الإدعاءات الإيرانية. لكن الاستعمار البريطاني زرع عوامل النعرات الطائفية وأبقاها في أكثر المناطق حساسية: في تقاسم النفوذ في الإدارة العليا للدولة وفي مؤسسات العمل الكبرى، والأهم في بعض الكوادر «الوطنية» التي نفخ فيها من روحه. ففي يوم كارثي قد تأتي هذه النبتة أكلها. وبالفعل، تحقق ذلك يوم تحوّل التناقض إلى داخلي – داخلي. ووجدت أرضه الخصب في طريقة الاستحواذ التي جعلت من توزيع الخيرات المادية أكثر تفاوتاً. ولحماية هذا النمط من التوزيع نشأت الحاجة إلى التمترس الاجتماعي، بما في ذلك خلف قسم غير قليل ممن يطالهم الإجحاف. الفتنة النائمة استيقظت.. لعن الله المستعمر.

تبعاً للظروف الاقتصادية الاجتماعية تتراجع أو تتقدم أشكال الوعي الاجتماعي. وفي هذه الحالة تراجعت الذات الوطنية لتسمو الذات الطائفية عليها. ولا بأس أن يفعل العامل القومي بتفعيل الامتيازات، فبذرته موجودة. حدث ذلك بأشكال أسوأ في بلدان أخرى. ففي جنوب إفريقيا العنصرية تراجعت الهوية الاجتماعية الأرقى إلى أكثر أشكال الهوية بدائية – الهوية النفسية الطبيعية. وأدت سياسة الفصل العنصري (الأبارتايد) إلى أن يجد الإنسان الأسود ذاته وحمايته بين بني جلدته وحسب. ورغم كل التعرجات والمخاضات، إلا أن إنجاز المصالحة الوطنية وتحقيق العدالة الانتقالية أصبح يساعد في تغيير الوعي الاجتماعي وتحديد الهوية الوطنية.

ظروف سنوات التسعينات في البحرين زيّفت الوعي الاجتماعي إلى حدود بعيدة. حينها غالباً ما أجاب الناس على سؤال الاجتماعيين «من أنا» بإجابات من نوع: «أنا لا أحد»، ” أنا لست مهماً لأحد “.  

وللخروج من هذه المعاناة القاسية وفي محاولة لإعادة الاحترام للذات لجأ الشباب خصوصاً إلى الهوية السلبية لتأكيد الذات في مقابل الضد، حيث ينقسم العالم المحيط إلى «جماعتنا» و«وغير جماعتنا». وفي هذا الحال تتحول الحالة الطائفية إلى تعبير عن الهوية وتسمو فوق الهوية الوطنية. ولأن شكل وعي الذات هذا من أدنى مستويات الوعي الاجتماعي؛ لذلك فهو يترافق قبل كل الشيء مع الماضي الذي يقدم للشباب على نحو مثالي (التقليدية).

 تتلاءم الهوية السلبية في واقع الأمر مع كبار السن بنظراتهم القديمة إلى العالم المحيط. هؤلاء قلقون تحت شعور تهديد مكانتهم الاجتماعية والدينية والسياسية مع عملية التطور التاريخية، في الوقت الذي تقترب قدرتهم على الحياة النشطة من نهاياتها. لكن الهوية السلبية لا تتناسب أبداً وتطلعات الشباب الذين أصبحت قيم النجاحات الشخصية في زحمة السوق بكل وطأتها في واقعنا المعاش تشكل المكون الأكبر في تحقق ذواتهم. لكن الهوية السلبية تحقن فيهم حقنا. ويسهّل هذا الأمر من الجهة الأخرى حنين بعض قوى الحكم إلى إدارة الأمور بالطريقة القديمة المضادة لعملية التطوير الديمقراطي. وعندما تأتي الإصلاحات، خصوصاً في ظل الأزمة العالمية الحالية، مركزة على إطلاق آلة السوق العمياء من دون تفعيل إستراتيجية اجتماعية واضحة المعالم، فإن الديمقراطية لا تفعل سوى إفساح المجال لانتعاش الهوية السلبية تعبيراً عن القلق. العاجزون عن طرح «أصول» معينة (استثمارات أو مهارات أو مجرد قوة العمل) في السوق، ومع حلول قشور الوعي الاجتماعي محل الوعي الاجتماعي الحقيقي لدى فئات واسعة من الشباب العاطلين عن العمل والواقفين في طوابير الإسكان وأصحاب مشروعات الزيجات المؤجلة، وكذلك الذين يواجهون أبواباً موصدة أمام الترقي الوظيفي على أساس التأهل والكفاءة، فإن هؤلاء يعتقدون بوجود حمايتهم لدى قوى عاجزة هي الأخرى عن طرح البديل، ويصبحون أكثر جاهزية للتشبع بالهوية السلبية بكل ما تحمله من قوة تدميرية على الشباب أنفسهم وعلى المجتمع وحتى على استقرار النظام الاجتماعي السياسي.

إن مسائل التناسب بين الهوية الفردية والاجتماعية وعلى أي قيم تؤسس «نحن» الملموسة والجامعة، مهمة جداً، سواء للقدرة على التحديد الذاتي للفرد والجماعات، أو للتربية الاجتماعية والتنمية السياسية. وهي تطرح نفسها بإلحاح أمام قوى الإصلاح الديمقراطي الحقيقية أكانت في السلطة أم المعارضة الديمقراطية.
 
 
 

اقرأ المزيد

بين أخطاء المقاومة الفلسطينية وأخطاء المقاومة اللبنانية (1-2)


على الرغم من التجربة المريرة القاسية التي واجهتها فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية المسلحة في الأردن إبان كفاحها المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي، انطلاقا من أراضي المملكة الأردنية الهاشمية، وما أفضت إليه هذه التجربة من صدام سياسي ومسلح عنيف بلغ ذروته في خريف عام 1970 فيما عُرف بـ “مذابح أيلول الأسود” التي انتهت بطرد كل هذه الفصائل من الأردن وبخاصة على إثر رفعها شعار تحويل عمان إلى بؤرة ثورية كهانوي الفيتنامية، فإن تلك الفصائل كافة لم تستفد من تلك التجربة النضالية المسلحة الغنية بالدروس والعبر إذ سرعان ما انتقلت بكامل ثقلها وعدتها وعتادها إلى أراضي الجمهورية اللبنانية واتخذت منها مركزا سياسيا وعسكريا رئيسيا لأعمالها الكفاحية العسكرية ضد إسرائيل انطلاقا من الجنوب، فأدى تعاظم نفوذ منظمة التحرير السياسي والعسكري في لبنان ليس فقط إلى طغيان هذا النفوذ على سلطة الدولة حتى عرف مركزها في الفاكهاني بـ “جمهورية الفاكهاني”، 

بل إلى اندلاع حرب أهلية طويلة ضروس (1975-1990) مزقت الشعب والوطن شر تمزيق وأكلت الأخضر واليابس بكل معنى الكلمة وذلك لتورط أحد الأطراف الرئيسية في تلك الحرب (اليسار اللبناني وغالبية ممثلي الطوائف الإسلامية) في الدخول في تحالف مصيري مع فصائل المقاومة الفلسطينية الوافدة إلى الأراضي اللبنانية ضد طرف آخر لبناني (اليمين اللبناني وغالبية ممثلي الطوائف المسيحية وعلى الأخص المارونية) وبذلك ذهنيات وعقليات قيادات تلك الفصائل الفلسطينية الوطنية المسلحة ما يقرب من 20 عاما (1965-1982) تستوعب الأخطاء النضالية الانتحارية القاتلة المدمرة التي انزلقت إليها في الأردن ثم في لبنان ودفع مناضلوها المسلحون وشعبهم وشعوب البلدان العربية الشقيقة التي استضافتهم فواتير باهظة جدا من أجل أن يستوعبوا خطأ الاعتماد على وسيلة نضالية واحدة وحيدة هي “الكفاح المسلح”، فما بالك إذا ما كانت هذه الوسيلة غير متاح ممارستها على أراضي وطنهم لمواجهة العدو الذي يحتلها وجها لوجه لأسباب عديدة موضوعية وذاتية ليس هنا موضع تناولها؟ ومن ثم تفرض الحاجة نفسها إلى استشراف أشكال نضالية خاصة تتوافق مع الخصائص والظروف السياسية والتاريخية والجيوبوليتكية الخاصة المميزة للشعب الفلسطيني، وهذا ما لم تنجح القيادات السياسية للشعب الفلسطيني فيه حتى الآن للأسف.

ولعل من المفارقات التراجيدية الساخرة أنه إذا كان الخطأ القاتل الذي وقعت فيه فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية يتمثل في إصرارها على ممارسة “الكفاح المسلح” ضد الاحتلال الإسرائيلي انطلاقا من أراضي دول عربية شقيقة صاحبة السيادة المطلقة على أراضيها، أيا يكن الاتفاق أو الاختلاف مع مواقفها أو سياساتها المستندة إلى تلك السيادة، فإن الخطأ النضالي القاتل الذي وقع فيه ومازال يقع فيه الفصيل الفلسطيني الإسلامي المسلح الذي برز عام 1987 إنما يتمثل ليس في إصراره على اعتماد الوسيلة الكفاحية المسلحة ضد الاحتلال من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعلى وجه الخصوص الضفة والقطاع فحسب، بل انفراده بتبني وسيلة نضالية محددة هي العمليات المعروفة بـ “الاستشهادية” ضد أهداف إسرائيلية محددة داخل الخط الأخضر غالبا ما تكون “مدنية” ويروح ضحيتها إلى جانب الإسرائيليين مدنيون من عرب 48 أحيانا، عدا تشويه سمعة نضال الشعب الفلسطيني في الخارج، ومن هذه الأهداف محطات وباصات النقل العام أو الشوارع والمحلات التجارية والأسواق العامة وخلافها، ثم أضيف إلى ذلك إطلاق الصواريخ على الجانب الإسرائيلي انطلاقا من أراضي 1967 وعلى الأخص من قطاع غزة.

فكم تحتاج حركة “حماس” رغم مضي أكثر من 20 عاما ونيفا على انطلاقتها لتستوعب عبثية هذا النهج النضالي الجديد المدمر على شعبها وما يترتب عليه الإصرار على مواصلته من كوارث وأهوال مأساوية تعود بالوبال على مستقبل قضيتهم الفلسطينية وعلى مصالح شعبهم الوطنية؟ ولعل العدوان الإسرائيلي الوحشي الانتقامي الأخير على قطاع غزة لخير شاهد ودليل على ذلك.

وهكذا فإن الشعب الفلسطيني، ورغم هذه التجربة النضالية الطويلة القاسية المريرة التي يختزنها منذ أكثر من أربعة عقود والتي لم تستفد قياداته السياسية منها، هو واقع اليوم بين سندان قيادة سياسية فاسدة عاجزة أضحت تراهن بالكامل على الخيار التسووي بأي ثمن كان ولا شيء آخر سواه حتى إن كان لا يلوح في الأفق أي بصيص في نهايته، وخيار آخر مقاوم لكنه عدمي ومكلف للغاية ولا شيء آخر سواه، ومثلما وقعت فيها فصائل المقاومة الفلسطينية (الوطنية منها والإسلامية) في تلك الأخطاء السياسية والكفاحية الانتحارية القاتلة المدمرة التي وقعت فيها الفصائل الوطنية والإسلامية على السواء فمن المفارقات التاريخية أن قوى وأحزاب المقاومة اللبنانية (الوطنية منها والإسلامية) وقعت ومازالت تقع في أخطاء قاتلة سياسية وكفاحية مشابهة.

فها هو حزب الله وبعد انحسار دور أحزاب المقاومة الوطنية اللبنانية يرتكب ذات الأخطاء السياسية والقتالية التي وقعت فيها تلك الأحزاب، ولعل آخر أخطائه في هذا الصدد اعتراف قيادته الفاضح والمؤسف بإرسال بعض المقاتلين من رجاله إلى أراضي جمهورية مصر العربية لتقديم دعم للمقاومة الإسلامية في غزة انطلاقا من الأراضي المصرية.

أخبار الخليج 21 ابريل 2009

اقرأ المزيد

تسابق الجنرالات والديمقراطية


نعود إلى عالمنا النامي الذي ظل يحمل من التناقضات الاجتماعية والسياسية المتباينة، كل مجتمع على حدة، ولكن احد مؤشراته البارزة ظل يسطع في فضاء الحياة السياسية، برغم الانهيارات الكثيرة في جبل الجليد، غير إن مؤسساته القوية بقبضاتها الحديدية كمنت في وعي الجماهير، إما لتاريخها الوطني ضد الاستعمار أو لمفرداتها الدائمة عند كل انقلاب يخرج فيه الجنرال نحو محطة الإذاعة ويعلن أن الانقلاب جاء للقضاء على الفساد والكذب وغيرها من الجمل ثم ينتهي بجملة ومصطلح صار مسماراً في جدار الحياة السياسية: «نحن مع حركة التغيير والإصلاح، فيتم التصفيق والعيش مع انتظار ذلك الأمل الذي يأتي به كل جنرال في مجتمع مصاب بحالة الإحباط والخيبة».

لقد كنا نتأمل في الأسابيع الماضية تلك الخارطة السياسية العالمية التي تشتعل بصناديق الاقتراع وبتلك الملصقات والدعاية الانتخابية، فيما راحت جماهير أخرى كموريتانيا تنادي بعودة الرئيس والديمقراطية. هكذا بدأ جنرالات الماضي يظهرون على خشبة المسرح وهم أقوياء أكثر مما مضى. كانت خارطة الانتخابات الاندونيسية تعيد لذاكرة جيلنا ذلك التماسك العميق لحلفاء مؤتمر باندونغ واندلاع عالم مناهض للاستعمار وانقلابات عسكرية وطنية حقيقية. هذه المرة مثل كل المرات تنبت التربة الاندونيسية في حملة الانتخابات والمسار الديمقراطي، عالم واسع من الجنرالات وليس جنرالا واحدا، هذا الفطر النابت في الأرخبيل يؤكد لنا بأنه مازال للبدلة العسكرية والهيبة الأمنية حضورها، فكانت المؤشرات الدولية الحاضرة والمعنية بالمراقبة تميل أغلبها إلى إمكانية نجاح سوسيلو بامبانج المنافس للرئيسة مييجاواتي، فيما كان الجنرال السابق الآخر «برانتو» يسبح في مياه متقلبة لا يمكنها النجاح والانتصار على جنرال قبضته كانت حديدية في جهاز الأمن واستطاع خلال تلك الحقبة ان يؤسس له بنية داخلية في الجهاز وعلاقات متشعبة في محيط الجزر المتناثرة.

كانت تلك المؤشرات قبل إعلان النتائج تبرز لنا ظاهرة جديدة للديمقراطية الوليدة في مجتمعات ظلت لأكثر من ثلاثين وأربعين عاما مجتمعات تعيش في الظلام ولا تسمع إلا اصواتا احتجاجية بين الحين والآخر تنتهي بحمامات الدم، وكان على تلك الأصوات أن تخبو أو تملأ السجون، ولكن الكتابات الجدارية تظل تبث إشاراتها للناس بضرورة التمرد والتغيير. في ظل تلك الحقيقة وواقعها، كان يترعرع في كنف الأنظمة القمعية العنف والفساد والبطالة أيضا فقد صنعها والآن ينادي بالقضاء عليها! والتي كثيرا ما ستكون سببا للانفجار العفوي وخروج الناس بالمئات للشوارع، وسيكون على العسكر ببدلاتهم الانفجار كذلك تلبية لنداء الناس ومحنة الوطن مع الأنظمة متناسين قوانين الطاعة والانضباط، خاصة وان الجنرالات الكبار في الجيش ما عاد اغلبهم يمثلون نموذجا للمثالية الوطنية والأخلاقية، فكل الصور والقصص المتداولة في الحياة السياسية تعلن عن استشراء الفساد في قمة المجتمع بل واقعه البائس.

كان على الخارطة السياسية التي نقرأها كل يوم في مجتمع مدني هش وجماهير متمردة على شكل فقاعات هنا وهناك. في البلدان النامية، كانت الديمقراطية ’’فتاتنا الجميلة’’ يسعى الجميع لخطب ودها لكونها صارت الموضة السائدة، بل وضرورة لا بد من بنائها لنشوء عالم جديد من اجل التغيير والإصلاح! ولكن عن أي تغيير وعن أي إصلاح من الممكن تحقيقه، هذا ما ينبغي أن يشعر به الناس أولا قبل الإعلان عنه في الانتخابات ولحظة التصويت والوقوف عند صناديق الاقتراع بملابس مدنية مزركشة وابتسامة ودودة لعدسات التصوير .

هكذا كان المسرح السياسي في اندونيسيا وموريتانيا، حيث الصراع يظل ساخنا ويبقى لقوة وحضور الجنرالات المعلن أو الخفي حضورا متمكنا، فلديه من سطوة المال والحديد ما يجعله قادرا على النجاح. ربما ليست التجربة التاريخية لكل من نماذجنا واحدة، وليس لكل هذه المسارات متقلبات واحدة وتأثير في محيطه الإقليمي بالقدر نفسه، ولكن ما يجمعهما اليوم تلك الظاهرة الواحدة هو التشبث بقبضة السلطة، وبشعارات متماثلة لا يمكن أن تغيب عنها الملصقات.

 

اقرأ المزيد

الحرب على الفقر بدلاً من الإرهاب

أخذت تتصدع أيديولوجية الحرب على الارهاب، التي تحولت إلى هذه الأدلجة الصارمة الساحقة، عالمياً، بسبب أن القيادة في الولايات المتحدة كانت لديها سياسة يمينية مفصولة عن القوى الشعبية في العالم، وحيث يتم تصدير رؤوس الأموال والأسلحة والبضائع من دون اهتمام للتنميات في الدول الأخرى.

إن تصدع هذه السياسة أو وصولها لأزمة ليس من خطأ الهجوم على القوى الدكتاتورية العنفية في العالم، بل من عدم فهم هذه التيارات العنيفة التي تجتاح بعض المناطق المأزومة في بعض المناطق والتي وصلت إلى حد الاختناق، وبطبيعة الحال لم تخل تلك المناطق المأزومة والدوائر الحاكمة المناهضة لهذه الجماعات كلتاهما، من توظيف لهذه السياسة لمصلحتيهما. 
 
في الدوائر الحاكمة الأمريكية هناك الفصل التعسفي لفهم نشوء وتنامي الجماعات الارهابية من خلال شبكات تقليدية دينية وقومية عن جذور الأديان والقوميات الحضارية، فثمة نظرة متدنية تصور تلك الأديان والقوميات بأنها عش صنع العنف والارهاب، فتجرى عمليات تعميم، وعدم فهم، وتوسيع القوى المؤيدة للعنف، ويتحول العنف المضاد إلى الوسيلة الوحيدة الرئيسية للقضاء على الارهاب، وتنفصل المناطق والبلدان الإسلامية عن بعضها بعضا، ويتم التركيز في جماعات معلقة في الهواء، مفصولة عن جذورها ودينها وأممها.

على مستوى الأرض العسكرية التي تجرى فيها الضربات والملاحقة تـُشكل هياكل سياسية من جماعات مستفيدة، نائية عن الجماهير الفقيرة. وعلينا أن نرى نموذجاً محدداً في ذلك وهو التجربة في افغانستان. فما هو الوضع الحقيقي؟ وكيف جرت الحرب ضد الارهاب هناك؟
إن البنية الاقتصادية في افغانستان انهارت حسب معلومات الأمم المتحدة:

(على مدى مئات السنين كانت شبكات القنوات تأتي بالمياه الى الحقول والبساتين وهو ما كان يؤدي الى انتاج محاصيل مربحة غير أن نظام الري قد انهار على مدى سنوات من الصراع).
(هنالك الآن نقص حادّ في الغذاء، و انتشار كبير لزراعة الحشيش والأفيون في ظل الوجود الأجنبي، ولم تعمل قوات التحالف على دعم المزارعين والفقراء، فبلغت المصاريف العسكرية للتحالف 900% من المصاريف التنموية في هذا البلد).

(وبعد ضغوط دولية متصاعدة للتعامل مع مشكلة المخدرات بدأت جهود إزالة الصناعة التي تدر نحو 8،2 مليار دولار سنويا لاتاحة الوقت أمام المزارعين لاعادة زرع حقولهم بمحاصيل غير محظورة. ويقول خبراء إن فرق الإزالة تقوم بحرث حقول الخشخاش غير أن قسما ضئيلا فقط من تلك الحقول لا يتجاوز في أغلبه 10 في المائة في أنحاء البلاد هو ما يمكن تدميره).

إن الحرب على الأفيون لم تحقق شيئاً في الواقع، فجماعة طالبان تستفيد ملياراً من هذه الزراعة بدعم المزارعين، والمليار الآخر والنصف كذلك تستفيد منها القوى المؤيدة للحكومة أو المزارعون المستقلون.
(وأكد كيي آييد، المبعوث الخاص للأمم المتحدة ورئيس بعثة المساعدات التابعة لهذه المنظمة العالمية في أفغانستان أن الاهتمام قد تركز أساساً في انتشار “التمرد” وارتفاع عدد الهجمات الانتحارية، فيما أحيلت مخاطر الجفاف والعجز الغذائي إلى مرتبة ثانوية).
(وذكر أيضاً أن نحو 2،1 مليون طفل تحت سن الخمس السنوات، و 000،550 حامل وأم مرضع في 22 محافظة أفغانية، يعانون “خطرا كبيرا في سوء التغذية”، الملتقى الإعلامي العربي).

وصرح مارفين بارفيز المسئول بهيئة “خدمة الكنيسة العالمية” الناشطة في توفير المعونات الإنسانية، أن: “موجة الجفاف تهدد حياة الملايين من الأفغان”.
هذه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تهيئ الشباب الأفغان للالتحاق بحركة التمرد والعنف، فالحكومة غير قادرة على توفير الأعمال، وطالبان تزرع المخدرات وتملك الملايين وتأتي إليها مساعدات مالية كبيرة لشراء دم الفقراء.

(قال شاب في الخامسة والعشرين من عمره أطلقنا عليه في هذا التقرير اسم شاكر لأنه رفض الإدلاء باسمه الحقيقي مخافة التعرض للانتقام انه ندم لرفضه عرض عمل من أحد عملاء طالبان كان سيتقاضى بموجبه 500 أفغاني (حوالي 10 دولارات) يومياً مقابل شن هجمات على مكاتب حكومية في إقليم فرح، جنوب غرب أفغانستان).

(من جهته، قال لطف الله، 23 عاماً، من إقليم هيلمند ان “طالبان تدفع ما بين 500 و000،1 أفغاني (10 – 20 دولارا) يومياً مقابل تنفيذ عمليات ضد الحكومة والقوات الأمريكية”، في الوقت الذي لا يحصل فيه الموظفون الحكوميون سوى على أقل من دولارين اثنين في اليوم الواحد)، (شبكة الأنباء الإنسانية، إيرين).
(ويرى الخبراء أن المتمردين يستغلون انتشار الفقر والبطالة وضعف الحكم وأن معظم الشباب الذين ينضمون إلى طالبان وينفذون عمليات انتحارية هم من “الفقراء، وغير المتعلمين الذين يسهل التأثير عليهم”، وفقاً لدراسة أجرتها الأمم المتحدة عام 2007 حول طبيعة الهجمات الانتحارية في أفغانستان).

يتقدم الرئيس أوباما بعض الخطوات في فهم المشكلة من دون تغيير جذري.

(قال اوباما ان الجيش الامريكي في أفغانستان سيحول تركيزه الى تدريب وزيادة عدد الجيش الافغاني كي يمكنه تولي القيادة في تأمين البلاد والسماح للقوات الامريكية بالعودة لوطنها.
وانتقد بعض السياسيين القوات الاضافية الواردة في الاستراتيجية وقالوا ان الجهود العسكرية تنال أهمية أكبر من توفير اغاثة انسانية كافية لمعالجة الفقر في أفغانستان).

إن مشاركة الدول المجاورة في حل المشكلة، والفصل بين المتطرفين والمعتدلين من طالبان، هي خطواتٌ سياسية فوقية، فمسائل الازدهار الاقتصادي للبلد، تعتمد على رفع حياة الفقراء الأغلبية الشعبية التي انهارت حياتها المعيشية، أما تقوية الأمن وزيادة أعداد الجيوش والجيش الوطني، فتؤدي للمزيد من الأعباء المالية، ومن دون إيجاد مؤسسات اقتصادية واسعة الانتشار وتوزيع أراض على المعدمين وإعادة أوضاع الزراعة لما كانت عليه، تغدو الحلقة المفرغة مستمرة.

وعلى الدول العربية والإسلامية وخاصة القريبة أهمية كبيرة بمد المعونات وبناء المؤسسات الاقتصادية مع الاتفاق على جلاء القوات الغربية وتشكيل حكومة وطنية فيها، فعملية انهيار افغانستان ستكون لها انعكاسات خطرة على أوضاع الدول المجاورة وخاصة الإسلامية.

إن تشكيل التطور في الأمم الإسلامية مترابط، وأي حلقة تتحطم سوف تؤثر في باقي المنظومة.


20 ابريل 2009

اقرأ المزيد

« أجـــراس »

وسط حضور جماهيري كثيف، بينه جمهور من الأشقاء السعوديين أيضاً، امتلأت به عن آخرها الصالة الثقافية، أحيت فرقة «أجراس» البحرينية بمصاحبة فرقة البحرين للموسيقى حفلا رائعاً مكرساً لفلسطين بمناسبة الاحتفالية العربية بالقدس عاصمة للثقافة العربية.

 وكان أداء «أجراس» في مستوى توقعات جمهورها الذي افتقد طويلاً هذه الفرقة الرائدة التي شكلت علامة من علامات الثقافة الديمقراطية والفن الملتزم في البحرين، وكان لها في السنوات الصعبة دور كبير في إيقاظ الحس الوطني والإنساني ورفع الهمم والمعنويات، وفي إظهار الطاقات الخلاقة لأبناء وبنات هذا الوطن في المجالات الإبداعية.

نشأت «أجراس» واستمرت قريبة من مشاعر الناس وتوقهم وفرحهم وشجنهم، ووسط محيط من الإسفاف والفن الاستهلاكي، حافظت الفرقة على تميزها وعلى صدقيتها الفنية في تقديم موسيقى وأغان معبرة عن الوجدان الشعبي، وقاومت هذا المحيط المُحبط، لذلك استحقت محبة الناس وتقديرهم. ورغم انقطاع الفرقة الطويل عن الظهور أمام الجمهور، فان هذا الجمهور أظهر في احتفالية القدس وفائه للفرقة واعتزازه بها وتقديره لفنها، وهو ما تجسد في كثافة الحضور في الحفل.

 من عباءة «أجراس» خرجت مواهب موسيقية وغنائية لها مكانتها في المشهد الفني في البحرين، فإضافة إلى مؤسس الفرقة ووجهها الأبرز الفنان المعروف المشهود له بالمواقف الوطنية المشرفة سلمان زيمان، الذي دخلت أغانيه الذاكرة الغنائية البحرينية، هناك المايسترو خليفة زيمان دينامو «أجراس»، وقائد فرقة البحرين للموسيقى اليوم الذي أعاد توزيع الأغاني التي قدمت في الحفل بروح جديدة مُتقنة، وهناك الفنانة هدى عبدالله صاحبة الخامة الصوتية الرائعة، والتي قدمت هي الأخرى عدداً من الأغنيات التي يعرفها الجمهور جيداً، والتي شاركت في مشاريع غنائية وفنية ومهرجانات موسيقية عربية وإقليمية.

ولن يتسع المجال هنا لتعداد كل أعضاء الفرقة، لكن لا يمكن أن ننسى بعض الموسيقيين من أعضاء الفرقة الذين قدموا لها ألحانا أحبها الناس مثل محمد باقري ملحن أغنية «يا بو الفعايل يا ولد» كلمات الشاعر علي عبدالله خليفة، وعلي الديري ملحن أغنية: «بابل»، وعبدالوهاب تقي وآخرين غيرهم. ولا تفوتنا الإشارة إلى الموسيقار المبدع المناضل مجيد مرهون، الذي كانت خطوته الأولى بعد أن أنهى سنوات سجنه المؤبد وخرج إلى الحرية للانضمام إلى فرقة «أجراس»، حيث استقبله جمهور حفلاتها في تلك السنوات الصعبة باستقبال يليق باسمه وبدوره الوطني ومكانته الفنية، وقد حيته الفرقة في بدء احتفالية «القدس» بعزف مقطوعته الموسيقية بعنوان: «فلسطين الثائرة» قدمها الفنان أحمد الغانم على الفلوت.

محبو»أجراس» وجمهورها الذي أبهجته إطلالتها الرائعة في احتفالية القدس في الصالة الثقافية نهاية الأسبوع الماضي يتطلعون لأن تكون هذه الإطلالة بداية عودة للفرقة بروح جديدة وبدماء جديدة تواصل المسيرة الثرية للفرقة. وفي هذا المجال نتمنى من معالي وزيرة الثقافة والإعلام الشيخة مي بنت محمد آل خليفة مساهمة الوزارة في إعادة تقديم الحفل الأخير في عواصم خليجية أخرى، في إطار المشاركة البحرينية في إحياء احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية، وتأكيداً لما تحمله البحرين، في مجالي الثقافة والفن، من تعابير ومشاعر تضامنية مع الشعب الفلسطيني الشقيق وقضيته العادلة. ونحن على ثقة من أنها لن تذخر جهداً في هذا المجال لما نعرفه عنها من حرص ومثابرة.

20 ابريل 2009
 

اقرأ المزيد

إدارة الصراع بين شموليتين


تبقي المقاربات باتجاه الديمقراطية في البلدان العربية إدارة صراع بين شموليتين، فالإدارات الحكومية لا تسعى للتنازل الكلي أمام المعارضين وجعل الانتخابات حرة، وإن كل المناصب في متناول المرشحين، في حين يستند المعارضون إلى أفكار متخلفة ومناهج مفتتة لكيانِ الدول.
هي أزمة تكوين اجتماعي تقليدي دُفع فجأة باتجاهِ المقاربة مع الديمقراطية الغربية.

البيروقراطياتُ الحكومية المتكرسة خلال نصف قرن صارت لها وشائجها القوية في كل فروع الاقتصاد، شركات ووزارات، وخلف ذلك عائلات وقبائل ومناطق، وقوى منظمة عسكرياً، وتناسقتْ كل هذه التكوينات الاقتصادية والسياسية والأهلية في أشكالٍ عبادية أو مذهبية أو في تكويناتِ الحزبِ الواحد القديم الباقي دائماً.
أنها رغم كل تقليديتها تمثل شكلاً من المقاربة مع الرأسمالية الحديثة الغربية، وهي لها صلاتٌ اقتصادية وسياسية وعسكرية بها، وبهذا فهي تؤيدُ شيئاً من الانفتاح والحداثة، بما يتضمن ذلك تغييراً للثقافة والتعليم والحياة العائلية وانتشار المؤسسات المنتخبة بهذه الدرجة أو تلك من المحدودية. 
 
وأخطر الأشياء ارتباط هذه الإدارات بالمؤسسات العسكرية الغربية، التي غدت مهيمنة على أغلبية الأرض، في معاهدات وقواعد وحلف منتشر ومطاوعة مؤسسات الأمم المتحدة لها، وصار ذلك كله بمشاركة وتعاون القوى الكبرى في الشرق.

فمثل هذا التكوين العالمي المتناسق بعض الشيء المختلف في جوانب، لم يعد بالإمكان إسقاطه، والادعاء بمناطحته، ومثل هذا الكلام يؤدي إلى الانتحار على الطريقة القاعدية أو الكورية الشمالية.

بطبيعة الحال لم تصل القيادات العربية إلى أن تكون عاملاً مغيراً للأحوال لمزيد من الديمقراطية والتحديث، فهذه تتطلبُ أموالاً هائلة، لا تكرسها وتكوّنها وتراكمها وتستجلبها، لأنها تستنزفُ الأموالَ لجهات أخرى بذخية أو هروبية.

وفي المقابل فإن الشمولية الدينية تغدو فزاعة، أو قوى تملك جمهوراً محافظاً لكنها لا تملك برامج تحديثية بل تخوف القوى الليبرالية والتقدمية، فلا تحاول أن تفهم العصر وتطور من جمهورها المحافظ الذي تعتقد انه رأسمالها السياسي الذي تتحرك به في عالم مغاير لها.

بين هذا وذاك تنزف المجتمعات العربية وتضيع سنوات من عمرها على فتح وإغلاق السجون، وعلى محاكمات الارهاب والخلايا النشطة والنائمة، وعلى اجتماعات الأحزاب الدينية وانشقاقاتها وبحثها عن أي حليف وأسلحة وتفجيرها للصراعات العتيقة واستدعاء مفردات الصراعات الدينية والصليبية.

أي أن ثمة تكوينات اجتماعية ريفية وبدوية وفي ضواحي المدن الكبيرة الفقيرة تريد مدارس وأعمالا واستقلالاً سياسياً للحكومات العربية، واحتراماً للموروث، وترقية للأحوال، ولكن الإدارات لا تنفذ ذلك بسهولة وسرعة، وقد لا تنفذه على الإطلاق، ويظل المحرومون أدوات للتلاعب السياسي للزعماء وللدول الخارجية.

إنها خريطة عربية واحدة، بل نجدها في كل دول ما يُسمى العالم الثالث، في نموها واصطدامها بسرعة التطور في العالم، وعجز هياكلها الاقتصادية – الاجتماعية عن اللحاق بذلك.

تحتاج الحياة العربية إلى مسئولين وإلى وحكام مستقلين عن الجانبين، عن جانب تقليدية الإدارات وجمودها وعن الجماعات الدينية ومغامراتها، من أجل تنفيذ تغييرات اقتصادية واجتماعية وثقافية خاصة في المناطق الشعبية وفي حياة الجمهور الاقتصادية الرثة، لنقل هذا الجمهور بآبائه وشبابه من الاستغلال السياسي التكتيكي الملتهب.
لكن هل يمكن وجود رؤساء وحكام مستقلين عن طبقاتهم الحاكمة وأسرهم وجماعاتهم المتحكمة في الإدارات لتلك المدة الطويلة؟
إنه أمرٌ لابد منه.

فمهما كانت الحياة الماضية فإن تلك الجماعات القديمة الحكومية لا تستطيع أن تعيش بنفس الطرق، وأن تبقى في نفس مستويات الرفاهية القديمة وحياة العزلة والامتيازات ولابد للامتيازات أن تتساقط واحدة بعد أخرى.

ذلك أن شيئاً أفضل من لا شيء، وبدلاً من تراكم عوامل الشحن والصراعات المؤدية إلى كوارث أن تتم المحافظة على الموارد.
هذا يعتمد على شخصية الرئيس ومدى ديناميكيته فحين يجري انتخابات ويفوز بها ذلك أفضل من نجاحه الآلي السياسي، ولكن العبرة في تغييره الطواقم الراكدة وطرق تفكيرها الجامدة، وجلب طاقات مختلفة، تبحث عن موارد جديدة وتتوجه للعلاقات الحقيقية مع الجمهور الفقير، أساس المشكلة وحلها.
ونلاحظ أن الرؤساء لا يقرأون، ولا يتمتعون بثقافة ونشأوا في بيئة حزبية أو عائلية محدودة الفكر، في حين جاء رؤوساء التغيير من بعد حروب أو ثورات ونشأوا بشكل عصامي والقليل من هؤلاء كان صاحب مشروع ديمقراطي نهضوي كذلك.

عموماً يظل الأمل الفوقي الذاتي ضئيلاً، وسوف تستمر الصفيحتان الأرضيتان، الإدارة القديمة والدينيين، في حراك تحتي صدامي وصراعات يتولد منها الكثيرُ من الشرر وتخرج من بين شقوقها براكين الأرض وشياطينها، من دون أن تتحول إلى ثروة ذهبية أو حتى حديدية، بل تقصم ظهر الثروة آجلاً أم عاجلاً.
العبرة كلها في الجمهور المتخلف الفقير وطرق تحويل حياته وعدم إنزال جبل من الفواتير والضرائب والأسعار العالية والاستغلالات الشديدة فوق رؤوسه.

19 ابريل 2009

اقرأ المزيد

رايحين للحج … والناس راجعة


 
 
كلما يأتي الحديث عن جمعية الصحافيين، وخاصة هذه الأيام، حيث انعقد المؤتمر العام لانتخابات رئاسية وإدارية جديدة، نسترجع المواجع، وتُستفز ذاكرتنا بالأسئلة والبدايات الخاطئة التي أصبحت بعد عقدٍ تقريباً ‘أمراً واقعاً، وتحصيل حاصل’ ربما لا يقبل التصحيح أو المراجعة الموضوعية التي تهم الجسد الصحافي: من الدفاع عن الحقوق المهنية والأدبية للصحافيين إلى تقويم المسار النقابي ووضعه على السكة، ليعبر بنا نحو الوصول لقناعة حقيقية تنفض الغبار عن المثالب القاتلة التي جزّأت المجزّأ في الجسم الصحافي، ووصلت بنا بـ’مواصيل’ ضياع الهوية الصحافية وتفريغ مضامين مصالحنا وحقوقنا من محتواها .. وهكذا، فقبل أن نصحح الخطأين الأساسيين اللذين يتعارضان مع العمل النقابي المتعارف عليه: وهما (الجمع بين عضوية أرباب العمل والعاملين في جمعية واحدة، واستمر كذلك توسيع مفاهيم ومقاييس العضوية التي اختلط فيها الحابل بالنابل إلى أعلى مستوياته) وكأن شيئاً خاطئاً لم يكن، زاد الطين بلة تكريس هذين الخطأين بانخراط بعض الممانعين بعضوية الجمعية، في إطار ما أطلق عليه بـ’نظام المحاصصة بين الصحف المتنافسة’، وهذا يعني من فرط ما يعني مصادقة سلسلة وبأريحية على الخلل السابق الذي قامت عليه جمعية الصحافيين بإكراه الصحافيين.

كنا منذ البداية نطمح في تأسيس جمعية أو نقابة للصحافيين ‘خالية من الدهون المتحولة’، تماماً كما يُروّج في إعلانات التلفزيون لـ’الزيوت الصحية النقية’، وكان بعضنا يردد عبارة أطلقها الصحافي والباحث الحقوقي الأردني يحيى شقير تشير إلى إنه ‘على الصحافة ألاّ تنام مع الحكومات في فراش واحد’، حيث الغرض من ذلك تحريرها من التدخلات والدفع بها نحو الاستقلالية الحقيقية، غير أن هذا البعض: وا … حسرتاه، أصبح كطائر الفينيق دائم التحليق في السماء يبحث عن المجهول!!.

وكادت الأمور أن تكون طبيعية، غير أن بعض المقاتلين الصحافيين انتفضوا بحثاً عن مخرج ليس الغرض منه التحرك ضد زملاء لنا في المهنة، بل تقويم هذا التضارب في المصالح الذي لا يمكن معه الحديث عن إمكانية للدفاع عن الحقوق المهنية والأدبية للصحافيين، حتى لو كان هذا الشخص ‘انجلزي الهوى’، أيجوز أن يكون القاضي والخصم والحكم في موقع واحد؟!.

تساءل المنتفضون في رسالة مفتوحة إلى الصحافيين آنذاك ‘لماذا نريد إنشاء نقابة مستقلة للصحافيين؟’ وكان اعتراضهم على المسألتين سابقتي الذكر ‘الجمع بين رب العمل والعامل في جمعية واحدة، ما اعتبروه إنه تم على أساس خاطئ’، وثاني هذه الأخطاء، هو ‘توسيع مفهوم ومقاييس العضوية’ إلى الحد الذي ضاعت فيه هوية الصحافي الحقيقية، بحيث ‘فتح النظام الأساسي للجمعية الباب واسعاً أمام من يمارسون مهن قريبة من الصحافة، لكن ليس على أساس التخصص، أو الاحتراف لكي يكونوا أعضاء بالجمعية’.

وتشير الرسالة المفتوحة إلى الصحافيين البحرينيين إلى إنه ‘أصبح العاملون بشكل جزئي أعضاء في الجمعية على قدم المساواة مع العاملين المتفرغين للمهنة الذين تمثل الصحافة بالنسبة لهم مورد رزقهم الوحيد، وتم توسيع مفهوم العضوية ليصبح موظفي العلاقات العامة في القطاع العام والخاص أعضاء في الجمعية، موظفون إداريون من جهات إعلامية أعضاء أيضاً في الجمعية. وموظفون فنيون في القطاع العام أيضاً أعضاء في الجمعية. إن هذا الخلط الواسع في مقاييس العضوية ينعكس سلباً على الصحافيين أصحاب الحق في الجمعية التي تحمل اسمهم، لأن هويتهم كصحافيين أصبحت ضائعة’.[1]

بعد كل هذا، تخرج علينا أصوات تطالب جميع الصحافيين بالعمل من داخل الجمعية لتغيير النظام الأساسي، ولا شك إن هذه الأصوات تحمل من الوجاهة الكثير، لكنها للأسف من حيث لا تدري، تطالبنا في آن، ووفق هذه المقاييس للعضوية والخلل القائم المصادقة على هذا الخلل، الذي خربناه منذ بدايات التأسيس إلى يومنا هذا، لم تدافع هذه الجمعية عن صحافي قط، لأنها ببساطة لم تعالج هذه الأخطاء، ويتعذر في الوقت نفسه تأمين الثلثين بهذا الخليط من الأعضاء للجمعية العمومية لتغيير المواد المختلف عليها في قانون الجمعية، وإن تحولت إلى نقابة بهذه المقاييس، ولكم يا معشر الصحافيين أن تقتنعوا بالبديل الذي يدافع عن حقوقكم المهنية والأدبية .. وأيضاً مصالحكم، هذا … أو استسلموا للسائد، أما الذين سيظلون يحاربون طواحين الهواء، كما في رواية ميجيل دو سربانتس المعروفة بـ «دون كيشوت» ‘، فلا يحدوهم إلا الأمل في التغيير نحو الأفضل.

[1] رسالة مفتوحة للصحافيين في مملكة البحرين ـ نقابة الصحافيين (تحت التأسيس)
 
الوقت 19 ابريل  2009

اقرأ المزيد

التجارة الدولية‮ .. ‬مسرح‮ ‬ آخر لعمليات الأزمة الاقتصادية


بدأت عدوى الخوف التي أصابت المتعاملين في أسواق العقار والمال والصيرفة، تنتقل إلى القطاع الأعرض من المتعاملين في التجارة الدولية، وكلما أوردت المقارنة بين كساد ثلاثينيات القرن الماضي والكساد الحالي دبت القشعريرة في أوساط هؤلاء المتعاملين، إذ يكفي أن نتذكر أن انهيار التجارة الدولية نتيجة لانهيار الطلب العالمي، أدى لانهيار الأسعار وإلى هرولة الحكومات وراء إجراءات أكثر إضراراً..الحمائية، أي تعلية أسقف شرائح الضريبة الجمركية.

 والنتيجة، أن بدأت التجارة الدولية تتراجع كما لم تتراجع في فترة ما بعد الحرب الكونية الثانية. فقد أظهرت بيانات منظمة التجارة العالمية التي نُشرت أواخر شهر مارس الماضي، أن التجارة الدولية ستنخفض بنسبة 9٪ هذا العام، وذلك لأول مرة منذ عام .1982 فلقد كانت التجارة الدولية تنمو خلال الفترة من 1990 إلى عام 2006 بواقع 6٪ سنوياً، متخطية بصورة خاصة معدلات نمو إجمالي الناتج العالمي التي كانت عند متوسط 3٪ سنوياً.  

ومنذ الآن سنشهد اتجاهاً معاكساً، حيث يتراجع نمو الاقتصاد العالمي ولكن التجارة الدولية تتراجع بمعدلات أسرع منه. والسبب في ذلك ليس فقط الهبوط الحاد في الطلب العالمي، وإنما موجة الحمائية التي هبت منذ اندلاع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، حيث اتخذت 17 دولة من العشرين دولة التي شاركت في قمة العشرين الأولى التي عقدت في نيويورك في شهر نوفمبر من العام الماضي، 47 إجراءً حمائياً ‘لتقليم أظافر’ وارداتها السلعية، وذلك بحسب مصادر البنك الدولي.

وإذا كانت الإجـراءات الحمائية التي اتخـذت إبان أزمة الكسـاد العظيم (1929-1934) قد هيمنت عليها القيود الكمية (Quantitive Restrictions)، حيث رفعت الولايات المتحدة حوالي 900 فئة جمركية – فان الإجراءات الحمائية الحالية أكثر تعقيداً، إنها أقل ميلاً لزيادة التعرفة الجمـركية وأكثـر ميلاً لاستخدام القيـود غير الكمية (Non-Quantitive Restrictions) مثل تعقيد تصاريح التوريد، والتعلل بالإغراق لزيادة الرسم الجمركي. كما لجأت الدول الغنية إلى التعلل بما أسمته التمييز في المعاملة فيما يتعلق بترسية عطاءات ومناقصات المشتريات الحكومية، وتقديم الدعم (Subsidy) إلى صناعاتها ‘العليلة’. واليوم هناك 57 نوعاً من أنواع الإجراءات الحمائية. وكما هو واضح فإن 85٪ من الدول التي شاركت في قمة العشرين الأولى، لحست تعهداتها بعدم اللجوء إلى الحمائية تجنباً لتعميق الأزمة، ولولا الاتفاقيات متعددة الأطراف، وتحديداً اتفاقية إنشاء منظمة التجارة العالمية في يناير ,1995 لكانت الإجراءات الحمائية المتخذة أشد وطأة على حجم المبادلات التجارية الدولية.

 وما فاقم الوضع هو تراجع حجم التمويل المصرفي والمالي (ضمان وتمويل الصادرات والورادات) بسبب الأزمة المالية، حيث قُدِّر حجم النقص في هذا التمويل بحوالي 100 مليار دولار كانت توفر وسادة ضمان وتمويل لحوالي 90٪ من المبادلات التجارية الدولية. وكان انعكاس هذا الواقع على بعض الدول مثل الأكوادور وفرنسا وإندونيسيا والفلبين وجنوب أفريقيا بواقع 30٪ أو أكثر بحسب البنك الدولي.

وإذا كانت الدول المتقدمة التي تعولمت اقتصاداتها بصورة غير مسبوقة تمثلت في ما يسمى بالتخصص العمودي “Vertical Specialization” أو شبكة التزويد المُدَوَّلة “Global Supply Chains”، حيث يشترك عديد المنتجين لقطع الغيار ومدخلات السلعة النهائية من بلدان مختلفة لإنتاج السلعة، ما يجعل دول هذه الاقتصادات تحسب حساباً للأضرار الارتدادية لإجراءاتها الحمائية، فإن الدول النامية ذات الاقتصادات الأقل عولمة تجد نفسها مضطرة للجوء للرسوم الجمركية لمواجهة مشكلة اختلال موازينها التجارية. فلقد رفعت الأكوادور تعرفتها الجمركية على 600 سلعة، ورفعت روسيا ضريبتها الجمركية على السيارات المستوردة، ورفعت الهند ضريبتها الجمركية على بعض أنواع الحديد. كما توسعت الدول النامية في الإجراءات الحمائية غير الكمية. فقد حددت إندونيسيا مثلاً 5 موانئ لاستيراد بعض أنواع السلع مثل الأقمشة والأحذية والألعاب عبرها فقط. كما فرضت الأرجنتين متطلبات ترخيص توريد تمييزية لقطع غيار السيارات والملابس والتلفزيونات والألعاب والأحذية والمنتجات الجلدية بعد أن كان الحصول على هذه التصاريح سهلاً وفورياً. كما لجأ بعضها الآخر لمنع توريد سلع معينة بدعاوى الصحة أو البيئة، مثل الصين التي أوقفت استيراد عدد واسع من المنتجات الغذائية الأوروبية مثل لحم الخنزير الأيرلندي ومشروب ‘البراندي’ الإيطالي ومنتجات الألبان الإسبانية، فيما منعت الهند توريد الألعاب الصينية.

 أما الدول الغربية فكان سلاحها خلال الموجة الحمائية الدولية الجديدة، الدعومات “Subsidies”، وهو سلاحها التقليدي الذي تجيد استخدامه حتى في الأوقات الاعتيادية من انتظام وصعود الدورة الاقتصادية. لما كان الأمر كذلك فإن إعادة تأكيد زعماء مجموعة العشرين في قمتهم الثانية التي عقدت في لندن في الثاني من أبريل 2009 على أهمية عدم الانزلاق إلى الحمائية، ليس لها معنى ما لم يتم استئناف مفاوضات جولة الدوحة المعطلة ومنع الدول من التمادي في إجراءاتها الحمائية الكمية وغير الكمية كتلك التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي مؤخراً والمتمثلة في تقديمه الدعم لمصدري الزبدة والأجبان والحليب المجفف   .
 
الوطن 19 ابريل 2009  

اقرأ المزيد

مؤتمـــر الهــوية


نظم معهد البحرين للتنمية السياسية مؤتمراً هاماً عن الهوية في الخليج العربي, كان محط اهتمام للعديد من الإعلاميين ليس على مستوى الخليج فحسب بل على المستوى العربي والعالمي أيضا.

 ويأتي هذا الاهتمام بسبب التحديات المهمة التي تمر بها المنطقة, إقليميا ومحلياً, بشتى صور هذه التحديات اقتصادية وسياسية واجتماعية. ولعل من حق دول الخليج ان تبدي قلقاً أكبر من ذاك القلق الذي أثير في مناقشات المؤتمر,خصوصاً انها مرتبطة بمصير مشترك.

خليجياً, فإن ملف الهوية ملف شائك, وشائكيته بعيدة كل البعد عن (العصبية القومية) التي أرادت إحدى الماجدات ان تثيرها في المؤتمر, فما كان لوزير العمل إلا ان يكون لها بالمرصاد, الحديث عن الهوية أبعد من ذلك بكثير.

كان واضحاً جداً ان حتى مقدمي الأوراق لم يستطيعوا ان يفصلوا ملف الهوية عن المواطنة وهمومها, واجباتها وحقوقها, وحتى ولاءات الجمهور. وبالتالي فإن الهوية يمكن لها ان تتعرض لمخاطر جمة, إذا لم يؤخذ بعين الاعتبار ملف المواطنة الحقيقية بصورها وأنماطها, وهذا أيضا مرتبط بالولاءات التي ما برح البعض يشكك فيها.
ان تعزيز الهوية والمحافظة عليها متشعب ومرتبط بالسياسة العامة للدول العربية, وهي بالطبيعي ليس بمعزل عن المجتمع, فالمعنيون بالهوية هم دول ومجتمعات وأفراد, فالهوية ليس محافظة على اللغة العربية فقط, ولا الخروج في تظاهرات تنديداً بالاحتلال, ولا رفع صور لزعامات او البكاء على اللبن المسكوب, أوعلى من يحمي تلك البوابات العربية الشرقية أو الغربية.

معهد التنمية السياسية سيواصل دوره في ملف التنمية ونأمل ان نصل الى أصل الفكرة ومعدنها حتى نرى كيف نعززها.
 
 

اقرأ المزيد