المنشور

التقدمي” يخاطب رئيسي “الشورى” و”النواب” بتوصيات حلقته الحوارية حول مشروع قانون العمل


خاطب الأمين العام للمنبر التقدمي د. حسن مدن رئيس مجلس الشورى علي صالح الصالح ورئيس مجلس النواب خليفة أحمد الظهراني، بالتوصيات التي خلصت إليها الحلقة الحوارية التي نظمتها لجنة الشؤون القانونية والبرلمانية وقطاع النقابات في “التقدمي”، واقيمت في مقره  بتاريخ 13/12/2008 حول مشروع قانون العمل.
شارك في الحلقة عدد من الجهات الرسمية والأهلية، بينها وزارة العمل وغرفة وتجارة وصناعة البحرين ولجنة الخدمات في مجلس النواب والاتحاد العام لنقابات عمال البحرين والاتحاد النسائي البحريني والمكتب العمالي في جمعية”وعد”، إضافة إلى المنبر التقدمي نفسه الذي قدم ورقة مستفيضة حول مرئياته لمشروع القانون.
وكانت الحلقة الحوارية شكلت لجنة صياغة ثلاثية مكونة من ممثلين عن المنبر التقدمي والاتحاد العام لنقابات العمال والاتحاد النسائي، لوضع توصيات الحلقة، التي رفعها “التقدمي لرئيسي مجلسي الشورى والنواب.

والجدير بالذكر أن مشروع القانون المذكور معروض على المجلسين، بعد أن كانت مسودته قد أعدت من لجنة ثلاثية مكونة من وزارة العمل ، وغرفة تجارة وصناعة البحرين، والاتحاد العام لنقابات عمال البحرين، غير أن مجلس التنمية الاقتصادية  عدل وحذف من هذه المسودة بعض الأحكام التي رأت الحلقة الحوارية أنها مهمة.
وسجلت الحلقة الحوارية التي أقامها “التقدمي” في توصياتها  عدة ملاحظات على مشروع القانون مطالبة بالأخذ بها كونها تعكس ارادة أطراف رئيسية على علاقة مباشرة بما ينظمه مشروع القانون، بينها:
 


 
1- مشروع القانون يتجاهل النص على نظام الحد الأدنى للأجو




ر

 
 
    الأجر ركن أساسي في عقد العمل، لا يقوم بغير توافره، فهو محل الالتزام الرئيس لصاحب العمل، وهو في نفس الوقت سبب التزامات العامل، ومن هنا تأتي أهميته البالغة في عقد العمل، إذ إنه من مستلزمات وجوده، فبغيره لا يقوم عقد العمل أصلا، ويقصد به  كل ما يحق للعامل أن يتقاضاه من صاحب العمل في مقابل عمله الذي التزم به بمقتضى العقد، وهو يشمل الأجر الأساسي مضافا إليه كل ما يتقاضاه عادة من علاوات ومكافآت أو عمولة وغيرها مما يعد من عناصر الأجر.

 
وينتاب مشروع قانون العمل الجديد في شأن الأجور المنصوص عليها في الباب السادس  عيوب عدة  أبرزها عدم النص بأي مفردة كانت للحد الأدنى للأجور، بل حذف من القانون المعمول به ما كان قد نص عليه  في المادة 77   على أن (يكون تحديد الحد الأدنى للأجور بقرار من مجلس الوزراء وبناء على عرض وزير العمل والشئون الاجتماعية).
 
و قد كانت مسودة القانون الجديد المتوافق عليها من قبل اللجنة الثلاثية المكونة من وزارة العمل، وغرفة تجارة وصناعة البحرين، والاتحاد العام لنقابات عمال البحرين، قد نصت في شان الحد الأدنى للأجور  على مادتين هما:
 



المادة  50 (يجب أن ألا يقل ما يحصل عليه العامل عن الحد الأدنى للأجور إذا تم الاتفاق على تحديد أجره بالإنتاج  أو بالقطعة أو بالعمولة).

 
والمادة 62 (يشكل مجلس للأجور برئاسة الوزير المختص، يختص بوضع حد أدنى للأجور على المستوى الوطني مع الأخذ بالاعتبار نفقات المعيشة على نحو يحقق التوازن بين الأجور والأسعار، ويصدر قرار من رئيس مجلس الوزراء بتشكيل المجلس على أن يضم في عضويته أطراف الإنتاج الثلاثة).


 
غير أن مجلس التنمية الاقتصادية حين أحيلت إليه مسودة القانون قرر حذف هاتين المادتين، فجاء مشروع القانون المعروض الآن على مجلس النواب دون النص على نظام  الحد أدنى للأجور، ولم ينص على آلية لتحديد ذلك ، كما هو الحال في كثير من الدول، ويأتي  قانون العمل القائم  في هذا الشأن متقدما بنص المادة  77 المشار إليها سلفاً.
 
والحق أن الحاجة تقتضي النص على أن يكون هناك آلية لتحديد الحد الأدنى للأجور خاصة أمام الارتفاع الرهيب في أسعار الحاجيات الضرورية، كما أن دفع الحكومة في مناقشات القانون بأن فرض حد أدنى وطني للأجور مضر بالاقتصاد يدحضه واقع أن عددا من الدول الآسيوية الناجحة اقتصاديا كسنغافورة مثلا لديها حد أدنى وطني للأجور، وحتى الدفع بأن هذا الحد الأدنى سوف يشمل العمالة الوطنية، فإن في ذلك مانع من جلب عمالة رخيصة يتم استغلالها وهدر حقوقها لتنال فرص العمل كعمالة رخيصة على حساب العمالة الوطنية، كما هو حاصل الآن في سوق العمل.

 
 


ولذلك، نقترح أن ينص مشروع القانون الجديد على
 
 أ-  تشكيل لجنة وطنية مكونة من أطراف العمل الثلاثة (وزارة العمل،غرفة التجارة، المنظمات النقابية) بالإضافة إلى ممثلين عن كبرى الشركات ونخبة من مؤسسات المجتمع المدني، وتختص هذه اللجنة بدراسة وتقييم الأجور واستعراض أسعار السوق وتكاليف المعيشة، لوضع الحد الأدنى للأجور وإقراره، وتعقد هذه اللجنة اجتماعاتها بشكل دوري كل ثلاث سنوات وتكُون قراراتها بخصوص الحد الأدنى للأجور مُلزمة لكافة أصحاب العمل بالقطاع الخاص.
 

ب- يُعتبر الحد الأدنى للأجور وفقاً لهذا القانون محدداً بواقع ما تراه اللجنة الوطنية الحد الأدنى للأجر و متماشياً مع ظروف المعيشة ومستوى الأسعار ولابد من الإشارة قانوناً على إلزام أرباب العمل به وعلى أن الخروج عليه يعتبر مخالفة.
 
 
 
2- المادة(107)

سلطة واسعة لرب العمل في إنهاء العقد بسبب إغلاق المنشأة
 


 
أجاز مشروع القانون في المادة 107  لصاحب العمل إنهاء عقد العمل بسبب إغلاق المنشأة كليا أو جزئيا أو تقليص حجم نشاطها، أو استبدال نظام إنتاج بآخر بما يمس حجم العمالة، وذلك بعد إخطار الوزارة بذلك قبل ثلاثين يوما من تاريخ إخطار العامل بالإنهاء، ويستحق العامل في هذه الحالة مكافأة تعادل نصف التعويض الذي يستحقه في حالة الفصل التعسفي المنصوص عليه في المادة 108.
 
   وهي مادة مستحدثة في مشروع القانون المعروض على البرلمان، وقد جاءت دون النص على الضوابط التي يجوز فيها لصاحب العمل إغلاق منشأته، علما بأن المسودة الثلاثية أجازت لصاحب العمل إغلاق منشأته لضرورات اقتصادية  بضوابط عدة  نص عليه الفصل الخامس من الباب الخامس عشر أبرزها :

 



حظر وقف العمل بالمنشأة كليا أو جزئيا أو تغيير حجم المنشأة أو نشاطها دون الحصول على      موافقة اللجنة التي يتم تشكيلها بقرار من رئيس مجلس الوزراء لهذا الغرض.
 
– لا يجوز لصاحب العمل التقدم لهذه اللجنة بطلب وقف  العمل بالمنشأة كليا أو جزئيا أو تغيير حجم المنشأة أو نشاطها إذا كان النزاع معروضا على مجلس تسوية المنازعات الجماعية أو هيئة التحكيم.
 
– يجب على صاحب العمل إخطار المنظمة النقابية المعنية بقرار اللجنة بالموافقة على إغلاق المنشأة كليا أو جزئيا أو تغيير حجم المنشأة أو نشاطها وذلك للتشاور قبل الاستغناء عن العمال.

 
وغيرها من الضوابط الأخرى  التي نص عليها هذا الفصل من المسودة الثلاثية.
 
كما تجدر الملاحظة بأن هذا النص لم يفرق ما بين  الإغلاق المؤقت والإغلاق النهائي في الأثر الذي يترتب عليهما ، فالإغلاق المؤقت من المفترض أن لا يجيز لصاحب العمل إنهاء العقد بل يوقف تنفيذه خلال فترة هذا الإغلاق ثم يستأنف سريانه بعد زواله، كذلك فأن النص لم يفرق في حالة الإغلاق النهائي ما إذا كان الإغلاق بسبب أجنبي لا يد لصاحب العمل فيه أو كان بسبب يرجع لصاحب العمل.
 
 ففي الحالة الأولى مثل صدور قانون يحظر نشاط المنشأة، أو هلاكها بسبب حريق يحق لصاحب العمل إنهاء العقد بل ينفسخ بقوة القانون سواء كان العقد محدد أو غير محدد المدة ويعفى صاحب العمل من المسئولية، أما إذا كان الإغلاق النهائي بسبب يرجع لصاحب العمل فأن عقد العمل لا ينتهي ولا ينفسخ بقوة القانون  وتظل الالتزامات الناشئة عنه قائمة وعدم الوفاء بها من قبل صاحب العمل يعد بمثابة إنهاء للعقد بإرادته المنفردة يلزمه تعويض العامل عن المدة المتبقية من العقد إذا كان العقد محدد المدة، وعن مدة الإخطار والتعويض عن التعسف في الإنهاء إن وجد.
 
 ويمكن طرح السؤال التالي: هل من الممكن في حالة إغلاق المنشأة أن يتضمن النص إلزام صاحب العمل  بصرف الأجور للعمال لحين حصولهم على عمل آخر، وان الدولة مسئوله عن توفير الأعمال المماثلة للعمال الذين يفقدون أعمالهم جراء إغلاق المؤسسات التي يعملون فيها.
إن وضع ضوابط تحدد حقيقة الحاجة للإغلاق الكلي أو الجزئي لهو أمر مهم خاصة الآن في ظل الأزمة المالية وقد بدا واضحا للعيان استغلال بعض أصحاب الأعمال للأزمة المالية لتسريح العمالة الوطنية بحجة تناقص الأرباح خاصة في ظل عدم وجود القيد الموجود في قانون العمل القائم حاليا في المشروع المعروض أمام البرلمان، وهو القيد القاضي بتدرج الاستغناء في حالة الحاجة إليه بدءا من العامل الأجنبي فالعربي فالوطني.
 
 



3- المادة ( 103 )
تنال من حماية العامل الطرف الضعيف في العلاقة
 

 
تلزم المادة 103 العامل أن يخطر صاحب العمل بإنهاء عقد العمل في حالتي إخلال صاحب العمل بالالتزامات الجوهرية المنصوص عليها في القانون أو في العقد أو في حالة تدليس صاحب العمل أو مَن يمثله على العامل، في حين لا توجب المادة 104 صاحب العمل في أن يخطر العامل بإنهاء العقد في مثل هاتين الحالتين، وهو ما يخل بمبدأ حماية العامل باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة، ويؤكد مدى عدم التزام مشرع القانون الجديد بمبدأ العدالة والإنصاف.
 

 



4- المادة (106 )
فصل العامل لعدم الكفاءة حكم يتجاوز العدالة
 

 
تجيز المادة 106 من مشروع قانون العمل وهي مادة مستحدثة، أستحدثها مجلس التنمية الاقتصادية ولم تكن موجودة في المسودة الثلاثية، تجيز لصاحب العمل فصل العامل بسبب عدم كفاءته أو نقصها، وهو يعني أن يبقى العامل لفترة غير محددة حتى التجربة لقياس كفاءته مهدد بالفصل لهذا السبب وهو ما يتعارض مع نص المادة 21 من المشروع والتي تجيز تعيين العامل تحت شرط التجربة مدة ثلاثة أشهر كحد أقصى، بغرض معرفة مدى كفاءة العامل، إن حكم هذه المادة يتجاوز حدود الإنصاف والعدالة، ويفتح الباب على مصراعيه لصاحب العمل لفصل العامل في أي وقت بحجة عدم الكفاءة أو نقصها.
 
وتجدر الملاحظة هنا أن بعض أصحاب العمل قاموا بالفعل الآن وفي ضوء الأزمة المالية باستخدام حجة عدم الكفاءة للاستغناء عن العمال ولتفادي إيقاع الفصل التعسفي.
 
 



5- المادة (108)

تصادر سلطة القضاء  في تقدير التعويض





 
 
وضعت المادة (108) من مشروع القانون حدا أدنى لتعويض العامل في حالة فصله من العمل بدون سبب أو بسبب غير مشروع وهو ما يعادل أجر يومين عن كل شهر من الخدمة وبما لا يقل عن أجر شهر ولا يزيد على أجر اثني عشر شهراً إذا كان العقد غير محدد المدة، أو بما يعادل أجر المدة الباقية من العقد إذا كان العقد محدد المدة.
 
   حكم هذا المادة غير سائغ وغير مقبول ويصادر سلطة القاضي في تقدير التعويض، ذلك أن تقدير التعويض يقدر بقدر الضرر بنوعيه المادي والمعنوي وهو يختلف من حالة إلى أخرى ومن عامل إلى آخر، فالتعويض الذي يستحقه العامل المتزوج العائل لأسرته مثلاً يختلف عن التعويض الذي يستحقه غير المتزوج، ومن ثم فإنه من الخطأ تحديد مقدار التعويض دون أن تكون للقاضي سلطة تقديرية في بيان عناصر الضرر التي تحدد مقدار التعويض، علما بأن القانون المعول به قد أوضح ذلك صراحة في المادتين 108 و109 بأن ترك للقاضي السلطة التقديرية في تقدير التعويض.

 

 



6-إلغاء منح الأفضلية في التوظيف للعامل الوطني
 

 
كانت مسودة اللجنة الثلاثية قد أفردت بابا تحت عنوان ( تنظيم تشغيل العمال الوطنيين) اشتمل على تسع مواد تؤكد على أفضلية تشغيل المواطن وإلزام صاحب العمل بتقديم بيانات عن الوظائف الشاغرة لديه وعدم الاستغناء عن العامل المواطن في حالات الضرورة إلا بعد الاستغناء عن غير المواطن.
 

غير أن مجلس التنمية الاقتصادية قد حذف هذا الباب من المسودة وأبقى على مادة واحدة فقط منه هي (لكل مواطن قادر على العمل راغب فيه أن يتقدم بطلب قيد اسمه لدى الوزارة أو أي من المراكز التابعة لها….الخ).
 
ومجلس التنمية لم يبين الأسباب التي دعته إلى إلغاء هذا الباب المهم من مسودة القانون الجديد، وهو بذلك يفتح المجال لرب العمل لتوظيف الأجنبي على حساب المواطن ويستغنى عنه قبل غيره ، علما بأن المادة 13 من قانون العمل المعمول به نصت على منح الأفضلية في التوظيف للعامل الوطني، وعند الاستغناء يُستغنى عن غير العربي أولاً ثم العربي ثانيا ثم المواطن.
 



7- المادة(52)
تجيز تشغيل العامل ساعات إضافية دون حد أقصى
 

 
على خلاف ما هو معمول به في القانون الحالي الذي نص في المادة  (79) على وضع حد نهائي معلوم لا يجاوز تجاوزها لساعات العمل الإضافي وهي ستين ساعة في الأسبوع، فأن مشروع القانون لم ينص في المادة 52 على حد أقصى لعدد ساعات العمل الإضافي، مما يعني إلزام العامل بساعات أضافية في اليوم لا حد لها.

 



8- هل يجوز تكليف العامل بعمل غير المتفق عليه في العقد ؟
 

 
يكشف واقع الحال عن تعرض الكثير من العمال للفصل من العمل بسبب اعتراضهم على أداء أعمال ليست من صلب عملهم المنصوص عليه في العقد، وقد وضعت مسودة اللجنة الثلاثية نصاً يعالج هذا الواقع بطريقة أفضل تعدل مما هو منصوص عليه في القانون المعمول به، إذ حظر هذا النص المعدل تكليف العامل بعمل غير متفق عليه إلا إذا دعت الضرورة لمنع وقوع حادث أو إصلاح ما نشأ عن هذا الحادث، أو حالة القوة القاهرة على أن يكون ذلك بصفة مؤقتة، ولصاحب العمل أيضا أن يكلف العامل بعمل غير متفق عليه إذا كان لا يختلف اختلافا جوهريا عن عمله الأصلي بشرط عدم المساس بحقوق العامل.
 
غير أن مجلس التنمية الاقتصادية لم يتبن هذا النص وأبقى على ما هو معمول به الآن وهو (لصاحب العمل تكليف العامل بعمل غير متفق عليه إذا اقتضت مصلحة العمل وبشرط ألا يترتب عليه الإساءة للعامل أو المساس بحقوقه).

 



9- الإضراب شكل من أشكال التعبير للدفاع عن مصالح العمال المهنية
 

 
أفردت المسودة الثلاثية  أربع مواد تنظم الإضراب، غير أن مجلس التنمية الاقتصادية اكتفى بمادة واحدة هي المادة (8) من المشروع  ونصت على (للعمال حق الإضراب للدفاع عن مصالحهم وفقا للضوابط التي يقررها القانون، ويترتب على ممارسة العامل لهذا الحق وقف عقد العمل مدة الإضراب).
 
لكنه عند البحث في مواد مشروع القانون عن الضوابط التي تنظم الإضراب لا نجدها لها وجوداً، فهل تعمد مجلس التنمية الاقتصادية صياغة النص هكذا، أم انه أغفل وضع مثل هذه الضوابط؟ والحقيقية أن مسودة الثلاثية قد وضعت ضوابط للإضراب لا نتفق مع بعضها مثل عدم جواز الإضراب في المنشآت الحيوية التي يصدر في شأنها قرار من رئيس مجلس الوزراء، في حين كان من الأفضل أن يحدد القانون مثل هذه المنشآت الحيوية.

 
  ان مكمن الخطورة في المشروع بصيغته النهائية المعروضة على مجلس النواب- وان أقر بحق العمال في الإضراب – ألا إنه ترك تحديد ضوابطه للقانون دون أن يحددها.
 
والأدهى من ذلك أن مشروع القانون في المادة (104البند 10) أعطى صاحب العمل الحق في أن يفصل العامل دون إشعار أو تعويض في حالة (عدم مراعاة العامل للضوابط المقررة قانونا بشأن ممارسة حق الإضراب).
 
و ما نخشاه هو إصدار قانون تحت مسمى (قانون الإضراب) وهو ما نفهمه من هذين النصين – يضع ضوابط تنال من جوهر الحق في الإضراب وتفرغه من محتواه ويضع قيودا تزيد على القيود التي وضعها مرسوم بقانون النقابات والقرار الوزاري التابع له والذي حدد الأماكن الحيوية التي لا يجوز الإضراب فيها، فالفقرة (د) من المادة  21 من قانون النقابات تحظر على العمال الإضراب في الأماكن الحيوية التي

حددها القرار الوزاري  رقم 62 لسنة الصادر بتاريخ 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2006 بأثني عشر مرفقاً كالتالي: الدفاع المدني، المطارات، الموانئ، المستشفيات والمراكز الطبية والصيدليات، جميع وسائل نقل الأشخاص والبضائع، الاتصالات السلكية واللاسلكية، الكهرباء، الماء، المخابز، المؤسسات التعليمية ومنشآت قطاع النفط والغاز.
 

 يذكر هنا أن منظمة العمل الدولية مع إقرارها بضرورة وضع ضوابط للإضراب في تلك المرافق، فإنها تدعو إلى ضرورة تطبيق المعايير الدولية التي أقرتها ومنها أن حق الإضراب في المطار مكفول فيما عدا مراقبة الحركة الجوية، وبالمثل في قسم الطوارئ بالمستشفى وليس في كل الخدمات الصحية على اختلافها، أما البريد والنفط والاتصالات فهي من المجالات التي يضمن فيها الإضراب، كما دعت المنظمة إلى ضرورة الاتفاق فيما بين أطراف الإنتاج

الأساسية وهم الحكومة وأصحاب العمل وممثلو العمال لتحديد المرافق التي يمنع فيها الإضراب.
 
    غير أن مشروع قانون العمل يتجاهل ما دعت إليه منظمة العمل الدولية سالف البيان، ويبدو من صيغة نص المادة الثامنة من هذا المشروع، أن حق الإضراب سيجرد من محتواه ومن أهميته كوسيلة ضغط للطبقة العاملة في الدفاع عن حقوقها ومصالحها حين تنفرد الحكومة وحدها في تحديد المرافق الحيوية الهامة التي يحظر فيها الإضراب، وتحفظ البحرين على المادة 8 البند د الفقرة 1 المتعلقة بحق الإضراب  من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية  والذي انضمت البحرين إليه مؤخراً في 16 يوليو 2007، مؤشر على ذلك، إذ جاء تحفظها هكذا (إن التزام مملكة البحرين بتطبيق البند (د) من الفقرة (1) من المادة (8) من هذا العهد لا يخل بحقها في حظر الإضراب في المرافق الحيوية)  وبالرغم من كل ذلك فإن حق الإضراب أصبح حقا معترفا به بعد أن كان من المحرمات. 
 



11- المادة( 32)
هل يجوز حرمان المرأة العاملة من إجازة الوضع؟
 

 
للمرأة العاملة حسب نص المادة 32 البند أ من مشروع القانون إجازة وضع مدفوعة الأجر مدتها 45 يوما ، تشمل المدة التي تسبق الوضع والتي تليه، ويجوز لها أن تحصل إجازة بدون أجر بمناسبة الوضع مدتها 15 يوما علاوة على الإجازة السابقة، غير انه ليس لها بحسب النص الحصول على إجازة الوضع مدفوعة الأجر أكثر من أربع مرات خلال خدمتها، فهل يجوز ذلك؟
 
 بالطبع أن ذلك لا يجوز، لأنه يعد تدخلا في تحديد قرار الحمل والوضع الذي هو قرار الأسرة وحدها، وعليه نقترح تعديلها كما يلي:
 



تحصل العاملة على إجازة وضع بأجر كامل مدتها خمسة وسبعين يوما تشمل المدة التي تسبق الوضع والتي تليه، شريطة أن تقدم شهادة طبية معتمدة من وزارة الصحة مبينا فيها التاريخ الذي يرجح حصول وضعها فيه، كما يجوز لها أن تحصل على إجازة بدون أجر مدتها خمسة عشر يوما علاوة على الإجازة السابقة.
 

 
12- كما نقترح تعديل المواد التالية المتعلقة بحقوق المرأة العاملة وفق التالي:
     
 
·   المادة 33 في مشروع القانون (يحظر على صاحب العمل فصل العاملة أو إنهاء عقد عملها بسبب الزواج أو أثناء إجازة الوضع).
 
·    النص البديل المقترح (يحظر على صاحب العمل فصل العاملة أو إنهاء عقد عملها بسبب الزواج أو أثناء إجازة الوضع، أو بعد عودتها من الإجازة بسبب الوضع ومضاعفاته أو الإرضاع، ويقع على صاحب العمل عبء الإثبات بأن أسباب الفصل لا تمت بصلة إلى كل ما ذكر، كما يكفل صاحب العمل للمرأة العاملة الحق في العودة إلى نفس وظيفتها أو إلى وظيفة مماثلة بنفس معدل الأجر عند انتهاء إجازة أمومتها).

 
·   المادة34 في مشروع القانون ( يكون للعاملة المُرضع خلال السنة التالية لتاريخ الوضع – فضلا عن مدة الراحة المقررة – الحق في فترتين أخريين للرضاعة، لا تقل كل منهما عن نصف ساعة، وللعاملة الحق في ضم هاتين الفترتين، وتحسب هاتان الفترتان الإضافيتان من ساعات العمل، ولا يترتب عليهما أي تخفيض في الأجر،ولصاحب العمل بعد ثلاثة أشهر من تاريخ الوضع، وكل ثلاثة أشهر لاحقة، أن يطلب من العاملة تقديم شهادة طبية معتمدة من أحد المراكز الصحية الحكومية أو إحدى العيادات المعتمدة من قبل صاحب العمل تفيد استمرارها في إرضاع مولودها، فإذا لم تقدمها خلال شهر من تاريخ طلبها سقط حقها في راحة الرضاعة).
 
·   النص البديل المقترح (تستحق العاملة بعد عودتها إلى العمل عقب إجازة الوضع ساعتي رعاية يوميا لإرضاع مولودها حتى يبلغ من العمر عامين وتحسب هاتان الفترتان الإضافيتان من ساعات العمل، ولا يترتب عليهما أي تخفيض في الأجر).

 
·   سبب الاقتراح (هذا النص المقترح  أعلاه و الموجود في ديوان الخدمة المدنية بالنسبة  للعاملات في القطاع الحكومي هو أكثر عدالة للأسباب التالية: 


 

 



1- إن فترة الإرضاع الشرعي هي عامان لا أقل من ذلك حسب اتفاق جميع المصادر الإسلامية.
 2- إن مدة ساعة واحدة سواء لفترة واحدة أو فترتين غير كافية في ظل الازدحام المروري الذي يعيق سرعة ذهاب المرأة للإرضاع ثم العودة   إلى عملها )
 
 







13- مواد نقترح أضافتها لمشروع القانون متعلقة بحقوق المرأة العاملة
 
·
   تمنح إجازة قبل فترة إجازة الوضع أو بعدها، بناء على شهادة طبية، في حالة الإصابة بإعاقة أو مرض أو حدوث أو احتمال حدوث مضاعفات ناجمة عن الحمل أو الولادة، ويجوز تحديد طبيعة هذه الإجازة والحد الأقصى لطولها حسب ما يقرره الطبيب المختص، (يستهدف هذا التعديل وضع مادة تعالج وضع بعض النساء اللاتي يتعرضن خلال فترة الحمل لمضاعفات بسبب وجود أمراض مثل فقر الدم المنجلي والثلاسيميا وغير ذلك وتقوم العاملة في الوقت الحالي باستخدام رصيد إجازتها السنوية أو المرضية لهذه الظروف)، وفقا لما تنص عليه الاتفاقية   183 بشأن حماية الأمومة.
 
·    يكون للعاملة في المنشأة  التي تستخدم مائة عاملا فأكثر الحق في الحصول على إجازة بدون أجر لمدة لا تتجاوز سنتين وذلك لرعاية طفلها، ولا تستحق هذه الإجازة أكثر من مرتين طوال مدة خدمتها (هذه المادة كانت موجودة في مسودة الثلاثية ولكن تم حذفها بعد تعديل المسودة وهي تستهدف مساعدة العاملة على الجمع بين مهامها الأسرية وعملها
).
 
 



14- ملاحظات عامة حول تطبيق أحكام القانون متعلقة بحقوق المرأة العاملة
 

·

   البند (12/أ): من تطبيق أحكام هذا القانون في مشروع القانون (لا تسري أحكام هذا القانون على موظفي الحكومة والأشخاص الاعتبارية العامة الخاضعين لأنظمة الخدمة المدنية أو العسكرية أو لنظام قانوني خاص يحكم العلاقة الوظيفية).
 
·   ملاحظاتنا هنا تتمثل
في أن مشروع القانون لم يعالج وضع مدرسات رياض الأطفال، قرابة (3000 مدرسة)، المشمول منهن في برنامج التأمين الاجتماعي 1050 عاملة فقط،، حيث أن نسبة كبيرة من رياض الأطفال تبرم عقود عمل محددة المدة لا تتجاوز الموسم التعليمي، أي ما بين بداية شهر سبتمبر ونهاية شهر يونيو من كل سنة أي ما يعادل 9 أو 10 شهور في السنة.
 
     يترتب على هذا العقد حرمان العاملات من التأمين الاجتماعي المستمر مما يؤخر حصولهن على المدة المطلوبة للاستفادة من التقاعد، بالإضافة إلى  تدني نسبة الرواتب حيث إنها تتراوح ما بين 40 – 135 دينار، وعدم صرف بدل الإجازات الرسمية والسنوية والإجازات الخاصة بالمرأة العاملة مثل إجازة الولادة وساعات الرضاعة،  استبعاد (فصل) العاملات أثناء فترة الحمل وذلك في بعض رياض الأطفال، عدم السماح للعاملات بالاستفادة من الإجازات المرضية وإذا اضطرت العاملة لذلك فعليها أن تحضر البديل للقيام بمهامها دون مقابل،  بعض الرياض لا تبرم عقود عمل مع العاملات وبالأخص مع المدرسات اللاتي لم يحصلن على المؤهل المطلوب لمزاولة وظيفة مدرسة.
 
     تعاني العاملات من إسناد أكثر من مهمة لهن مثل أن تقوم العاملة بالتدريس وتنظيف الصفوف وكذلك بعضهن يعملن (مرافقة رياض + منظفة في الروضة + تنظيف الأطفال وتطهيرهم وتبديل ملابسهم وتقديم الوجبات لهم براتب لا يتعدى 50 دينار)، حرمانهم من مقابل الإجازات السنوية أو الإجازات الرسمية، وكل ذلك راجع إلى غياب الإطار القانوني الذي ينظم وضعهم فلا هم تحت مظلة ديوان الخدمة المدنية المسئول عن القطاع الحكومي ولا تحت  قانون العمل في القطاع الأهلي الذي هو بمثابة مظلة لجميع العاملين في القطاع الخاص.
 
     وبالتالي من المهم أن يتصدى مشروع قانون العمل لمعالجة مشكلة هذه الفئة العريضة من العاملات، وقد ذكر الوفد الرسمي في رده على سؤال للجنة السيداو بجنيف حول معالجة وضع مدرسات رياض الأطفال بأن الحكومة تسعي مع   صندوق العمل واتحاد النقابات لدراسة كافة البدائل التي تساعد على حل مشكلة مدرسات رياض الأطفال. 
 
·   البند ( 12/ب) من تطبيق أحكام هذا القانون في مشروعالقانون (لا تسري أحكام هذا القانون على خدم المنازل ومن في حكمهم وهم زراع وحراس المنازل والمربيات والسائقين… الخ).
 
·   ملاحظاتنا هنا تتمثل  في أن مشروع القانون يتجاهل مشكلة العمالة المنزلية التي يصل عددها حسب إعلان للحكومة في رد لها على مجلس النواب إلى 62 ألف من خدم المنازل ومن في حكمهم، غالبيتهم من النساء، (طبقا للخبر المنشور في جريدة الوقت، العدد 971 / 18 أكتوبر 2008)، حيث تتعرض خادمات المنازل إلى الاعتداءات الجسدية والجنسية والمعاملة المهينة  والحبس القسري في مكان العمل ومنع الطعام والرعاية الصحية عنهن والعمل لساعات طويلة بلا حدود ولا أيام راحة، إضافة إلى عدم دفع الرواتب أو التأخر في دفعها وتكليفهن بأعمال تفوق طاقاتهن، وذلك بسبب غياب الإطار

القانوني الذي يحدد الحقوق للعمالة المنزلية.
 
     وقد رد الوفد الرسمي على سؤال لجنة السيداو عن الآليات القانونية التي اتخذتها حكومة البحرين لحماية هذه الفئة بتضمين مقترح قانون العمل الجديد المطروح أمام مجلس النواب مواد لتنظيم حقوق العمالة المنزلية وهذا ما لم نجده في المقترح.
 



     كما أن كون مملكة البحرين مصدقة على اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن عدم التمييز في الاستخدام والمهنة يلزم الدولة بإيجاد إطار تشريعي حمائي للفئات التي لا يحميها قانون العمل وإلا عد ذلك تمييزا وهدرا لحقوق فئة من العمال على أساس الجنس أو الجنسية أو نوع العمل، ولذا نقترح أنه ما لم تنظم حقوق العمالة المنزلية بمشروع قانون العمل فلا مناص من قانون خاص ينظم حقوق وواجبات هذه الفئة.
 
 

 
 

اقرأ المزيد

سـمة المرحلة الراهنة في البحرين


بعد سنوات تكاد تقترب من عقد زمنيّ واحد منذ انطلاقة مشروع الإصلاح في البحرين، المتزامن مع دخول العالم الألفية الثالثة، وتشييد مملكة البحرين الفتية ( تغيير الاسم من مشيخة إلى مملكة ) والتصويت على مواد الميثاق الوطني.. لابد من وقفة جرد ‘’حساب الربح والخسارة’’ من مغبة التغيير الكبير الذي حصل -وقتئذ- في البحرين!

لعل أولى انطباعات المواطن ( المنصف / العقلاني / الواقعي ) أنه رغم الفارق البيّن بين المرحلتين؛ ما قبل الألفية وما بعدها، ووضوح أفضلية الأخيرة بلا مواربة أو تردد.. إلا أن درب الإصلاح لم يكن ولن يكون هيّنا وسالكا في أي يوم (خصوصا في السنوات الأخيرة) وغدت حال المراوحة سيد الموقف.. ومرد ذلك بتقديرنا وبصراحة حرية إبداء الرأي والنقد البنّاء المكفولين في بلدنا، يرجع إلى مجموعة من العوامل الموضوعية والذاتية، الداخلية والخارجية.. تتلخص أهمها في الآتي:

)أولا): استفحال الإشكال الديمغرافي لتركيبة المجتمع البحريني وتحوله أو تحويله – عن قصد أو غير قصد-إلى حالٍ مَرَضية مزمنة، بسبب ركون أقوى اللاعبَين ( الحكم والمعارضة الشيعية) إليه كمتكأٍ وسلاحٍ وحيدٍ للدفاع عن الذات تجاه الآخر؛ كليهما لغرض مصلحيّ قصير النظر، مما عمل على ازدياد الفجوة وحال عدم الثقة بين طرفيّ الرّحى، الأمر الذي أدى ويؤدي إلى اعتصامات واحتقانات وفوضى شبه مستمرة، تفاقمت في الفترة الأخيرة إلى درجة أنه تم اعتقال ومحاكمة عدد كبير من المشاركين في أحداث العنف الأخيرة، كادت مجموعة منهم تسجن لسنوات عدة لولا تدخل جلالة الملك وإصدار أمره السامي بالعفو عنهم.

(ثانيا): يشكل الهاجس الديمغرافي في البحرين الهول الأكبر للدولة ( تشكل الطائفة الشيعية الكريمة ثلثي عدد السكان)، الأمر الذي يبدو فيه الحكم وكأنه مجبرٌ لركونه إلى فن المناورة التكتيكية الآنية واعتماده على خطة ‘’التجنيس السياسي المبرمج’’ للخروج أو لنقل ‘’الهروب’’ من المشكلة الأكثر إلحاحاً – من وجهة نظره- بُغية إعادة التوازن المجتمعي، الأمر الذي يدفعه للاستناد إلى القوى السياسية المحافظة، العتيقة والطارئة في مجتمعنا (الإسلام السياسي بشقيه) والنفخ فيه والتسليم اتجاهه. بجانب استخدامه لورقة الأقلية السنية مقابل الأكثرية الشيعية، مما يؤدي عملياً إلى دق إسفين بينهما على حساب مبدأ المواطنة الصحيح.. وما ينتج عن تلك السياسة – الخاطئة بالطبع- من استشراء ‘’تركيبة طائفية سرطانية بغيضة’’ تنهش في الجسم المجتمعي.. بدل النظرة الإستراتيجية المستقبلية وأولوية مد الجسور مع القوى العصرية ( على ضعفها الحالي )، المعنية أساسا لتدشين مجتمع ديمقراطي مؤسساتي سليم.. بمعنى أن الحل الاستراتيجي المأمول والمأمون صار ضحية المناورة التكتيكية المضرّة!

(ثالثا): قيام حكومة البحرين بجهد ملحوظ في الحدّ من مشاكل البطالة والإسكان وإدرارها المساعدات الاجتماعية وغيرها إلا أنها لم تفلح بعد في الإتيان بخطة إستراتيجية شاملة للتنمية المستدامة؛ اقتصاديا / اجتماعيا / سياسيا / قانونيا / ثقافيا، لتذليل الصعوبات وتسهيل حل المشكلات الاجتماعية المستعصية والمعلقة من عقود طويلة بشكل جذري.. لعل على رأسها ؛ الفساد المالي والإداري / الأرض والسواحل المستباحة / التخطيط العشوائي خصوصا في القرى/ المشكلة البيئية والمائية / مشاكل العمل والسكن والصحة والتعليم والخدمات العامة / التجنيس السياسي المبرمج / وغيرها.

(رابعا): تَشكُّل مجلس نواب ( برلمان منتخب) طائفي / مذهبي الهوى وذكوري التركيب، لم تصل إليه إلا بالكاد امرأة واحدة حصلت على كرسيها اليتيم بالتزكية!..التشكيلة التي انشغلت في طرح أمور ثانوية، ساعدت في نشر الطائفية والفرقة بدل طرحها لحلول جدّية وجذرية للمشاكل الكثيرة. في حين أن مجلس الشورى (مُعيّن) أنجح بمراحل من الأول. وهو يتكون من تشكيلة إثنية من الأخصائيين والأكاديميين، بينهم بضع نساء عصريات، ولو أن المجلس هذا يوجد فيه أيضاً من جاء به الحظ من دون استحقاق أو تأهيل!

(خامسا): تغيير نغمة مركز المنظومة الدولية المعاصرة المتقدمة (الرأسمالية) ورأس حربتها الأميركية من ‘’تصدير’’ ثقافة النهج الديمقراطي المؤسساتي للتخوم الأقل تطوراً، إلى لغة المهادنة المؤقتة، بسبب تداعيات الإعصار المالي الحالي في قلب المركز العالمي وحاجة هذا الأخير للتمويل والمشاركة من قِبَل دول التخوم الغنية، الأمر الذي أدى إلى تلكّؤ وتعثّر عملية دَمَقْرطة ومَأسَسَة الأنظمة السياسية العربية عموماً، التي نجحت – مؤقتا- في استرداد المبادرة والشروع بالهجوم المضاد ( تفكيك مفعول موجة الإصلاح والضغط الغربي )، نتيجة تحول والتباس ميزان القوى الدولي الحالي وعدة عوامل أُخَرْ.

(سادسا): تشرذم القوى السياسية العصرية / الديمقراطية وضعفها الجلي في قراءة تضاريس الواقع المعقد والمتحول. وعدم قناعتها بعد، بضرورة تطوير وتهذيب نظريتها الفكرية المتكلسة، حيث ان جُلّ اليساريين والقوميين والليبراليين العرب لازالوا يعيشون في ‘’جزر الوقواق’’ الخيالية، بعيدين- بُعد السماء عن الأرض- فيما يتعلق بعدم معرفتهم أوضاع بلدانهم الفعلية وفهمهم-القاصر- لسمة العصر، التي لازال اليسار العالمي يعتبرها مرحلة انتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية وكأن شيئاً لم يكن، بعد ‘’خراب البصرة’’ واختفاء منظومة اشتراكية كاملة عن الوجود وانتفاء عالم ثنائي القطبية! والقوميون لم يبرحوا بعد فكر وهدف الوحدة الفورية الفوقية المستبدة (البسماركية). أما الليبراليون المحليون فإنهم لم يغادروا بعد مرحلتي المركنتالية والكومبرادورية والرضوخ لمبدأ الخصخصة العمياء اقتصادياً والموروث الإقطاعي ثقافياً، حيث إنهم يعانون التبعية الخارجية والاغتراب الداخلي!

)سابعا): عدم فهم القوى العصرية / الديمقراطية بعد، أصل ومحتوى الصراع الجاري في المنطقة العربية والشرق أوسطية وماهية التناقض الإقليمي الأساس بين منظومة الرأسمالية العالمية من جهة والتركيبات ما قبل الرأسمالية ( القرونوسطية المتخلفة ) المتجسدة في فكر الإقطاع ‘’الديني’’، المعارض من الناحية الرجعية والشكلية للإقطاع السياسي، الممثل للمنظومة العربية الرسمية (وجهي العملة الواحدة). والغريب في الأمر أن القوى العصرية هذه، التي من المفترض الرهان عليها كعامل ذاتي أساس، لحفز ودفع عملية ولوج المجتمعات العربية إلى عصر الحداثة والتنوير العربيَّيْن والاستفادة القصوى من الضغط الغربي على النظام العربي الرسمي، تحولت إلى الدفاع عن برامج قوى ‘’الإسلام السياسي’’ القرونوسطية / الإقطاعية ، المناطحة للرأسمالية المعاصرة و’’المقاوِمة’’ للهيمنة الغربية ( الليبرالية) بسيوف خُرافية ‘’بتّارة’’ في معركتها الوهمية ضد التقدم والتنوير، في سبيل إرجاع عقارب ساعة التاريخ إلى الوراء وعودة القهقرى للمنظومة السياسية العربية إلى العصور الوسطى، المنهاج الذي لم يدرك خطورته حتى الآن.. لا القوى الراديكالية العربية من اليساريين والقوميين.. ولا النظام السياسي الرسمي!

رُبّ سائل يجادل هنا عن جدوى وعلاقة هذه التداعيات الدولية المعقدة لجزيرتنا الصغيرة، التي قد لا تهمها هذه التفاصيل! نعتقد أن هذه التفاصيل بالذات هي رافعة التاريخ، التي تتحكم بمصيرنا ومصير من حولنا وبسير تطور مجتمعاتنا.. فكلما صغر البلد زاد من تأثير العوامل الخارجية عليه، التي تتداخل بالطبع مع العوامل الداخلية لتشكل كلها حافزاً أو معيقاً للتطوير والإصلاح .. بمعنى أن الظرف الدولي وموازين القوى العالمية والعربية والإقليمية لها الأولية على الظرف المحلي لبلد صغير كالبحرين، فيما إن يشهد بلدنا التطوير والتقدم المأمولين ويقربنا بالتالي من الأيام الأجمل القادمة أم يحدث عكس ذلك تماماً.. المستقبل كفيل بتبيان ما نتوجسه!

الوقت 18 ابريل 2009
 

اقرأ المزيد

هل تحتاج ممارسات التمييز لبيوت خبرة ؟!


كم يبدو الأمر مستغربا حين يتم الحديث خلال إحدى جلسات مجلس النواب الأخيرة عن تراجع مستويات الإنتاجية وتحسين مستوى الخدمات الحكومية لدينا هنا في البحرين، والتي تربط بشكل تلقائي عادة بعوامل أساسية مسببة لها كقضايا المحسوبية والواسطة وانعدام الأهلية وبدرجة اكبر بممارسات التمييز المتفشية في العديد من مؤسسات القطاعين العام والخاص، والأغرب منه عندما يقوم البعض ممن يفترض أن يكونوا نوابا للشعب، والذين يبدو أن على من أوصلوهم إلى مواقعهم الحالية إعادة النظر في أهليتهم، يقومون بممارسة دورهم في خلط الأوراق والتلاعب بالألفاظ والقيم التي تربينا عليها نحن البحرينيون، منذ أن تفتحت عيوننا  على وطن اسمه البحرين هو بطعم الشهد بل أحلى.

  فالقضية التي نحن بصدد الحديث عنها  كثيرا ما تثار، وهي أمر واقع ومعاش لا سبيل لعاقل أن ينكره، لتظل  كأهم عقبات تعزيز قيم المواطنة وعوامل الثقة الغائبة في مجتمعنا، ولذلك فإننا لا نفهم حقيقة أن ينبري البعض من هؤلاء وباستمرار ليرفضوا كل شيء ويزايدوا باستمرار حول ملفات بعينها لا سبيل لإهمالها، بالنظر إلى ما تفعله فينا مفاعيلها كل يوم تمزيقا وفرقة، دون أن يتم الاستماع بضمير وحكمة إلى ما يقال حولها، حتى بات التساؤل يتلخص فيما إذا كان  أمثال هؤلاء  يعون حقيقة ما يفعلون فعلا، وإذا كانوا كذلك،  فلماذا لا يقال لهم كفانا فرقة وتمزيقا؟ أو أن يقال لهم اصمتوا أو قولوا خيرا؟! فليس معقولا أن يتركوا هكذا  ليعيثوا  خرابا في مجتمعنا والكل يتفرج من حولهم، فيما يتوارى البعض صامتا.

 وهنا أتساءل أليست هي مسئولية  الجميع ممن يعنيهم أمر هذا البلد من رسميين ومؤسسات مجتمع مدني وجماهير، لنرى بعضهم سادرين  في حومة الدفاع عن من ينكرون علينا  مجرد أن نتآخى ونحب بعضنا دون نكد ودون تشنجات ودون طائفية؟! وبعيدا عن ما يحاول أمثال هؤلاء النواب وتابعيهم جرنا إليه عنوة، وهم الذين يتبجحون على رؤوس الأشهاد بطائفيتهم وتفرد لهم  بعض صحفنا مساحات يومية ليوغلوا فينا تدميرا دون توقف، وكل ذلك تحت ذرائع حرية الرأي والتعبير، ونحن نعرف أن  تلك الصحف تبقى مشغولة بهم الإثارة والانتشار وبممارسة البعض منها لأدوار مرسومة سلفا، دون  أدنى اعتبار لانعكاسات ما يكتب فيها وما يسّود بياضها كل صباح، ليُدق في جسد هذا الوطن إسفينا لا يهدأ، خدمة لنزق وغواية من يركبون الموجة بغية الوصول لغاياتهم المريضة، وهم الذين اعتادوا أن يعيشوا باستمرار على فتات الموائد التي حرموا منها طويلا.

فقضية المحسوبية وممارسات التمييز بقدر ما يعتريها من حساسية عند مقاربتها، وبقدر ما يرتبط بها من مناكفات ، تظل قضية من الصعب بل ومن الخطأ إهمالها، فلا أعتقد أن غيورا واحدا أو صاحب ضمير يقبل أن تداس كرامة مواطن أو مواطنة أو شاب حديث التخريج يتم حرمانه من وظيفة أو ترقية أو زيادة أو من خدمة إسكانية أو بعثة دراسية  يستحقها، فهو لمجرد كونه مواطنا فمن حقه على الدولة أن ينصف.

  نحن بهذا  الطرح لا نناشد العواطف التي تكلس بعضها على مذبح الطائفية والطائفيين، بقدر ما نناشد  العدالة وصحوة الضمائر، فكل أبناء البحرين وبناتها هم أبناءنا وأخواتنا وأهلنا وأسرنا، فلماذا يستكثر علينا مسئولا  رسميا رفيعا منذ أكثر من ست سنوات  مثلا مجرد طرح تساؤل  داخل مجلس النواب حول  تفعيل مبدأ دستوري يتعلق بتكافؤ الفرص،  ليتهمنا  منفعلا حينها بشق الصف الوطني والطائفية وهو يعلم حقيقة ثوابتنا الوطنية!   نذّكر بذلك الآن لكي نقول بوضوح أن ما يحدث من تراشق طائفي في برلماننا الحالي هو وليد ممارسات خاطئة  كتلك التي جرى التساهل الرسمي مع إشاعتها وتنفيذها والسكوت عنها طويلا حتى أضحت كالجبل، وأصبحت مادة ترويج انتخابي لدى بعض الطائفيين ممن يعشقون تلك الحروب الخاوية من كل شيء إلا من  تعدّيهم على قيمنا وأخلاقيات شعبنا، فتراهم منفعلين، متمترسين على الدوام  تجاه كل من تسول له نفسه طرح تلك القضايا المؤجلة والمسكوت عنها.  

وأنني لأستغرب حين طرح قضية تكافؤ الفرص هذه، أن يقترح علينا بعض نواب الشعب بضرورة استشارة بيوت خبرة عالمية متخصصة في هذا المجال، لتقدم لنا حلولا ومقترحات بشأنها! في تمييع واضح لقضية باتت مؤرقة لنا جميعاً.  المسألة يا سادة لا تحتاج إلى كل تلك الفذلكات والمراوغة المكشوفة والعاجزة، المسألة تحتاج فقط إلى إرادة  وقرارا سياسي يفرض احترامه على الجميع، بحيث لا يترك لعُقد ومناكفات وأحقاد وضمائر البعض المريضة، بل أقولها صراحة أنه يجب أن لا يترك لمعالجات المجالس الطائفية أصلا، بل لشجاعة القرار وأمانة تطبيقه، حفاظا على البحرين التي نحب وشعبها الذي من واجبنا الدفاع عن مصالحه.
 

اقرأ المزيد

الفساد وحبائل الشيطان.. !!


يمنحنا تأكيد سمو ولي العهد رئيس مجلس التنمية الاقتصادية مؤخراً في شأن الفساد وضرورة تطوير التشريعات التي تضمن مكافحة الفساد والرشى بكافة أنواعها وتجريم من يتلاعب بأموال المساهمين، ودعوة سموه بإضافة فصل جديد في مواد قانون العقوبات يختص بالرشوة والاختلاس في القطاع الأهلي، فرصة لنبيّن بأننا في الوقت الذي نقدر ونحتفي بذلك التأكيد، ونؤيد تلك الدعوة، ونبدي أملاً متجدداً بأن تتلاقى جهود المخلصين والغيورين على مصلحة البلاد من أجل بلوغ خطوات وإجراءات فعلية وملموسة على صعيد محاربة الفساد وتفعيل قيمة المساءلة التي لم تنل حظها من الحضور اللازم والمطلوب سواء في المجال الاقتصادي أو في غيره من ميادين العمل العام، فإننا في الوقت ذاته نؤكد حاجتنا الملحة الى استقبال المزيد من الإشارات التي تجعلنا نمضي قدماً بثبات نحو كل ما يفرض الالتزام بالقانون واحترامه من قبل الجميع دون استثناء، كونه طريقا لا غنى عنه اذا أردنا محاربة الفساد ومواجهة مختلف أوجه الانحرافات والتجاوزات.


واذا كان موضوع الفساد قد عاد للتداول مجدداً، والعود هنا أحمد، لأنه جاء من بوابة مجلس التنمية الاقتصادية، والرؤية الاقتصادية المستقبلية للبحرين 2030 التي يلفت انتباهنا بأنها وضعت محاربة الفساد ووجود نظام رقابي وشفاف مطلباً أساساً وحيوياً للنمو الاقتصادي والتنمية وتحقيق العدالة، فإن ثمة موجبات تفرض القول بأن التحدي الحقيقي الذي يواجه هذه الرؤية هو كيف يمكن أن تؤدي دورها وأن تحقق مرادها في تحقيق هدف محاربة الفساد دون أن تقع في حبائل الشيطان، خاصة وأن كل قارئ للتفصيلات ذات الصلة بالرؤية، يجد أن هذه التفصيلات ضرورية ولازمة وملحة ولا تقل أهمية عن الأهداف العامة للرؤية، ولكن كم من مبادئ وأهداف نبيلة أجهضت بسبب التنفيذ السيئ الذي يضع من القيود والحدود والإعاقات ما يفرغ المضمون من محتواه، فالتفاصيل لا تقل أهمية عن المبدأ، بل هي العنصر الأساس، وقيل إن الشيطان يكمن في التفاصيل، ومن هذه الزاوية يكون على القائمين على أمر تنفيذ الرؤية أخذ ذلك بعين الاعتبار.. !!


إن الفساد لا يجوز ولا يليق ولا يمكن محاصرته بالصمت، وما دام مجلس التنمية الاقتصادية على ما نظن بات على قناعة بأنه يتعذر عليه المضي قدماً في تطبيق الرؤية بكل محاورها ومقتضياتها، اذا لم يكافح الفساد بالدرجة الكافية من الإصرار والحزم والحسم، واذا لم تضرب بؤر الفساد الضاغطة في كثير من مواقع السلطة والنفوذ، وطالما المستهدف أن يكون هذا الموقف من الفساد أحد آثار وثمار هذه الرؤية، باعتبار أنه بوجود الفساد يتعذر تحقيق أي نهوض اقتصادي وتنموي، فإن مدعاة للقول إننا لن نستطيع أن نحقق إنجازاً يذكر ما لم نثبت جديتنا في التصدي لكل مظاهر الفساد والخلل والتجاوزات، وهذه قضية ينبغي أن توضع في طليعة أولوياتنا، كقضية مجتمعية لا نعني بها جهة بعينها، وهذه حتماً مهمة ليست باليسيرة، كما إنه ليس من المصلحة التلكؤ فيها أو جعلها عرضة لعوائق وعثرات وتقاعس من أي نوع.


ومادامت مهمة مكافحة الفساد بتلك الأهمية بكل معيار، فإننا نتفهم جيداً المبرر الذي حدا بأحد أصحاب الأعمال في اللقاء الذي أشرنا إليه بين القطاع الخاص ومجلس التنمية الاقتصادية إلى أن يستدعي من الذاكرة تصريح سمو ولي العهد في منتدى جدة الاقتصادي قبل سنوات قليلة حينما أكد بأنه «ليس أضر على الاقتصاد والتنمية من الفساد المالي والإداري، وأنه لابد من محاربة الفساد بشتى الصور»، لعل ذلك الطرح قد عكس توق صاحب العمل، وتوقنا من دون شك بأن نشهد ارهاصات حركة حقيقية ضد الفساد المسكوت عنه بارك الله لمن يذكيها ويؤججها ويفعّلها حتى تستقيم أمور البلاد والعباد، وأحسب أن من بين ما قد يجعلنا نرسي دعائم تحقيق هذا الهدف على مداميك راسخة وقوية لا تجعلها عرضة للاهتزاز، أو المعالجات الظرفية والتسكينية، هو أن نتجه الى المصادقة على الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد التي وقعت عليها البحرين في 8 فبراير 2005، والأخذ بما سيترتب عليها من آليات وأجهزة ومنها إنشاء هيئة وطنية عليا لمكافحة الفساد، وإقرار قانون الكشف عن الذمة المالية، وتشريع ما يلزم من قوانين أخرى تسهم في محاربة الفساد بكل أوجهه، دون أن ننسى ضرورة أن يقترن ذلك بإصلاح اداري حقيقي يكفل وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.


أخيراً.. في تقديري وبافتراض أننا سنمضي بمنتهى الجدية على طريق محاربة الفساد، سيكون علينا تجاوز حدود الأقراص المهدئة وأن نعي بأننا قد نحتاج الى علاج قد يتجاوز الصدمات الكهربائية.. !!










17 ابريل 2009

اقرأ المزيد

اللاعب اللاتيني في الملعب العربي!!


قبل خمسمائة عام هبط المغامر الاسباني وقد اصطحبه في سفينته بعض العرب والحصان العربي إلى قارة بدت له كنزا بحلم الذهب (الدرادو) ومن هناك عاد إلى البلاط الاسباني بكائن بدائي بعد أن كبله بالسلاسل كما يكبل الكائنات المتوحشة، وبرفقته حيوان اللاما، وكأن الاثنين من الكائنات الغريبة التي عثر عليها هناك يرافقهما أمرا ثالثا هو الذهب، الذي سيثير لعاب الملك والملكة الاسبانية ، تاركا خلفه الحصان العربي هدية للقارة التي ستحمل في ثناياها ذاكرة ايجابية للعرب وقارة ملتهبة مثلها بالنفط والتمرد والانتفاضات والحروب.
في مؤتمر الدوحة اندمجتا معا قمتا الدوحة والقارة الجنوبية، فكان لقاء تاريخي هام يؤكد على ضرورة التحام مصالح الجنوب ـ الجنوب في عصر لم تعد القارة اللاتينية مظلمة فيما وراء المحيط، ففي عصر الانتقال السريع بالطائرات النفاثة العملاقة يصبح عالمنا أكثر تواصلا وتشابكا في المصالح الاقتصادية والتقارب الثقافي بين البلدان والشعوب.
 وكعادته التقى شافيز العرب بعد انتهاء قمة الواحد والعشرين، وهو في حماس منقطع النظير، فقال ما يجب قوله وما خجل العرب بدبلوماسيتهم قوله فغضوا الطرف عنه، ففاضت أريحيته وتمددت!! حسبما ينبعث من لسانه ألفاظا تطرب الشارع العربي، فكان لمذكرة البشير صداها في نفسه، معلنا بأن من ينبغي محاكمتهم في المحكمة الجنائية الدولية هما الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش وشمعون بيريز فهما من تلطخت أيدهما بدماء الشعوب وهما من مارسا إبادة واضحة لبلدان وأبرياء، فوجد في البيت العربي مساحة وحوش واسع لكي يحوم ويجول، فنحن كثيرا ما نثمن القدرات اللاتينية في التهديف، ليس بأرجلها وحسب وإنما بقدراتها اللسانية المتسعة التي لا يلجمها عازل ولا حدود.
 اليوم يحاول الرئيس شافيز في القارة اللاتينية أن يكون بطل المسرح هناك، محاولا أن يملأ المكان الفارغ لفيديل كاسترو العجوز المعروف بقدراته الكلامية ومكانته الشخصية لدى شعوب العالم الثالث تحديدا بل والأكثر خصوصية لدى الشعوب اللاتينية. وعندما دخل شافيز في مواجهة ساخنة مع الإدارة الأمريكية، ارتفع رصيده الشعبي وصارت كل جولاته السياسية في الخارج أو في خطبه العصماء، بموضوعه المحبب وبترديد نفس اللازمة السياسية، والتي بات يعرفها العالم حول هجومه على هيمنة الإدارة الأمريكية على مصالح البلدان وثروة الشعوب، بل واستخدامها كل قدراتها العسكرية والمالية في هاتيك المجالات، فيما ترزح الشعوب تحت مظلات الشقاء والفقر والأمية والجوع والأوبئة والبطالة.
ما قاله الزعيم الفنزويلي في اجتماع قمة العرب والجنوب اللاتيني يفتح آفاقا جديدة للتعاون، خاصة وان هذا اللقاء مع تكتل قاري هام وصاعد يأتي في ظل ظروف دولية حيوية ومتغيرات جديدة في سياسة البيت الأبيض والاتحاد الأوربي، وفي أجواء أزمة عالمية جديدة لا تحتمل الصدامات والتصعيد بين حضارات وشعوب العالم. وقد أبدت قمة العشرين في لندن رغبتها في الخروج من قفص الماضي بإعلان سياستها الجديدة، المالية والاقتصادية والسياسية التي وضعت أسسا جديدة لتغيير مرحلة ما قبل الحرب الباردة والثانية، إذ لا يمكن للعالم وأي نظام دولي أن يواجه الأخطار والمشاكل بمفرده، سواء كان ذلك على مستوى الاقتصاد والسياسة، أو كان ذلك على مستوى البيئة والثقافات والحضارات المتباينة . وقد بدت قمتا الدوحة، العربية والعربية اللاتينية وكأنهما تستكملان ما يواصل ويسعى إليه العالم الشمالي القوي في قمة لندن بتكملته إطار التعاون بينهما، إذ يشكل اللقاء في الدوحة طاقة هائلة من الشعوب والثروات، وإذا ما تم استثمار وتطوير تلك الطاقة بشكل دائم وصحيح، فان التقارب ما بين الجنوب والشمال كما هو حاليا بين الجنوب ـ والجنوب سيدفع عربة العالم في القرن الواحد والعشرين نحو أفاق أفضل . ولن يحتمل قرننا مزيدا من المشاكل التي تعطل التنمية والاهتمام بمزيد من حاجة الإنسان الأساسية والالتفات إلى المعارف الإنسانية الجديدة، والتي ستشكل مرتكز القرن الواحد والعشرين، غير إن العثرات والمشاكل الكبرى بحاجة إلى معالجة جادة لكي تمضي العقود القادمة على أساس متوازن بين البلدان وشعوب العالم، فما لم ينجز في القرن الماضي من حقوق ومسؤوليات يحتاج عصرنا إلى انجازه دون تأخير للتنمية، ودون إدخال عالمنا وشعوبنا في حروب داخلية وخارجية مدمرة، قائمة على نهج التمزيق والتفتيت والتفرقة العرقية والدينية والعنصرية والتفاوت الاجتماعي العميق، بين الأغنياء والفقراء في عالمنا المرعب بمظاهر الحرب والثروة
.

اقرأ المزيد

أخطاء الحرب على الإرهاب


لا يعرف المسئولون الغربيون وهم يشنون الحرب على الإرهاب أوليات المجتمعات الإسلامية ومشكلاتها العميقة وطابع فرقها الدينية ومذاهبها وعلاقة ذلك كله بالإقطاع المسيطر بشكل كبير على الأرياف والبوادي الإسلامية خاصة.
في كتابه (نهاية العراق؛ من ترجمة الدار العربية للعلوم)، يقول المؤلف والسفير السابق (بيتر و.غلبريث) إن الرئيس جورج بوش لم يكن يعرف تكوينات العراق الطائفية، فلم يفهم مصطلحات مثل (الشيعة) و(السنة) قبيل شن الحرب على النظام السابق.
ما يسمى بالحرب على الإرهاب يتجه في سبل خاطئة وهو يتمثل في كسب بعض القادة الدينيين وضرب آخرين، ولا شيء آخر ذو أهمية. 
 
الإستراتجية بهذا الشكل هي دوران في فراغ، ومنتجة من خلال وعي تقني مؤدلج ومسطح، وهو وعي يقدمه حتى أساتذة الجامعات الغربية للمسئولين وما يسمى خبراء (الإسلام) والشرق، وهي آراء نتجت عن تعميم رؤية المسلمين ككيان موحد مجرد، لا فرق بين المتاجرين بالإسلام من إقطاعيين وزعماء قبائل وشيوخ متلاعبين بالأموال والحلال والحرام وقادة فرق مهووسين بالزعامة وتحطيم الغرب الكافر، وبين الفلاحين والرعاة والفقراء المعبئين تحت شعاراتهم.

وتؤدي الضربات العسكرية وهدر الأموال على زعماء القبائل والطوائف إلى المزيد من إسالة الدماء وصعود زعماء جدد أكثر تطرفاً، فالزعماء السابقون الذين حصلوا على أموال وارتفعوا في السلك الطبقي، وغيروا فجأة آراءهم إلى (الاعتدال) لم يفعلوا شيئاً تحويلياً لجموع المسلمين المضروبة ككيان واحد، فقد وضعوا الأموال في جيوبهم، وأبعدوا أسرهم وشبابهم خاصة عن الجهاد، أو عن حرق بيوت الكفار، أو عن المشاركة في العمليات الإرهابية، من أجل أن يضمنوا حياة متفوقة لأسرهم وبيوتهم الخاصة، لترث الأملاك والسيطرة على المناطق(المحررة) أو على الأرياف والبوادي إن لم يكن على الدول.

أما من يقاتل ويموت ويضحي فهم الأغلبية الكاسحة من الفقراء، وخاصة شبابهم وأبناءهم، وهم الذين لا تتطور أوضاعهم قبل الحرب على الإرهاب أو بعدها، بل تتدهور حياتهم بذهاب المعيلين والرجال الذين كانوا يعملون وانخراط الشباب والفتية في الحروب وزيادة أعداد المعتقلين والهاربين والمعوقين والمرضى النفسيين في هذه المناطق المجنونة، وبالمطالبين بأخذ الثأر وهم الكثرة الغالبة، فيتنطع قادة جددٌ لم يحصلوا على امتيازات ولم يُنقلوا لمجالس الشورى والبرلمانات ولم يثروا، ولم يحصلوا على قطائع من الأرض وأسراب من النساء، للقيادةِ بنفسِ الشعارات الدينية والمتاجرة بالمصطلحات والرموز الإسلامية والوطنية، فإذا حصلوا عليها في صفقات جديدة، وجاء رئيس أمريكي جديد وطرح إستراتيجية جديدة ربما حصلوا فيها على غنائم من سبي الحروب السابقة ومن رشا جديدة، بدلوا مواقفهم ومالوا للاعتدال، هذا الاعتدال الذي يعني اعتدال الجيوب نحو المزيد من ثقل العملات الأجنبية.

لا دراية لهؤلاء بالإسلام وصلاحيته ولكنها شعارات مُسيسة تقصدُ المتاجرة بلحوم الفقراء للصعود السياسي، وإبقاء التخلف. إن إصرارهم على بقاء التخلف واضطهاد النساء ودوام الفقر والاستغلال والمتاجرة بالمذهبية، هو البرنامج المشترك لهؤلاء وهو الذي يجعل البوادي والأرياف الإسلامية ساحات لإنتاج قوى الإرهاب وصعود ملوك الطوائف والأقاليم وتفتيت الدول العربية والإسلامية وصعود قطاع الطرق والمجرمين للحكم.
تتعامل الإستراتيجية الغربية مع السطوح الخارجية للظواهر كما تتعامل مع سطوح القوى الاجتماعية المسيطرة، من دون دراسة للعلاقات الاجتماعية التحتية، ولا أوضاع الفلاحين والرعاة والفقراء وتغيير أحوالهم.

يسألون كيف يتم ضبط الأمن؟ كيف نوجد معتدلين دينيين؟ كيف نوجد موالين من بين المذهبيين وزعماء العشائر؟ لكن الأمن لا يستتب، والفوضى متصاعدة والمعتدلون يذوبون في غياب الإصلاح الحقيقي وفي شركات المدن، ويظهر زعماء جدد متعطشون للغنائم من لحم الناس وتحويل الصبية إلى مشعلين للحرائق وقتل السياح والاعتداء على الأملاك العامة.

لا تفكر قوى الإستراتجية الحربية السياسية الفوقية الغربية بالحوار مع أصحاب الأرض والمنتجين الحقيقيين، لا تفكر بتوزيع هذه الأراضي على هؤلاء العاملين الصابرين المنتجين للإرهابيين من دمهم وتضحياتهم ولزيادة فقرهم كذلك ومآسيهم، بل تتوجه لهؤلاء الرجال المتاجرين بالدين وأتباعهم من اللصوص الذين سيتمردون عليهم كذلك ليأخذوا أنصبتهم من هذه الميزانية المفتوحة للقوى الفوقية.

لا تتحول الإستراتيجية لتنتشل الفلاحين المعدمين فتجذرهم في أرضهم، وإلى الصيادين تعطيهم معونات وعلوماً للصيد والإنتاج، وتسحب المتسولين والصبية من التداول الناري إلى مدارس حرفية منتجة.

بل تمر المساعدات والأدوات الحربية على الزعماء وقادة الأقاليم ورجال العصابات فتنمو خيوط من الهيئات البيروقراطية و(النضالية) والسياسية المتعيشة على المعونات والحروب، فإذا توقفت الحروب خسروا، وإذا توقفت (الثورات) فتحوا جبهات جديدة، والموت على غيرهم، والأموال تأتي من دافعي الضرائب في الغرب الذين يقتطعونها من حليب أطفالهم ومن مدارسهم ومن قوت عمالهم.

قوى اليمين في الغرب والشرق تتلاقى في بعض جوانب هذا العطاء الدموي، فلا بد أن تستمر مصانع السلاح الغربية والروسية والإيرانية والإسرائيلية في الإنتاج، ويواصل الضباطُ الكبارُ وزعماءُ العصابات في الشرق حياة الرفاهية، وبعد ذلك لا يهم كم يتشرد اللاجئون، وكم يفتقر الفلاحون فهم سوف يقدمون بعض أطفالهم للنضال من أجل القضية المقدسة!


17 ابريل 2009

اقرأ المزيد

من يحنون إلى أمن الدولة


هناك وجوه وأشخاص يمتهنون فكرة الحنين إلى مرحلة قانون أمن الدولة، لأنه يطيب لهم العيش في المناخ المتوتر، لا في مناخ الحوار والمصالحة. ما من شاردة أو واردة تمر إلا ويذكرونا بالقول التالي: ألم تكن الأمور أهدأ وأكثر استقراراً، وهؤلاء هم أنفسهم الذين يوظفون تصرفاً طائشاً هنا أو قولاً غير مسؤول هناك ليصوروا الماضي الذي اكتوت البلد بنيرانه الحارقة كما لو كان جنة النعيم المفقودة، ولينكروا فضاء الحرية الذي أشاعه المشروع الإصلاحي.

يتناسى هؤلاء أن المشاكل التي تعاني منها البلاد اليوم لم تنشأ بسبب الإصلاح، وإنما لأن مناخ الإصلاح أتاح لهذه المشاكل أن تفصح عن نفسها، وأتاح للمجتمع أن يتحدث عنها بصراحة وحرية، وصار بوسع الصحافة أن تكتب عنها وتتابعها. فإن بدا حجم هذه المشاكل كبيراً ومفزعاً فذلك لأن جدار الصمت قد انهار، وتنفس المجتمع الصعداء وصار بوسع الناس جميعاً، ومن المشارب المختلفة، أن يقولوا ما يشاءون وينتقدوا ما يشاءون ويطالبوا بما يشاءون، ويستخدموا من أجل ذلك الوسائل والطرق المختلفة.

نعم في البلد مشاكل كثيرة ومعقدة، وثمة عقبات عديدة تعترض مسيرة الإصلاح، فلا يسير بسببها بالوتائر المطلوبة، وفي مجالات أخرى يتأثر بهذه العقبات، لكن الإصلاح أسس لوضعٍ في البلاد لم يعد بالوسع معه العودة إلى الوراء.

إن المشاكل التي يثيرها الإصلاح يجب أن تعالج بآليات الإصلاح نفسه، التعثر في انجاز مهام التحولات نحو الديمقراطية يجب أن يعالج بتوسيع الديمقراطية وبفتح الحيز المتاح منها. فالناس مستعدة للتوائم مع ما يتيحه هامش الحريات من بعض المظاهر التي لا يرغب البعض في رؤيتها، وهي ترى في ذلك ضريبة هذا الانتقال المتأخر من حالٍ إلى حال، لكنهم في مطلق الأحوال لا يرغبون في العودة إلى زمن القبضة الحديدية، زمن القمع وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات وسد كل الأبواب والنوافذ بوجه نسيم الحرية.

لذا فإن أولئك الذين يأسرهم الحنين إلى مرحلة أمن الدولة ليسوا سوى فئة محدودة كانت منتفعة بالوضع السابق الذي كان يتيح لها أن تصول وتجول على آلام الناس وجراحاتهم وعذاباتهم، أولئك الذين لم يألفوا أن يقرءوا مقالاً في صحيفة ينتقد أدائهم، ولا مشهد نائب يقف في قاعة البرلمان ليوجه سؤالاً لوزير أو نقداً لمسؤول، ولا اعتادوا أن يروا الناس تخرج إلى الشارع مطالبة بحق من الحقوق دون أن ينقض عليها رجال مكافحة الشغب.

لذا يستكثرون على هذا الشعب نعمة القدر المتاح من الحريات الذي جعل شعبنا يظهر ما لديه من طاقات ومن قدرات وإمكانات خلاقة. وهذا القدر من الحريات، وإن شابته الشوائب وأدى إلى ممارسات لا ضرورة لها ولا جدوى منها في الكثير من الحالات، فالعلة ليست فيه ولا في الديمقراطية ذاتها. إنه المجتمع بعد طول صمت يتكلم بأصوات مختلفة ونداءات مختلفة ومطالبات مختلفة، وتراكم الممارسة سيجعل الجميع يتعلم، ويعهدوا الأسلوب الأكثر تنظيماً للعمل السياسي، أما العودة للوراء فدونها إرادة الإصلاح الحازمة مهما ازداد الحنين إلى الماضي عند البعض.

اقرأ المزيد

بعـد العفـو الملكـي

إحدى أهم القضايا التي واجهتنا ونحن نتحرك على مبادرة الحوار الوطني التي أطلقناها في المنبر التقدمي كانت في محاججة بعض من التقيناهم من ممثلي جمعيات سياسية وشخصيات حول البند الذي تضمنته المادة بالنص على إطلاق سراح المعتقلين والموقوفين وإغلاق الملف الأمني، في إطار الالتزامات التي نصت عليها المبادرة سواء تلك المترتبة على الدولة أو على القوى المجتمعية والسياسية.

كان رأي هؤلاء المحاججين أنه لا يمكن تضمين هذا البند في المبادرة لأنه يجعلها مشروطة، كما كانوا يقولون، رغم شرحنا المتواصل لضرورة التعاطي مع المبادرة بوصفها سلة متكاملة، وأن هذا البند يأتي في سلسلة متكاملة من المبادىء والالتزامات. بودنا أن نسال هؤلاء الأخوة المحاججين اليوم عن موقفهم بعد العفو الملكي عن المحكومين والمتهمين فيما بات يعرف بالقضايا الأمنية، والذي قدم من خلاله جلالة الملك مثلاً آخر من الأمثلة التي اعتدناها من جلالته في معالجة الأمور بحكمة، وكم نتمنى لو أن الكثير من أجهزتنا الحكومية تعاطت بروحها مع القضايا المختلفة.

غاية القول أن ما اعتبره البعض عقبة كأداء في وجه إطلاق آلية الحوار الوطني، أي إطلاق سراح المعتقلين، قد سويت، بل اتضح أنها الخطوة الأسهل في الآلية التي اقترحناها ووافقتنا عليها قوى وفعاليات وشخصيات واسعة في المجتمع.

ونود في هذا السياق أن نعبر لجلالة عاهل البلاد عن تقديرنا لخطوته الشجاعة هذه التي نزعت عاملاً من عوامل الاحتقان في الوضعين السياسي والأمني، ونهنىء المفرج عنهم بسلامتهم وعودتهم إلى أهاليهم، وأن نرى في هذا النوع من المعالجة التي قام بها جلالة الملك نموذجاً لما تحتاجه البلاد في المرحلة الراهنة من معالجات للقضايا التي تواجهها.

ونحن نرى في هذه الخطوة مدخلاً صحيحاً ومناسباً لأن تجد الدعوة للحوار الوطني الشامل طريقها في التطبيق الفعلي، فالوطن بحاجة لمثل هذه الآلية التي لن تغني عنها الوساطات رغم أهميتها ورغم تقديرنا للقائمين بها، لأن الحوار الذي ندعو إليه لا يقف عند جانب واحد من الأمر، هو الجانب الأمني، وإنما يطال كل تلك القضايا التي يمكن أن تكون سبباً في المستقبل لتوترات أخرى، لا قدر الله.

وما زلنا نعتقد أن الأسس التي بنيت عليها مبادرتنا للحوار الوطني تشكل قاعدة مناسبة لمواصلة العمل المشترك وفق الروحية التي جسدها العفو الملكي، من خلال التزام الجميع، في الدولة والمجتمع، على قواعد إدارة العلاقة، بما في ذلك حول قضايا الخلاف، لأن هذه الأسس تلزم الجميع بقواعد العمل السياسي المتحضر الذي يضمن للدولة ورموزها المهابة والاحترام، ويضمن للقوى السياسية في المجتمع حقوقها في المعارضة السلمية الديمقراطية، بناء على مرجعية ميثاق العمل الوطني والثوابت الدستورية. إن فرصة طيبة تنشأ في البلاد اليوم يجب استثمارها بصورة مسؤولة وناضجة، والبناء عليها بوعي لتجنيب الوطن المخاطر، وللحفاظ على المكتسبات المهمة التي تحققت في البلاد بعد المشروع الإصلاحي، ومنع الانزلاق مجدداً إلى أجواء التوتر الأمني والمعالجات الأمنية المترتبة عليه.

اقرأ المزيد

دعـوا الحوار ينطلق


جاء خبر الإفراج الملكي الذي تم أمس الأول عن 178 من المحكوم عليهم والمتهمين بقضايا أمنية وسياسية في الوقت المناسب وأيضا بخطوة إيجابية تنصب لصالح السلم الوطني في البحرين إذ أثلج الخبر صدور معظم المواطنين كما استقبلت الجمعيات السياسية والحقوقية الخطوة بحفاوة تفتح لنا جميعا صفحة جديدة في الساحة السياسية التي عانت كثيرا من الذين يبثون السموم ويثيرون الشكوك ويؤججون الوضع في السنوات الثلاث الأخيرة.

لقد أكد الناشط السياسي حسن مشيمع في كلمته بعد الإفراج عنه على أهمية المشاركة في بناء الوطن بما يخدم آمال الشعب، ودعا إلى فتح باب الحوار والانفتاح على الآخر لخلق المناخ الذي يرسخ للاستقرار الحقيقي وبناء العلاقات القائمة على النوايا الحسنة، وذلك للاستجابة لمطالب الناس، مؤكداً أن ذلك يمكن تحقيقه من خلال حوار يشارك فيه الجميع. كما قال ناشط آخر الشيخ محمد حبيب المقداد إنه يؤمن بالأساليب السلمية ودعا إلى عدم الانجرار وراء العنف.

هذا الكلام لم يكن بعيدا عن مساعي أكثر من جهة في البحرين تدفع باتجاه طرح الحوار الوطني، فالأمين العام للمنبر التقدمي حسن مدن قال إن إحدى أهم القضايا التي واجهت جمعيته السياسية كانت تكمن في محاججة بعض من التقتهم من ممثلي الجمعيات والشخصيات حول البند الذي تضمنته مبادرة المنبر لإصلاح الأوضاع حول إطلاق سراح المعتقلين والموقوفين وإغلاق الملف الأمني، إذ إن رأيهم كان يقول إن هذا البند يضع شروطا تعجيزية، ولكنه أشار إلى أن هذا الإفراج هو واحد من مجموعة شروط في سلة واحدة لإصلاح الأوضاع التي انحرفت عن كل ما سعى إليه المخلصون الوطنيون خلال السنوات الماضية.

واليوم نرى أن ما طرحه المنبر كان عين الصواب، وهذا يعني أن الإفراج مجرد خطوة واحدة تحتاج إلى خطوات مشتركة من الجميع لكي نعيد القطار إلى سكته الصحيحة التي تلتزم بالعمل السياسي السلمي، إذ إن الإفراج يعتبر مدخلا مناسبا لتفعيل مبادرات الحوار الوطني.

أضم صوتي لما نادى به حسن مدن من قبل عندما أشار إلى ضرورة أن تلعب الشخصيات دوراً أكبر في التوعية بمخاطر الانفلات، والتبصير بالنتائج الوخيمة التي ترتبت عليه، وهذا يتطلب النأي عن خطابات التعبئة والتحشيد التي قد تأخذ طابعاً ومنحا طائفياً ومذهبياً، وأن يجري تناول مشكلات البلد من منطلقات اجتماعية ووطنية شاملة. فهل نحن مقبلون على مرحلة الحوار بصورة عقلانية وحضارية تتطلب قليلا من التنازل للتحقيق ما هو للصالح لأهل البحرين بكل تلاوينه الثقافية المختلفة؟!
 
الوسط 15 ابريل 2009

اقرأ المزيد

المبادرة ودعاة التأزيم


لا شك ان العفو الملكي بإطلاق سراح المتهمين في القضايا الأمنية والسياسية التي تصدرت المشهد السياسي والاجتماعي والأمني والإعلامي على مدى عدة أشهر واستفاضت في تحليل مدلولاتها وغاياتها المواقع الإلكترونية وجدران بعض القرى القابلة للاشتعال من أدنى شرارة، والتي أعادت إنعاش الذاكرة المثقلة من الأساس بحكايات الماضي وقصصه كي يصار إلى استعادتها كلها مرة واحدة ودفعة واحدة وتوظيفها بما يخدم الغرض السياسي في تلك اللحظة أو الواقعة السياسية كما يقول الباحث الأكاديمي د. نادر كاظم في كتابه استعمالات الذاكرة، وبالتالي استثمارها والدق عليها لتكريس أجواء الشحن والتوتير واللجوء إلى وسائل العنف والتخريب وتعميم الخسائر وهد المعبد على من فيه، «وعليَّ وعلى أعدائي».

 أقول هذه المبادرة من قبل جلالة الملك معتادة ومتوقعة ومدروسة ولها مثيل في السابق في اختيار التوقيت المناسب وتبريد الأجواء ومنع تصاعدها وتفجرها والحيلولة دون تمكين أعداء الإصلاح والتحول الديمقراطي السليم الذين يضيرهم ويهز مصالحهم سيادة مناخ السلم الأهلي الاجتماعي، يبدو أن البعض لا مكان ولا وظيفة له إلا في ظل الأزمات والتوتر والشحن الطائفي، فإذا انحسر بانت خسائره وانكشف دوره وانتهى مسوغ وجوده. المبادرة تشير إلى تفاعل حي وحقيقي مع الشارع ومطالبه، وتخدم استراتيجيات مملكة البحرين والرؤية 2030 الرامية إلى تحقيق الاستقرار والعدالة الاجتماعية وتمتين الاقتصاد وتقوية ركائزه وتمكين المواطن البحريني وتحسين مستواه ودخله وقدراته العلمية والمهنية وجعله عنصراً جاذباً للقطاع الخاص، المبادرة تصب أيضا في خدمة مخططات البحرين البعيدة المدى وتحسين صورتها السياسية في مجال الحقوق والتشريعات والإجراءات الدستورية والديمقراطية السليمة وكذلك سمعتها الداخلية والخارجية في مضمار العدالة الانتقالية وفي طي صفحة الماضي وفي المضي قدماً نحو الإصلاح الحقيقي مما يعزز مكانة البلد اقتصادياً وسياحياً واستثمارياً.

 دون استقرار سياسي وأمني وحوار متواصل ومستدام وتعبير إعلامي حر ومستقل بالكلمة وبوسائل الاحتجاج السلمي الحضاري وبانتهاج مبادئ المصارحة والمساءلة والمحاسبة وبوضع كل مشاكلنا وحاضرنا وماضينا على طاولة التحليل العلمي والمنهجي والديمقراطي المؤسس على مشاركة الجميع دون إقصاء أو تهميش لطرف دون آخر، أقول دون ذلك يصعب الحديث عن ديمقراطية أو ما يحقق مصالح العباد في المعيشة والسكن والأمان الاجتماعي والنفسي والسياسي المأمول. ولا شك ان المبادرة قد بثت روح الأمل مجدداً في إمكانية عيش حياة سياسية مستقرة لا يضيرها الصراع الإيجابي والتحاور المستمر بقدر ما يضيرها الجمود والتكلس والتراجع وتمسك الأطراف بمواقفها ورفضها التنازل وتقديم التضحيات وبلوغ منتصف الطريق، وهي لا شك مبادرة إيجابية قد فاجأت دعاة التأزيم الذين يتطوعون أو يؤمرون «بتحمية الدف» والطبول وتأجيج هذا الطرف ضد ذاك، ما أحوجنا إلى تنظيف وتنقية أجوائنا وذاكرتنا وجدراننا ووجداننا وتاريخنا المثقل «بالمنغصات» عبر زيادة جرعة الحوار وتمكين التحول الديمقراطي السليم. 

 
الأيام 14 ابريل 2009

اقرأ المزيد