المنشور

يوميات الثورة الخضراء الإيرانية (1)

وجد الزعماء الإصلاحيون الإيرانيون أنفسهم عبر مواقعهم المختلفة وأثناء الحراك السياسي الملتهبِ في وحدة ليست راسخة وقوية، ومع هذا فإنهم يقودون حراكا جماهيريا كبيرا ذا طابع ملحمي.
كلهم أبناء النظام الجمهوري الديني القومي الفارسي، الذي هو تتويجٌ لتطور هذه الأمةِ الكبيرة نحو التحديث، وإدماجها لقوميات أخرى، تخضع لمسيرتها.
وبهذا فإن وحدة القوى السياسية للقوميةِ المركزيةِ مسألة ذات أهمية كبيرة، وهي تعني ان التغييرات التي تتم بها لن تكون على حساب سيطرتها على الأمم الأخرى، وهي سيطرةٌ تتمُ بوسائل غير ديمقراطية، ومن هنا فإن سيطرةَ الطبقةِ الحاكمة على الأمةِ الفارسيةِ نفسِها تتمُ بوسائل غير ديمقراطية.
ولهذا فإن ظهورَ الزعماءِ الإصلاحيين الحاليين يجيءُ من داخل الطبقة الحاكمة، التي أقصتْ أيَ رؤى من خارجِها عبر السنوات الثلاثين الأخيرة، وهي استمراريةٌ إقصائيةٌ لنظام الشاه السابق، مما يعبرُ عن هواجسِ خوفٍ عميقةٍ لدى هذه الأمة من التمزق والذوبان في الأمم الأخرى، وهو أمرٌ له الآلاف من السنين، فتبلورُ هذه الأمةِ بين العصر الوسيط والعصر الحديث فقط اقتضى إلغاء السيطرات العربية والمغولية والروسية والتركية والإنجليزية والأمريكية، مع كل ما عنى هذا الإلغاء من ثوراتٍ وحروبٍ ونضال سري وتقيات وحوارات ونمو ثقافي عبر الغزاة وضدهم.
ويلعبُ المذهبُ الاثنا عشري دورا مهما في بلورةِ هذه القومية، وفي جعلها متماسكةً بصلابةٍ من الداخل، وبرفضِ أي تأثيرٍ تفكيكي لها، وبإذابة القومياتِ المختلفةِ لغةً المتوحدةِ مذهباً في كيانها هذا.
ولكن هذا التوحدَ المتصلبَ للقوميةِ الفارسية الذي تبلورَ في كيانٍ سياسي شمولي عسكري صار مُهدداً لمصير هذه الأمة نفسها، لما يسببهُ من مخاطر كارثية على إنجازاتها التي حققتها خلال العقود السابقة، وعلى وجودها البشري المحض، حيث لم تعد المخاطر العسكرية المتصاعدة تغدو احتلالاً بل فناءً.
من هنا فإن زعماءَ الإصلاح انبثقوا من الطبقة الحاكمة نفسها، عبر صراعاتِها المختلفة، حيث قامت بتصعيد القوى العسكرية – الدينية صاحبة لغة المجابهة المناطقية والعالمية، وتنحية الأصوات السلمية والليبرالية الخافتة، فكلُ الأصوات الديمقراطية والعلمانية والليبرالية منذ بدءِ الثورةِ تمت تنحيتها بأساليب مختلفة، وكان هذا تعبيراً عن العودة إلى الذات القومية المتصلبة، ولجمودِ الهياكل الاقتصادية للطبقة الحاكمة، ولرفضِ عتق القوميات الأخرى، ثم التمدد على الجيران، وهو يعني سياسيا تصاعد الدكتاتورية بكل احتمالاتِها الخطرة.
وكانت التنحيةُ الأخيرة للمعتدلين داخل الطبقة الحاكمة نفسها ذروةَ التصلبِ القومي، وعدم القدرة على المرونة السياسية وعلى عدم قبولِ التعددية داخل صفوفها.
لم يطرح زعماءُ الإصلاح أي هدف جذري في هذا الحراك الشعبي، مركزين في تغيير نتائج الانتخابات المزيفة في اعتقادهم، مما يؤكد رغبتهم القوية في الحفاظ على النظام السائد.
لم يعرفوا ماذا يريدون بالضبط، تائهين في الأدلجة الدينية، وكان الهدفُ بسيطاً وهو صعودُ القطاع الخاص بما يناسبهُ من حرياتٍ وتعدديةٍ وانفتاح على العالم.
إن أزماتِ الرأسمالياتِ الشمولية الشرقية تحدثُ بسببِ تضخمِ القطاع “العام” وبأشكالٍ شموليةٍ مفيدةٍ في البداية، مضرةٍ مع تعقد التطور الاقتصادي وعدم المرونة والتعاون بين القطاعين، فلم يعملوا على توسيع القطاع الخاص، وكان موسوي أكبر الحالمين بذلك، عبر مقولات “اليسار الإسلامي”.
ثم بعد أن تنامت العمليةُ الصراعيةُ لم يعتبرْ زعماءُ الإصلاح أن السيد خامنئي هو مفتاحُ حلِ الأزمةِ، عبر التقرب إليه، وطرح التجديدات المنتظرة عليه، بل تركوه للقوى العسكرية تلتفُ حوله، لقد اعتبروه مجردَ ظلٍ باهت للخميني، وليس شخصيةً قيادية مركزية في النظام، وإذا كان الساداتُ قد تحلل من ميراثِ عبدالناصر بشكلٍ فوضوي ليبرالي، فإن السيدَ خامنئي رفضَ ذلك، وقادَ إلى “تصعيد” مبدأ ولاية الفقيه ومجابهة القوى الغربية الاستعمارية ورفع مبدأ الولاية إلى المستويين الإيراني والمناطقي، ومسخها نجادُ حتى الكونية، وكان زعيمُ الإصلاحيين موسوي معتزلاً مدة خمسة عشر عاما، لم يقل ولم يكتب شيئا علنيا، وكان خاتمي مهتما بالمسائل الثقافية المجردة، ورفسنجاني يناضل في دهاليز الدولة متصوراً انه قادر على العودة للمسار الليبرالي، أما كروبي فلم أعرفْ موقعَهُ بالضبط.
لم يوجد حل وسط، وربما يتشكل في مخاض الثورة الخضراء الراهنة، وأن تظهر قوى سياسية وعسكرية تؤيد البديل “الصيني” لموسوي، وهو بديل مختلف عن الأساس “الروسي” الذي اعتمده في مرحلة قيادته للوزراء سابقاً، أما الهدم الكامل الذي يقترحه مجاهدو خلق فهو خيار مغامر كخياراتهم عادة.

صحيفة اخبار الخليج
13 فبراير 2010

اقرأ المزيد

مؤتمرات دولية برسم الرغبة الغربية‮!‬

مؤتمر لأفغانستان وآخر لليمن عقدا بالتزامن في‮ ‬العاصمة البريطانية لندن،‮ ‬الأول‮ ‬يوم الجمعة التاسع والعشرين من‮ ‬يناير الماضي‮ ‬والثاني‮ ‬يوم الأربعاء‮ ‬27‮ ‬يناير‮.‬
فما هي‮ ‬قصة هذه المؤتمرات التي‮ ‬ما أن تصدر الدعوة لعقدها من جانب إحدى العواصم الغربية الرئيسية التي‮ ‬لازالت تسيطر على‮ ‘‬صناعة‮’ ‬مسارات الحياة الدولية وتتحكم في‮ ‬مفاتيح‮ ‘‬طبخ‮’ ‬وصياغة قرارات أحداثها المصيرية،‮ ‬حتى‮ ‬يهب المدعوون لتلبية تلك الدعوة والتهيئة السياسية والإعلامية والمالية لمقابلة شروط المشاركة فيها والإعراب عن الاستعداد للتعامل مع المنظمين من أجل إنجاح الاجتماع أو المؤتمر المكرسة له الدعوة‮.‬
في‮ ‬حين لم تلق مثلاً‮ ‬دعوة روسيا وتحركاتها الدبلوماسية الرامية لعقد مؤتمر دولي‮ ‬في‮ ‬موسكو حول القضية الفلسطينية سوى الصدود واللامبالاة‮. ‬فقط لأن الدعوة الروسية لعقد هذا المؤتمر لم تحظ بمباركة واشنطن التي‮ ‬لا تسمح لأية دولة مهما كانت أن تقاسمها الجهود‮ (‬التي‮ ‬تترجم في‮ ‬مفهوم وجوهر العلاقات الدولية نفوذاً‮) ‬الدولية‮ (‬التي‮ ‬تتزعمها بطبيعة الحال‮) ‬والرامية لإيجاد حل لقضية الصراع العربي‮ ‬الإسرائيلي‮.‬
تحتاج العواصم الغربية،‮ ‬وخصوصاً‮ ‬العاصمة الأمريكية،‮ ‬لبضعة أسابيع وحسب لعقد مؤتمر أو اجتماع دولي‮ ‬طارئ للتداول بشأن مستجد طرأ على الساحة الدولية له اتصال مباشر أو‮ ‬غير مباشر بالمصالح الغربية عموماً‮ ‬وبمصلحة الدولة الداعية خصوصاً‮.‬
حتى الأمم المتحدة،‮ ‬ما أن تصدر الدعوة من هذه العاصمة الغربية أو تلك،‮ ‬خصوصاً‮ ‬العاصمة الأمريكية،‮ ‬فإنها لا تكتفي‮ ‬بالمسارعة لتلبيتها وإنما التبرع لتوفير الغطاء الشرعي‮ ‬الدولي‮ ‬لها،‮ ‬والمشاركة الفاعلة في‮ ‬ترتيبات وإجراءات انعقادها‮.‬
فكم من هذه المؤتمرات والاجتماعات‮ ‬غير الاعتيادية شهدتها المدن الأمريكية والعواصم الغربية وبعض مدن ومنتجعات منطقة الشرق الأوسط مثل شرم الشيخ وغيرها بناءً‮ ‬على دعوات صادرة من إحدى عواصم الغرب الحاكمة للنظام الدولي؟
على هذه الشاكلة وعلى هذا المنوال تمت الدعوة وتم الترتيب لعقد المؤتمرين الخاصين باليمن وأفغانستان في‮ ‬العاصمة البريطانية لندن،‮ ‬وذلك في‮ ‬استجابة سريعة لرغبة أمريكية مؤزَّرة بدعم بريطاني‮ ‬وأطلسي‮.‬
أما الدعوة للمؤتمر الذي‮ ‬كرِّس لليمن فجاءت كرد فعل على ثبوت تلقي‮ ‬الإرهابي‮ ‬النيجيري‮ ‬عمر فاروق عبدالمطلب الذي‮ ‬حاول تفجير طائرة مدنية تقل أكثر من‮ ‬300‮ ‬راكب فوق ولاية ديترويت الأمريكية‮ ‬يوم عيد الميلاد،‮ ‬تدريبات وتجهيزات في‮ ‬اليمن على أيدي‮ ‬عناصر تنظيم القاعدة هناك‮.‬
وأما الدعوة لعقد المؤتمر الخاص بأفغانستان فلقد جاءت في‮ ‬أعقاب فضيحة تزوير الانتخابات الرئاسية الأفغانية وتكشُّف حجم الفساد الذي‮ ‘‬ترفل‮’ ‬فيه حكومة الرئيس حامد كرزاي،‮ ‬حيث ارتفعت أصوات إعلامية وحزبية في‮ ‬عواصم‮ ‘‬النيتو‮’ ‬تطالب بإعادة النظر في‮ ‬سياسة بلدانها والتزاماتها العسكرية والمالية تجاه أفغانستان،‮ ‬واتهمت هذه الدوائر الساسة الغربيين بأنهم‮ ‬يلقون بالجنود الغربيين في‮ ‬أتون معركة للدفاع عن نظام فاسد لن‮ ‬يتمكن بحالته الرثة الراهنة من تسلم مهام حفظ الأمن والنظام من قوات النيتو بعد أن تعلن انتهاء مهمتها العسكرية‮ ‘‬بتكسير عظام‮’ ‬حركة طالبان وإضعافها عسكرياً‮ ‬وبشرياً‮.‬
المؤتمران المتزامنان اللذان عقدا ـ كما قلنا ـ بناءً‮ ‬على قرار مراكز صناعة القرار الدولي،‮ ‬وتحديداً‮ ‬النظام السياسي‮ ‬الحاكم في‮ ‬البيت الأبيض،‮ ‬يستجيبان لمصالح ودواعي‮ ‬أمنية وسياسية واقتصادية‮ ‬غربية تكتسب صفة الاستعجال،‮ ‬وتنم عن ورطة حقيقية واقعة فيها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في‮ ‬حلف شمال الأطلسي‮ ‘‬نيتو‮’ ‬في‮ ‬الحرب التي‮ ‬تخوضها منذ حوالي‮ ‬عقد ضد تنظيم القاعدة وتفريخاته من التنظيمات الإرهابية‮.‬
فبعد أن كانت ساحة الحرب بين الطرفين تقتصر على أفغانستان فإن القاعدة وبعد أن خسرت مستقرها ومركز تواجدها وانطلاق عملياتها الخارجية في‮ ‬الحرب الخاطفة التي‮ ‬شنتها الولايات المتحدة ضد أفغانستان مباشرة بعد تفجيرات واشنطن ونيويورك الإرهابية في‮ ‬9‮ ‬نوفمبر‮ ‬‭,‬2001‮ ‬عمدت للبحث عن ملاذات آمنة جديدة تعوض بها جزءاً‮ ‬من خسارتها الكبرى في‮ ‬أفغانستان التي‮ ‬احتلها الأمريكيون بعد أن أسقطوا نظام طالبان الحليف الوثيق للقاعدة وأقاموا فيها نظاماً‮ ‬موالياً‮ ‬للولايات المتحدة‮.‬
فطالت استهدافاتها عدداً‮ ‬من البقاع التي‮ ‬تتوفر على حد أدنى من شروط النشوء والتموضع والانتشار‮. ‬فكان المغرب وتحديداً‮ ‬بعض مناطق أحزمة الفقر والعشوائيات فيه هدفاً‮. ‬وعندما قوبلت محاولة القاعدة هذه بضربة قاصمة من قبل أجهزة الأمن وقوى المجتمع،‮ ‬حولت محاولتها لموريتانيا وجوارها الصحراوي‮ ‬الممتد إلى الداخل الـ‮ ‘‬مالي‮’ ‬وبعض الدول ذات الغالبية أو الأقلية المسلمة في‮ ‬غرب وشرق أفريقيا‮. ‬ومازالت هذه المحاولة مستمرة رغم عدم تحقيقها أي‮ ‬نجاح‮ ‬يذكر حتى الآن‮ (‬في‮ ‬غرب أفريقيا،‮ ‬بالإضافة إلى مالي‮ ‬المترامية الأطراف والمحاذية لموريتانيا المستهدفة قبلاً،‮ ‬تحاول القاعدة مد نفوذها وخلق مواطئ قدم لها في‮ ‬النيجر ونيجيريا وصولاً‮ ‬حتى تشاد في‮ ‬وسط أفريقيا‮. ‬وفي‮ ‬شرق أفريقيا فإنه بالإضافة إلى الصومال الممزق تعمل القاعدة على مد نفوذها وتواجدها إلى كينيا وإريتريا‮. ‬وكان أحمد أغ‮ ‬أبيبي‮ ‬رئيس التحالف الديمقراطي‮ ‬في‮ ‬مالي‮ ‬الذي‮ ‬يمثل قبائل الطوارق الصحراوية قد حذر في‮ ‬تصريح له لإحدى الصحف العربية الصادرة في‮ ‬لندن‮ ‬يوم الرابع والعشرين من الشهر الماضي‮ ‬من احتلال القاعدة والجماعات الإسلامية المتطرفة للصحراء الغربية بعد تسليم الطوارق أسلحتهم وإخلاء مواقعهم في‮ ‬الصحراء في‮ ‬كل من مالي‮ ‬والنيجر‮).‬
وكانت القاعدة قد استثمرت جل طاقاتها المالية والبشرية من أجل الفوز بالعراق،‮ ‬الذي‮ ‬راهنت عليه ليس لتعويض خسارتها في‮ ‬أفغانستان وإنما‮ ‘‬الكنز‮’ ‬الأعظم الذي‮ ‬سيمول‮ ‘‬غزواتها‮’ ‬في‮ ‬الجوار والآفاق‮. ‬ولكن هذه المرة أيضاً‮ ‬كان الإخفاق الذريع نصيبها بعد أن انتفض أهالي‮ ‬المناطق العراقية التي‮ ‬كانت أخضعتها لسيطرتها،‮ ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬كانت راهنت على الفوضى التي‮ ‬عمت العراق في‮ ‬أعقاب سقوط النظام السابق‮. ‬فلم تجد‮ (‬القاعدة‮) ‬سوى الصومال المهدّم الذي‮ ‬هجرته نخبته وعافته الأسرة الدولية،‮ ‬للعمل على تحويله إلى قاعدة بحرية لانطلاق عملياتها الإرهابية في‮ ‬أعالي‮ ‬البحار والمحيط الهندي‮ ‬خصوصاً‮ ‬والمناطق القريبة التي‮ ‬طالما شكلت هدفاً‮ ‬لعمليات التنظيم في‮ ‬السنوات العشر الأخيرة‮.‬
وفي‮ ‬ضوء معطيات جيوبوليتيكية،‮ ‬منها القرب الجغرافي‮ ‬للصومال من باب المندب وحالة الضعف والتفكك التي‮ ‬يجتازها اليمن،‮ ‬فقد اختارت القاعدة أن تعيد بناء وتنشيط معاقلها التي‮ ‬كانت أشادتها في‮ ‬اليمن خصوصاً‮ ‬في‮ ‬المناطق الجنوبية‮. ‬وقد تم ذلك على مرأى ومسمع من الجميع بمن فيهم الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون الذين لم‮ ‬يتحركوا لوقف تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وانحدار الدولة نحو مهاوي‮ ‬الفشل على‮ ‬غرار زمرة ما تسمى بالدول الفاشلة‮ ‬‭(‬Failed States‭)‬،‮ ‬إلا بعد أن قام الشاب النيجيري‮ ‬الغر عمر فاروق عبدالمطلب‮ (‬19‮ ‬عاماً‮) ‬بمحاولة تفجير إحدى طائرات الركاب المدنية التي‮ ‬كانت في‮ ‬رحلة من أمستردام إلى ولاية ديترويت الأمريكية‮ ‬يوم عيد الميلاد‮ ‬25‮ ‬ديسمبر‮ ‬‭,‬2009‮ ‬قبل أن‮ ‬يُكتشف أمره بدقائق قبل عملية التفجير في‮ ‬سماء الولاية،‮ ‬وبعد أن اتضح أن العملية برمتها قد تم التخطيط والتجهيز لها في‮ ‬اليمن‮.‬
بمعنى أنه لولا هذه الحادثة لما انعقد مؤتمر لندن الذي‮ ‬كُرس لمناقشة تصاعد خطر القاعدة على البلدان والمصالح الغربية‮. ‬بدليل أن المؤتمر الذي‮ ‬دعيت للمشاركة فيه‮ ‬24‮ ‬دولة ما بين مقررة وأخرى مانحة،‮ ‬أعلن في‮ ‬ختام اجتماعاته التزام كافة المشاركين بدعم اليمن في‮ ‬حربه ضد تنظيم القاعدة،‮ ‬و‮’‬دعم المجتمع الدولي‮ ‬لليمن لاجتثاث الإرهاب من جذوره‮’ ‬كما قال ديفيد ميليباند وزير الخارجية البريطاني‮. ‬ومع أن اليمن قدم في‮ ‬المؤتمر ما‮ ‬يشبه فاتورة حساب اشتملت على احتياجاته الإنمائية في‮ ‬مجالات البنية التحتية والصحة والتعليم والطاقة،‮ ‬إلا أن المشاركين الذين‮ ‬يعون بالتأكيد هذه التحديات التي‮ ‬تواجه اليمن دون أن‮ ‬يبذلوا جهداً‮ ‬صادقاً‮ ‬وجاداً‮ ‬إزاءها،‮ ‬لم‮ ‬يقدموا لليمن أي‮ ‬ضمانات بهذا الخصوص‮. ‬فهم‮ ‬يريدون من الحكومة اليمنية أن تخلصهم بإمكانياتها الذاتية وبمساعدة منهم محدودة،‮ ‬من خطر القاعدة‮.‬
 
صحيفة الوطن
13 فبراير 2010

اقرأ المزيد

هل نبقى في مكاننا نراوح ..!

بعد أن صادق جلالة الملك قبل أيام على الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد وانضمام البحرين بهذه الخطوة الى 121 دولة التي صادقت والتزمت بالمقتضيات والتدابير التي تفرضها هذه الاتفاقية ، هل يمكن أن نشهد جهداً وطنياً حقيقياً ونوعياً وغير مسبوق يناهض الفساد ويفعل الشراكة التي تشدد عليها الاتفاقية بين كل مكونات المجتمع وجعل هذه المهمة والمسؤولية في صدارة أولويات العملية الإصلاحية .
الاتفاقية في مقدمتها تؤكد بأن انضمام أي دولة إليها يعني التزاماً سياسياً وإدراكاً لمدى خطورة آثار الفساد على الاقتصاد وقضايا التنمية المستدامة، وهي تشير بوضوح الى خطورة ما يطرحه الفساد من مشاكل ومخاطر على استقرار المجتمعات وأمنها وتقويضه للمؤسسات الديمقراطية والقيم الأخلاقية والعدالة ويعرض التنمية وسيادة القانون للخطر.
هذه الاتفاقية الدولية لابد أن يدرك الجميع بأنها تفرض التزامات بقدر ما تفرض تحديات، فعلى الصعيد الأول لابد للسلطة التنفيذية البدء سريعاً وبدعم من السلطة التشريعية المباشرة في تشكيل هيئة وطنية عليا لمحاربة الفساد وتعديل القوانين النافذة وسن تشريعات جديدة تصب في إرساء مبادىء النزاهة والشفافية، وتبني استراتيجية محكمة تستهدف رفع مستوى الشفافية في عمل الدول ومؤسساتها، وتوفر المساءلة القانونية والمحاسبة الصارمة للقائمين على أمور الإدارات الحكومية، وتتبنى إصلاحاً ادراياً، وقانوناً يقضي بالكشف عن الذمة المالية للمسؤولين بالدولة وهو أمر يعتبر مفصلاً مهماً في محاربة الفساد المالي والإداري وحتى السياسي، كما لابد في نفس السياق من إيجاد هيئات ومؤسسات رقابية ومحاسبية في غاية الكفاءة لكي تكون معنية بالمتابعة والتحقيق في مختلف القضايا التي تمس المال العام وكل ما يندرج في خانة الفساد من قرارات مالية وإدارية وأية ممارسات من هذا القبيل في القطاعين العام والخاص، بجانب مراجعة النظم المعنية بأملاك الدولة وتطويرها بما يكفل حفظ المال العام من النهب والتنفع غير المشروع.
تلك بعض الالتزامات التي تفرضها تلك الاتفاقية الدولية، وهي التزامات نفترض اذا ما تحققت على أرض الواقع ستجعلنا بمشيئة الله على أعتاب عمل نوعي طال انتظاره .. عمل لابد أن يضفي الجدية المطلوبة التي افتقدناها في معظم المبادرات والجهود التي سعت الى تفعيل قيمة المساءلة في ساحة الأداء العام . وأحسب أننا نعلم جميعاً بأن الوضع الحالي لمستوى الفساد لا يحتمل التصدي له أي تأخير، كما لا يقبل المزايدات ولا الشعارات من تلك النوعية التي بشرتنا بحرب ضد الفساد دون فعل ملموس يبعث على الارتياح.
أما فيما يخص التحديات فهي أيضاً كثيرة، فمحاربة الفساد هي بحد ذاتها مهمة كبيرة تكتنفها صعوبات ليست هينة على الإطلاق، ولكنها مع ذلك تعتبر من القضايا المحورية التي تواجه عملية الإصلاح والتطور الاقتصادي والتنموي، ومن هنا فإن أول وأكبر تحدٍ هو تفعيل التعاون الحقيقي المطلوب المعزز للقيم التي تستهجن الفساد وتدينه ولا تتوانى عن اتخاذ إجراءات رادعة وفعالة لمحاربة الفساد، تعاون يبدأ من السلطة التنفيذية ممثلة بكافة الأجهزة الرسمية بما فيها مجلس التنمية الاقتصادية برؤيته الاقتصادية، ومروراً بالسلطة التشريعية ثم السلطة القضائية، ثم الصحافة والإعلام وانتهاءاً بمؤسسات المجتمع المدني وقواه الفاعلة .. التحدي يكمن في كيف يقوم كل طرف بدور له وزن وله قيمة في إطار عمل وطني حقيقي يجعل محاربة الفساد قضية المجتمع البحريني بعيداً عن الطأفنة والشخصنة والحسابات الخاصة، على النحو الذي شهدناه حيال العديد من الملفات التي تم التعاطي معها من قبل نواب كثر الى الدرجة التي ولدت لدينا القناعة بأن البرلمان المعني بالرقابة على الأداء الحكومي بحاجة الى رقابة شعبية على أداء أعضائه، وهذا في حد ذاته تحدٍ لا ينبغي التهوين منه .
كما أن إشاعة ثقافة الثواب والعقاب، وإنهاء حالة التسامح مع الفساد والمفسدين هو تحدٍ من غير الحصافة تجاهله، خاصة اذا ما أمعنا النظر والتأمل في واقعنا ، حيث سنجده محملاً بتفصيلات كثيرة لا مجال للخوض فيها تشير إلى حالة التراخي والتسامح إزاء حالات عديدة كلها تندرج تحت ملف عنوانه الفساد، ولكن يبدو أن ثمة حسابات أو اعتبارات أو هدنة تؤجل أو تقرر مسألة الحسم والردع ، وما دام جلالة الملك الذي صادق على تلك الاتفاقية الدولية هو أيضاً الداعي الى الشراكة الشعبية في القرار الحكومي ، فإن المأمول أن يدفع ذلك الى بلورة جهد وطني حقيقي تقوده الحكومة ومجلس النواب وبمشاركة غير صورية لمؤسسات مجتمعنا المدني وقواه الفاعلة مناهض للفساد ، وإلا سنبقى في مكاننا نراوح .
 
صحيفة الايام
13 فبراير 2010

اقرأ المزيد

إيقاظ الكلمات النائمة

كان الأرجنتيني بورخيس، الأعمى شأنه شأن عميد أدبنا العربي الدكتور طه حسين، لا يستطيع لفقدانه البصر أن يقرأ، لكنه ظل يقتني الكتب ويملأ بها منزله. وفي إحدى المرات تم إهداء بورخيس موسوعة كبيرة تقع في عشرين مجلداً، ورغم أنه كان يدرك أن عينيه لن تقعا أبداً على صفحات هذه المجلدات فإنه أحس بوجود هذا المؤلف في بيته، بل شكل وجوده مصدر سعادته. لكن الكلمات النائمة في الكتاب يجب إيقاظها، والقارئ هو من يقوم بفعل الإيقاظ هذا، لذا فإن قيام الفرد بأخذ الكتاب وفتحه هو بحد ذاته ظاهرة جمالية محققة.
الكتاب، رغم ألفة وجوده في البيت قد لا يعدو كونه مجموعة أوراق بين دفتين. ثمة وصف جميل منسوب لأحد الكتاب الأجانب مفاده أن خزانة الكتب تشبه غرفة سحرية تقيم بها أفضل أرواح البشرية وأحسن عقولها وأقواها، لكن هذه الأرواح والعقول تلوذ إلى الصمت بين دفتي الكتاب، على القارئ أن يخرجها عن صمتها ويستدرجها للحديث، بأن يحاورها في ما تقول، فإن لم يفعل القارئ ذلك ظلت تلك العقول والأرواح صامتة، وربما هجعت في النوم العميق إذا طال أمد انتظارها، دون أن تمتد أيادي أحدنا نحو الرفوف التي تسكن فيها، ويدعوها للكلام معه.
لكن العلاقة مع الكتاب لا تقف عند حدود استدراج كاتبه إلى الكلام فحسب، وإنما يمكن أن تنشأ بيننا وبين هذا الكتاب صحبة وصداقة. أجمل وأعمق الصداقات هي مع الكتب. بوسع كل منا، طالما وجد عنده حد أدنى من الاهتمام بالقراءة، أن يسمي كتاباً واحداً على الأقل يعده كتاباً صديقاً، احدث في عقله ووجدانه من الأثر ما تحدثه رفقة طويلة مع صديق تعلمنا منه شيئاً أو أشياء.
لكننا لا نجد المتسع الكافي من الوقت لنقرأ كل ما نقتنيه من كتب، وأحياناً كثيرة نجد الوقت ولكننا لا نجد المزاد ولا الرغبة في القراءة، أننا نميل للاسترخاء والكسل أكثر من ميلنا للقراءة التي تتطلب قدراً لا بد منه من التركيز والجهد، بيد أننا لا نكف على اقتناء الكتب رغم ذلك.
ما الذي يحدونا لفعل ذلك، أهي ذاتها تلك الأحاسيس بالإلفة والأمان التي كان بورخيس فاقد البصر يشعر بها وهو “يرى” الكتب تملأ بيته. الأرجح أن في الأمر شيئاً من هذا، ولكنه لا يقدم التفسير الكامل للموضوع، فنحن إذ نفعل ذلك فإننا نعيش على أمل أننا سنجد الوقت للقراءة، أن أيادينا ستمتد يوماً لهذه الكتب وندعو كتابها الذين أخذهم النعاس للتكلم إلينا، بل لعلنا نعود إلى هذه الكتب مرة ومثنى وثلاثاً.
الكتاب نفسه إذ نقرأه في مقتبل العمر لا يعود هو نفسه حين نقرأه في منتصف العمر، ولا يعود كما كان في الحالين السابقين لو عدنا إليه ونحن في خريف العمر. لقد امتلكنا من عدة المعرفة والخبرة والتجربة والذائقة ما يجعل الكتاب نفسه “يتطور” ونحن نتلقى أفكاره كناية عن أننا لا نعود أنفسنا في كل مرحلة عمرية. لقد تغيرنا، وطريقة تلقينا لكتاب قرأناه قد تكون معياراً لقياس ما الذي فعلته الحياة بنا.
 
صحيفة الايام
13 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

العمالة غير النظامية

منذ بداية ثمانينات القرن الماضي ووزارة العمل تشكل اللجان وتنسق مع وزارة الداخلية للوصول الى حلول مناسبة تحد من ظاهرة العمالة الهاربة او كما تسمى اليوم بالعمالة غير النظامية. في ذلك الوقت كانت حملات التفتيش يرافقها “جيب” يتبع الشرطة لملاحقة هذه العمالة التي غالباً ما تتجمع في الاسواق وميناء سلمان. كانت المشكلة بالاضافة الى خطورة مطاردة العمال في الشوارع خشية من حوادث السيارات تنحصر في ما ان يتم القبض على العمال الهاربين حتى يتبين ان الغالبية من المقبوض عليهم على اتفاق مع اصحاب العمل الذين ينفون هروبهم في الحال ونقصد اصحاب العمل “المسنودين” منهم وان هذا الاتفاق شرطه الاساسي هو ان يدفع العمال مبلغاً شهرياً لصاحب العمل، بالاضافة الى رسوم تجديد الاقامة سنوياً، وأما العمالة التي يتبين انها بالفعل هاربة وعادة ما يكون عددها قليل تحجر تمهيداً للتسفير.
وعلى هذا الاساس، لم توفق في السابق حملات التفتيش العمالية وبالتالي كانت هذه الظاهرة تتفاقم باستمرار والسبب يعود الى “البزنس” الذي كان مربحاً وعلى هذا الاساس ايضاً لم ينفع “الجيب” ولا اللجان؛ لان المسألة كانت تستدعي المساءلة القانونية والجنائية اي تستلزم محاكمة هكذا اصحاب عمل وكل المتورطين الذين استغلوا هذه العمالة وتاجروا بها وان حدثت هذه المساءلة فانها تقع على “الطوفة الهبيطة” من اصحاب العمل!!
ومع ذلك، تقع اللائمة ايضاً على العمال الهاربين انفسهم وخاصة اولئك الذين فضلوا الهروب بحثاً عن عمل آخر دون ادنى تقدير لصاحب العمل الذي كلفه الاستقدام كثيراً. ومن ناحية اخرى، كانت اسباب الهروب التي يفترض من وزارة العمل ان تبدي اهتماماً بها الاجور المتدنية وظروف العمل والمساكن غير الصحية فضلاً عن ساعات العمل التي تتجاوز في اليوم الثماني ساعات بكثير!!
واما اليوم فعلاج هذه الظاهرة أخذ اساليب جديدة ربما اكثر نفعاً من التي كانت قبل ثلاثين سنة وخصوصاً تلك العلاجات التي تشرف عليها هيئة تنظيم سوق العمل والتي اهم القرارات الصادرة عنها على صعيد هذه الظاهرة قرار حرية انتقال العامل الاجنبي الذي قد يخفف من حدة هذه المشكلة رغم التحفظات الكثيرة من بعض اصحاب الاعمال الذين يؤكدون على وجود ضوابط تضمن مصالح جميع الاطراف وتحقق التوازن المطلوب في سوق العمل خوفاً من انتشار الفوضى في هذه السوق في حين ان هذا القرار الذي مضى عليه اكثر من خمسة اشهر من تطبيقه لاقى استحساناً وتأييداً من الاتحاد العام لعمال ونقابات البحرين وكذلك المنظمات العمالية والحقوقية الدولية ومع اهمية تشكيل اللجنة العليا للاشراف على الحملة الوطنية لمعالجة ظاهرة العمالة السائبة التي كما قلنا تسمى اليوم بالعمالة غير النظامية والمكونة من ممثلين عن هيئة تنظيم سوق العمل والنيابة العامة ووزارة الصناعة والعمل والداخلية والثقافة والاعلام وغرفة التجارة والاتحاد العام للعمال والنقابات وجمعية المقاولين فان ردود الفعل الصادرة عن اتحاد العمالة واصحاب العمل ولا سيما المتضررين منهم من هذه الظاهرة تأمل من هذه اللجنة ان تغلق الابواب في وجه المتنفذين والمتاجرين في هذا الأمر من الحلول المهمة لمعالجة ملف العمالة السائبة، كما يجب اعادة النظر في منح التأشيرات وتطبيق القوانين الصارمة لمعاقبة بائعي التأشيرات والمطلوب ايضاً تعاون التجار والمقاولين مع هيئة تنظيم سوق العمل للقضاء على السوق السوداء ووجود فريق تفتيش جاد ومستمر في عمله وفضلاً عن ذلك ان العمالة السائبة خلقت اثاراً سلبية على المجتمع والاقتصاد بسبب تحويل الاموال الى خارج المملكة، وان المتاجرة وتأجير السجلات وانشاء مؤسسات وهمية ادت الى منافسة المواطنين في القطاعات الخاصة.
لقد اوضحت التجربة في السنوات العديدة الماضية بجلاء ان الحلول لا تقتضي التشريعات فقط ولا اللجان وانما وبالرغم من اهمية ذلك تقتضي ايضاً ان تكون هذه التشريعات واللجان فاعلة دون اعتبارات لا تحترم القانون الذي هو فوق الجميع، وان مسؤولية هذه الظاهرة لا تقع فقط على العمالة الهاربة التي من دون شك هي محط استغلال المتاجرين بل تقع ايضاً على بعض مؤسسات القطاع الخاص التي تشجع هذه الظاهرة لمصالح ضيقة ولا تستبعد هذه المسؤولية عن هيئات وجهات لها علاقة مباشرة بهذه الظاهرة.
وبالتالي، فاللجنة العليا المشرفة على معالجة الظاهرة امامها مهمات كثيرة ومعقدة نتمنى ان توفق في عملها وبرامجها وخططها وخاصة ان هذه الظاهرة مصدر ربح للذين يتاجرون بها.
 
صحيفة الايام
13 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

التيار الوطني الديمقراطي.. في خطاب جمعياته


مرت قرابة عشر سنوات على ظهور العمل السياسي للعلن، وبروز جمعيات سياسية (أحزاب)، منها أحزاب برزت من رحم الأحزاب التي مارست العمل السياسي المعارض سراً، ومنها أحزاب برزت ولم يعرف عنها يوماً ما أنها مارست عملاً سياسياً في فترات النضال السياسي السري، بل إن أصولها السابقة بشكل أو آخر تصب في الموالاة شبه المطلقة للسلطة حقاً أو باطلاً، وهذا لا يعني أننا نسلب حقها في تشكيل أحزابها أسوة بالأحزاب التي تصنف على أنها معارضة.

الآن ورغم مرور السنوات العشر ووجود الحاجة التاريخية والملحة إلى بروز تيار وطني ديمقراطي قوي، يخلق حالة من التوازن في المجتمع مع تيارات الإسلام السياسي بمختلف تلاوينه وأشكاله من جانب، وتوازن مع السلطة من جانب آخر، كل ذلك رغم تمثيل قوى التيار الوطني الديمقراطي لشريحة واسعة من الشعب، وهي قد تكون غير بارزة على السطح، بفعل عوامل عدة منها ما هو ذاتي، ومنها ما هو بفعل السطوة التي امتلكها الإسلام السياسي بتأثير الدين والإمكانات المالية التي يوفرها لها من الصناديق الخيرية والزكوات والصدقات والأخماس، بل أحياناً بفعل السلطة وتحالفاتها الظاهرة والمستترة معه، ولا نستبعد في ذلك وجود دعم مالي لها من الخارج.

إلا أن تلك الحاجة التاريخية والملحة وحتى الآن لم تؤدِّ إلى بروز تيار وطني ديمقراطي قوي متماسك موحد القوى، وإن كانت هناك ثمة تباينات بين أطرافه المتعددة، فالتباينات والاختلافات ليست سبباً لتفرقه وضياع جهوده، فالتباينات والاختلافات هي ظاهرة صحية إن أحسنّا استخدامها، وهي موجودة حتى داخل الحزب الواحد.

ونحن نتحدث عن الضرورة التاريخية والملحة التي تدعو إلى بروز تيار وطني ديمقراطي كقوة فاعلة يأخذ دوره الرائد والمطلوب، دائماً ما تطرح تساؤلات ما هي مكونات هذا التيار من أحزاب وأشخاص ومؤسسات؟ والمهم هل هو من أولويات جمعيات (أحزاب) هذا التيار، سواء على صعيد الخطاب أو البرامج والفعل لدى هذه الجمعيات؟

حاولت أن أرصد جانباً من الخطاب لدى أحزاب هذا التيار ولدى الأفراد المنتمين إلى هذه الأحزاب، ولا أدعي أنني سأعكس هذا الخطاب بصورة حقيقية ووافية، ولكن في حدود ما اطلعت عليه وفي حدود القناعة الذاتية المتولدة لدي نتيجة نقاشاتي مع العديدين، وقد أكون مصيباً في جانب ومخطئاً في جانب آخر، لذلك أدعو من يعنيهم الأمر مساعدتي ومساعدة القارئ في التعقيب على ما يجدون أنها وجهة نظر خاطئة وغير صحيحة.


في حدود ما تمكنت من الاطلاع عليه من خطابات ذات علاقة بالمنبر الديمقراطي التقدمي أبدأ.

من ضمن الأهداف التي نص عليها النظام الأساسي هناك البند (3/10) الذي نص على «العمل على تعزيز التعاون والتنسيق بين مؤسسات العمل الوطني الديمقراطي وترسيخ الوحدة الوطنية على أساس التنوع والقبول بالآخر». لم أجد من ضمن الأهداف هدفاً صريحاً ينص على ضرورة السعي إلى بناء تيار وطني ديمقراطي غير هذا النص الذي لا يرقى إلى الحد الأدنى للهدف المعني.

وبالعودة إلى البرنامج السياسي للمنبر الديمقراطي التقدمي، الذي هو المرشد الأساسي للحزب في عمله، لم أجد غير عبارة وردت في سياق التعريف بالمنبر كتنظيم، جاء فيها «ويعتبر المنبر الديمقراطي التقدمي جزءاً رئيسياً من الحركة الديمقراطية والشعبية في البحرين، وامتداداً لتقاليدها الكفاحية». وهنا أعتقد أن موضوع بناء التيار الوطني الديمقراطي كان يجب أن يأخذ حيزاً واسعاً في البرنامج، وكان يستحق أن يُفرد له فصل مستقل؛ حيث إن الواقع يقول لنا إنه لا يكفي أن نتغنى بالماضي وأمجاده من دون الوقوف بجدية ومسؤولية تجاه واقعنا الحاضر، لتحديد ما هو مطلوب وبجرأة متناهية.

لقد وجدت في بيانات صادرة عن الهيئات القيادية في المنبر الديمقراطي التقدمي، وفي كلمات الأمين العام له أثناء مؤتمرات التنظيم، وكذلك في كثير من المقالات التي كتبها الأمين العام، وخصوصاً سلسلة المقالات التي نشرها حديثاً في صحيفة «الأيام» والتي دعا فيها إلى ضرورة بناء كتلة سماها الكتلة الديمقراطية، وكذلك مقالات كتبها بعض قيادات التنظيم، وهناك كذلك ورقة مهمة وتفصيلية أعدها عضو اللجنة المركزية ورئيس اللجنة التنظيمية في المنبر الديمقراطي التقدمي المحامي حسن إسماعيل، تناول فيها وحدة التيار الوطني الديمقراطي كحاجة ملحة، إضافة إلى مناقشاتي المباشرة مع كثير من الرفاق في المنبر الديمقراطي التقدمي، وجدت في كل ذلك اهتماماً بالغاً وإحساساً شديداً بضرورة بناء تيار وطني ديمقراطي يستطيع أن يقوم بالدور المطلوب منه في الحاضر والمستقبل.

لست بصدد عرض ما كتبه الأمين العام أو حسن إسماعيل وآخرون من المنبر الديمقراطي التقدمي، رغم أنها تستحق العرض والمناقشة، لكنني أعتقد أنها تصلح كأوراق عمل من ضمن أوراق أخرى يمكن أن يتقدم بها آخرون من المهتمين بالتيار الوطني الديمقراطي، على أن تناقش في أوساط هذا التيار بجدية ومسؤولية تمهيداً لعقد مؤتمر لقوى هذا التيار لتحديد إطار وآليات عمله وبرنامجه الموحد المستمد من برامج جمعياته وآراء شخصياته الوطنية الديمقراطية.
سأكمل في خطاب جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) وخطاب التجمع القومي الديمقراطي، حول التيار الوطني الديمقراطي في مقال مقبل.
 
الوقت  9 فبراير 2010
 

اقرأ المزيد

مصنـع الرجـال


بعد الحرب  العالمية الثانية وبالذات في عقد  الخمسينات من القرن العشرين كان  العالم عامة، وآسيا وأفريقيا خاصة تعجان بحركات التحرر وباستقلال المستعمرات، و بإعلان الجمهوريات، وبتأميمات النفط  والمؤتمرات التضامنية. وكانت الدول الاشتراكية وفي مقدمتها الاتحاد السوفيتي تقدم كل إمكانياتها وتدعم علناً حركات التحرر والأحزاب الوطنية والدول المستقلة حديثا. 

 فكانت هناك جبهة التحرير الجزائرية التي تكونت عام 1951 وأعلنت الثورة المسلحة على المستعمرين الفرنسيين في نوفمبر 1954 ومن ثم أعلنت عام 1958 حكومة الجزائر المؤقتة برئاسة فرحات عباس.  وجبهة التحرير الفيتنامية برزت عام 1954 معلنة الكفاح المسلح ضد الولايات المتحدة الأمريكية.  وحركة مصدّق في إيران، وتزعمه للجبهة الوطنية في البرلمان وقيامهم بتأميم شركة النفط البريطانية الإيرانية بين عامي 1951 و 1953.  وثورة 23 يوليو 1952 في مصر.  والعدوان الثلاثي على مصر وهزيمة المعتدين: بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، حيث كان هذا العدوان الثلاثي أو حرب السويس هو بالأساس غزواً قامت به كل من بريطانيا وفرنسا باشتراك إسرائيل على حدود الجمهورية العربية المتحدة بحراً وجواً على بور سعيد وقناة السويس وبراً عن طريق سيناء وقطاع غزة عام 1956. 

 وثورة 14 تموز 1958 في العراق وسقوط النظام والحكومة المستبدة ركيزة المستعمر البريطاني التي يرأسها الطاغية نوري السعيد وقيام الجمهورية العراقية برئاسة عبد الكريم قاسم.  وكذا باقي الثورات والحركات في آسيا وأفريقيا كثورة غانا وغينيا والكونغو وحركة هيئة  الاتحاد الوطني في البحرين عام .1954
إلى جانب عقد أهم المؤتمرات الدولية وهو مؤتمر باندونج في اندونيسيا والذي عقد في 24 ابريل 1955 واشتركت فيه 27 دولة وفي مقدمتها جمهورية الهند برئاسة جواهر لال نهرو وجمهورية مصر برئاسة جمال عبد الناصر وأندونيسيا برئاسة الدكتور أحمد سوكارنو الذي قام بتنظيم المؤتمر الآسيوي الأفريقي والذي عرف بمؤتمر باندونج ثالث المدن الاندونيسية. 

في هذه الظروف العالمية وفي هذا الزخم تأسست في مدينة المنامة في 15 فبراير 1955 جبهة التحرير الوطني البحرانية.  وكان العامان 1955 و1956 هما مرحلتا التأسيس، أما مرحلة الاتساع وإحراز النجاحات والمساهمات في الفعاليات العربية والدولية فقد نشطت بشكل ملحوظ مع مطلع العام 1957 وتقدمت واتسعت بشكل ملموس يبعث على الفخر في العام 1958.  وأهم الخصائص المميزة لتلك المرحلة هو الانخراط الواسع والكثيف والملحوظ لكثير من أبناء العوائل البحرينية المعروفة في صفوف جبهة التحرير،أعضاء وأنصاراً وأصدقاء،  ومن بين تلك العوائل عائلة الذوادي والبنعلي والعجاجي ودويغر وبن خميس والسلمان وعائلات كثيرة جداً أخرى.  وفعلا كانت جبهة التحرير مصنعاً للرجال. 

فمن منزل واحد يأتيك أكثر من عضو أو نصير أو صديق، فمثلا من منزل واحد أتي كريم محمد علي السلمان من مواليد العقد الأول من القرن العشرين وحسن محمد علي السلمان من مواليد العقد الثاني وسعيد محمد على السلمان من مواليد العقد الثالث وابن عمهم سلمان محمد جواد السلمان من مواليد العقد الثاني وابنهم جعفر حسن محمد علي السلمان من مواليد العقد الرابع. ومن منزل آخر لا يبعد عن المنزل الأول إلا أمتاراً قليلة أتي عبد العزيز الشيخ علي آل عباس واحمد الشيخ علي ومحمد علي الشيخ علي وعبد الحسين الشيخ علي وقبلهم خالهم كريم كالعوض وابن شقيقتهم المهندس السيد عيسى السيد سعيد.  هذا على سبيل المثال لا الحصر. 

 فالمرحلة كانت تبعث على الانخراط في النضال ضد المستعمر من أجل الوطن والكرامة، لدرجة أن كشافة هيئة الاتحاد الوطني في العام 1955 كان يرأسها الشيخ راشد بن محمد الخليفة مع زميل له، وأن اجتماع هيئة الاتحاد الوطني في مسجد مؤمن بالمنامة في العام 1955 لرص الصف ضد الطائفية التي حاول المستعمر أن يبذرها في وطننا، ألقى الشاعر الشاب غازي عبد الرحمن القصيبي قصيدة ثورية.

بعد مرحلة  التأسيس وفي ظل العمل السياسي  السري، صارت جبهة التحرير تدفع نحو  تسريع درجة الوعي في الواقع الاقتصادي والاجتماعي وتصر على التوجه الجاد للطبقة العاملة الفقيرة والنضال من أجل رفعتها والدفاع عن حقوقها بالعمل دون هوادة بين الجماهير والشغيلة وتوعيتهم فكان الخط العام هو عدم ترك الممكن وطلب المستحيل.  فالمصلحة العامة للجماهير المضطهدة هي الهدف الأول.  لذا كان النضال داخل الجبهة مع النفس أولا مما مكن الجبهة بالرغم من أن عودها لا يزال أخضر من اكتساب ثقة الجماهير؛ نتيجة انضمام خلايا متفاوتة الثقافة والعمر والمكانة الاجتماعية. 


 

اقرأ المزيد

خليجنا.. بقرة «حاحا النطاحة»

مررنا في الأسبوع الماضي، وهذا الأسبوع برسائل متبادلة، خطيرة، بين الغرب وإيران، وكأن المواجهة العسكرية الحتمية بينهما «قاب قوسين أو أدنى».. طهران تعظم من قدراتها العسكرية والنووية ومبتكراتها التكنولوجية في هذه «المواجهة» بعناوين: «النووية والعسكرية»، وواشنطن، باريس وبرلين «تنفخ بقدر ما تستطيع» لإقناع دول العالم، ومن بينها دول الخليج، بأن «الأمر جاد» لما فيه الكفاية بهذه القدرات الإيرانية، وتقوم هذه الأخيرة على طريقة «الغرقان الذي يتشبث بقشاية» بفتح خزانات الدول على الواسع لشراء مزيد من الأسلحة «الدفاعية» للقادم «المجهول، المرعب»، مع أن الأمر لا هذا ولا ذاك، ولا هم يحزنون: إيران تصدّر ما يمور في داخلها إلى الخارج، والغرب يستثمر مزاعمه وقدراته العسكرية والتسليحية الرادعة، فيما دول الخليج مثل «البقرة الحلوب» تشتري من تجار السلاح ما تجود به للدفاع عن نفسها، فدولة اشترت 80 طائرة «إف 16»، والذي منه، بـ 15 مليار دولار، والثانية اشترت في سنتين أسلحة بـ 25 مليار دولار، والدول الأخرى في آخر تقليعة اشترت «درع صاروخية»، والمفارقة أن كل هذه الأسلحة تسقط في أول اختبار وفي أصغر مواجهة داخلية، لا علاقة لها لا بـ «العدو الصهيوني»، ولا بـ «التوسع الفارسي والهلال الشيعي المخيف».
الملاحظ، أن واشنطن تبتز دول الخليج، بوضع «فزّاعة قدرات إيران العسكرية والنووية، كخطر ينبغي ردعه قبل أن يتنامى»، وطهران تمارس الدور ذاته من حيث «تدري أو لا تدري» بعلامات التفاخر بـ «رعد ونذير»، وتخصيب اليورانيوم، وكذا «غزو الفضاء الخارجي، وتطوير الصواريخ»، وما إلى ذلك من «فخفخة» عسكرية تضاهي الاتحاد السوفيتي السابق في صنع صواريخ أكثر تقنية من «إس 300 السوفيتية العابرة للقارات»، وكأنهم لا يدركون أن الإمبراطورية السوفيتية وترسانتها المسلحة التي كانت تتبارى بها مع الولايات المتحدة والغرب الإمبريالي، سقطت عندما دهست دبابة سوفيتية مواطناً واحداً من مواطنيها في العام 1991 تحت عجلاتها بمصادفة عمياء، لتتغير خريطة العالم منذ ذلك التاريخ: فلا ترسانة الأسلحة التي كانت ثاني قوة عظمى عالمية – إن لم تكن الأولى في العالم – نفعت في بقاء هذا الاتحاد، ولا الدعاية الأيديولوجية استطاعت أن تبقيه إلى الأبد، كما يردد مريدوه.
دعونا نتأمل، من دون تشنج أيديولوجي، ولا خزعبلات ثورية، قومية أو مذهبية تتشبث بـ «القائد المنقذ»، لنتساءل مع المتسائلين: هل الولايات المتحدة، والدول الغربية التي تتهمها إيران بالدور الكبير في الثورة المخملية، أو الناعمة، تسعى فعلاً إلى تغيير النظام الجمهوري الإسلامي المتشدد، وبالتالي تعتزم المواجهة العسكرية مع هذا النظام الذي تصفه بـ «أقسى وأشد المفردات والعبارات»، سواء من خلال «قمعه الوحشي لشعبه، أو تحديه للمجتمع الدولي ببرنامجه النووي»؟.
الجواب على هذا السؤال ليس سهلاً، كما يتصوره البعض، لكنني شخصياً أشك في أن الرئيس باراك أوباما، أو غيره من الرؤساء السابقين واللاحقين، يجرؤ على إسقاط النظام الإيراني، أقلها في هذه المرحلة الحرجة بالنسبة إلى الاقتصاد الأميركي، وإن توافقت قناعات الرئيس مع ضرورة التغيير في إيران نحو نظام ديمقراطي حقيقي، فإن شركات السلاح الأميركية مستعدة للتضحية برئيسها، لكنها غير قابلة للتفاوض، وذلك لبقاء إيران «فزّاعة» خليجية تحلب مليارات الدولارات من قوت شعوبها «بعيداً عن رصد هذه المليارات لتنميتها المستدامة وبناء بنيتها التحتية»، بقصد حمايتهم من «الخطر الإيراني».. والسؤال الأهم: هل الأميركان بهذه السذاجة لتطبيق شعارهم المعروف: «مبادئ.. ديمقراطية.. حقوق إنسان!» على حساب مصالحهم الاستراتيجية في تجارة «الموت» – السلاح؟
 
صحيفة الوقت
12 فبراير 2010

اقرأ المزيد

الأنثوية مقابل النسوية

منذ أكثر من مائة عام، وبالتحديد في العام 1898 كتب قاسم أمين يقول: “ أن المرأة لا يمكن أن تكون وجوداً تاماً إلا إذا ملكت نفسها وتمتعت بحريتها الممنوحة لها بمقتضى الشرع والفطرة معاً، ونمت ملكاتها إلى أقصى درجة يمكنها أن تبلغها”. جاء ذلك في كتابه الشهير: “تحرير المرأة” ودعوة قاسم أمين الجريئة في الانتصار لحقوق المرأة شقت طريقها يوم ذاك، حين لاحظ أن “ لدى المرأة عندنا من الاستعداد الطبيعي ما يؤهلها لأن تكون مساوية لغيرها في الأمم الأخرى” لكنها في حالة انحطاط شديد، وليس لذلك، كما يرى، سبب آخر غير كوننا جردناها من العقل والشعور وهضمنا حقوقها المقررة لها وبخسناها قيمتها”.
ما قاله قاسم أمين يوم ذاك يبدو عاجزا عن الإحاطة بالوضع الذي بلغته المرأة العربية. والجديد قي الأمر ليس تراجع وعي الرجل بقضية المرأة، فهذه كانت مشكلة مزمنة على الدوام، وفي حالات كثيرة التبس الجانب الاجتماعي من قضية المرأة بسطوة الرجل، لكن الأمر يتجلى اليوم في تراجع وعي المرأة نفسها بقضيتها وميلها للتسليم بدونيتها واعتبار ذلك أمرا طبيعيا.
كان قاسم أمين أكثر نضجاً وجرأة ووضوحا من بعض دعوات النسوية العربية التي أساءت لقضية المرأة أكثر مما خدمتها، بل إن بعض هذا الانتكاس الراهن في قضية المرأة إنما يعود لمغالاة هذه النسوية وأُحاديتها الصارمة التي لم تجعلها قادرة على رؤية قضية المرأة في تعقيداتها كاملة، ولكن ثمة وعياً مغلوطا بهذه القضية يسود صفوف النساء بمقدار لا يقل عن سيادته صفوف الرجال، بحيث بتنا نفتقد تلك الأصوات النسائية الجريئة التي ذادت عن قضية المرأة ورؤيتها في الإطار الاجتماعي الأشمل، بل وشكلت جمعيات وهيئات للدفاع عن حقوق المرأة، كان عدد عضواتها يعد بعشرات الآلاف في بعض البلدان العربية .
ثمة مصادفة تستدعي التوقف هما، هي أن الغرب احتفل هو الآخر منذ سنوات أيضا بالذكرى الخمسين لصدور كتاب سيمون دوبوفوار الشهير: «الجنس الثاني» . كانت الأطروحة الرئيسية في هذا الكتاب هي أن المرأة تصبح امرأة بحكم التنشئة الاجتماعية التي تنظر للمرأة بوصفها اقل مكانة من الرجل.
لكن احتفالات الغرب بمرور نصف قرن على صدور كتاب رفيقة جان بول سارتر، كشفت أن الغرب يعيد النظر في كثير من بديهيات هذا الكتاب. ثمة ميل متزايد نحو توكيد الأنثوية كمقابل للنسوية التي أرادت أن تجعل من المرأة رجلا آخر في صورة امرأة.
ويجد البعض في العالم العربي في هذه المراجعة في الغرب بُرهاناً على صواب الدعوة لنبذ مفهوم تحرر المرأة. غير ان هذه المقارنة لا تجوز، فالمرأة هناك لا تتراجع عن حقوقها الأساسية في مختلف الحقول ولا يتراجع وعيها بنديتها للرجل كانسان وشريك، إنما تجري مراجعة مفاهيم متطرفة لم تراعِ خصوصية المرأة كتكوين ووجدان، أما التقهقر الذي أصاب وضع المرأة العربية، فهو في الجوهر نفي لمكانتها الاجتماعية، وتسليم مجاني وطوعي من جانب المرأة بهذا النفي، بالصورة التي تبرر الحاجة إلى رجال ونساء من طينة وشجاعة قاسم أمين الذي عاش وكتب قبل قرن من الآن.
 
صحيفة الايام
10 فبراير 2010

اقرأ المزيد

الفقراء…والأسعار


ما هي أولوياتك في الحياة أو المجتمع..  

لو طرح هذا السؤال على طريقة الاستطلاع على عينة من الأفراد في البلدان النامية أو الفقيرة، بما فيها بلداننا العربية والخليجية، والبحرين واحدة من تلك الدول، فالجواب سوف يأتي سريعاً وجاهزاً دون تفكير عميق، تحسين الوضع الاقتصادي، أي الوضع المعيشي.

فالفرد في المجتمع يريد أن يعيش حياة كريمة وهانئة مع أفراد أسرته ويريد أن يرى الابتسامة على وجوههم، وليس الكآبة واليأس، في عالمنا اليوم، وتحديداً في البلدان العربية والإسلامية وغيرها من البلدان، أصبح الفقراء وقوداً للمنظمات الإرهابية، إضافة إلى أسباب أخرى، ففي بلدنا البحرين، بدلاً من أن تتقلص الفوارق الطبقية ما بين الفئات الاجتماعية المختلفة، تزداد الهوة اتساعاً فيما بينهم.

فاليوم لا وجود لطبقة وسطي في المجتمع، تستطيع القول هناك أغنياء وفقراء، في ظل المستوى المعيشي المتدني للآلاف من المواطنين، وفي الارتفاع المستمر للأسعار في المواد الغذائية، القوت الرئيسي للفرد، أضف إلى ذلك المواد الاستهلاكية ومواد البناء، والرواتب لسنوات لا تتغير للمئات وربما الآلاف من المواطنين، وأن كانت هناك زيادات، فهي قليلة جداً، في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار.

 في مثل هذه الظروف المعيشية الصعبة، تريد الدولة أن ترفع أسعار البنزين  لتحمل المواطن أعباء مالية أضافية، وان أعلنت بأن الموضوع قيد الدراسة، فأنها أجلت الفكرة، أي لم تلغها، في الوقت التي توجد شركات وطنية تكبد الدولة سنوياً ملايين الدنانير، مثل طيران الخليج، حيث يذكر، الحساب الختامي الصادر عن الحكومة لعام 2008، بأن خسائر طيران الخليج من عام 2005 إلى عام 2008، 551.5 مليون دينار بحريني، وفي الوقت ذاته كانت مصاريف وزارة الصحة لنفس الأعوام 531.5 مليون دينار بحريني.

تصور أيها القارئ، خسائر تفوق مصاريف وزارة الصحة، أما الحديث بأن الدولة تريد، أن تحسن الوضع المعيشي للفرد، المستفيد من الدعم المالي للمواد الغذائية والبنزين، هم “الأجانب” “والشركات” فهذا موضوع يراد له مقالة خاصة، فقط توضيح “معظم الأجانب من العمال الفقراء، رواتبهم جداً متدنية”.

توجد أسباب حقيقية لزيادة الدعم المالي الحكومي للحوم والطحين والدجاج في السنوات الأخيرة، منها التجنيس، يذكر أحد الاقتصاديين البحرينيين في ندوة عقدت مؤخراً، بأن الدعم المالي للحوم والطحين والدجاج عام 2000 كان 2 مليون دينار وبضعة الآلاف، وفي عام 2008 أرتفع المبلغ إلى 34 مليون دينار .

الفارق جد كبير، بعيداً عن ارتفاع الأسعار دولياً أو الأزمة المالية العالمية وتداعياتها، ولكن كيف يصل المبلغ إلى هذا الحجم، فالسبب واضح، السياسة الخاطئة لبعض أجهزة مؤسسة الحكم، وهي الاستمرار في التجنيس السياسي.

وقبل أن نختم المقال، نتساءل أين ذهبت أموال الإيرادات الفائضة أو الزيادة، بسبب ارتفاع أسعار البترول والتي وصلت إلى 180 دولار للبرميل الواحد، قبل الأزمة المالية في أكتوبر من عام 2008، وتقدر تلك الإيرادات المالية وهي لم تدخل في ميزانية الدولة، بأكثر من 2 مليار دولار، فقط في عام 2008، أين هي، وأين ذهبت.     
 

اقرأ المزيد