المنشور

الانتخابات وتداعياتها – 4

يمكننا القول بقدر من الاطمئنان أن نتائج الانتخابات الأخيرة أفرزت، على صعيد الكتلة الانتخابية السنية، نواباً يعكسون صوراً من التنوع الموجود في هذه الكتلة، بينما تمخضت هذه الانتخابات، على صعيد الكتلة الانتخابية الشيعية، عن نواب من هوى حزبي واحد، هو هوى الوفاق، التي لها ما لها من نفوذ لا نجادل بشأنه، ولكن، الناخبين الشيعة، شأنهم شأن اخوانهم السنة، عبارة عن أهواء وأمزجة وميول، سياسية واجتماعية مختلفة، من المستحيل قولبتها، قسراً، في مزاج واحد.
بهذا المعنى يصح الحديث عن تعددية سنية لمسناها في نتائج الانتخابات، وعن أحادية شيعية لمسناها في هذه النتائج أيضاً، وهذا يتطلب بعض الشرح.
صحيح أن مرشحي جمعيات التيار الوطني الديمقراطي الدوائر ذات الكثافة السنية: مرشحو «وعد» الثلاثة، ومرشح المنبر التقدمي غازي الحمر في مدينة عيسى لم يوفقوا جميعا في الوصول الى مجلس النواب، رغم النتائج الطيبة التي حققوها، مما أضر بـ«بانوراما» التنوع التي نتحدث عنها في الكتلة الانتخابية السنية وأفقدها أحد مكوناتها، لكن هذا التنوع عبر عن نفسه في بقية النتائج.
فرغم انحسار تمثيل الجمعيتين الرئيسيتين في الاسلام السني: المنبر الاسلامي والأصالة، ألا أن الجمعيتين حافظتا على تمثيلهما في المجلس، بما يتناسب مع حجميهمها ونفوذهما في اللحظة الراهنة، وبما تركه الحراك الانتخابي لحظتها من آثار، فجاء نوابهما الذين تقلصوا حتى النصف ليمثلوا قاعدة انتخابية معينة مازالت متعاطفة معهما.
المساحة المنحسرة من نفوذ الجمعيتين غطاها من باتوا يعرفون بالمرشحين المستقلين، من رجال الأعمال والتكنوقراط الأقرب الى النزوع الليبرالي، الذين علينا أن ننتظر كيف سيكون أداؤهم في المجلس المقبل، ولكن يظل مهماً أن الشارع، خاصة في المحرق، بات بمزاج يقبل بهؤلاء ممثلين له، بعد أن ضاق ذرعاً بهيمنة الجمعيات الاسلامية على كامل المشهد النيابي، فأتت اجمالي النتائج هناك لتحمل التنوع الذي تحدثنا عنه.
في الدوائر ذات الكثافة الشيعية، اذا ما ضربنا صفحاً عن أساليب التسقيط التي استخدمتها الوفاق ضد منافسيها، وهو ما توقفنا أمامه في الحلقات السابقة من سلسلة هذه المقالات، سواء كان هؤلاء المنافسون مستقلين أو منتمين لتيارات سياسية، فان جهوداً أكبر يجب أن تبذل في المستقبل لينعكس التنوع الفكري والاجتماعي والسياسي القائم في هذه الدوائر في حصيلة الانتخابات القادمة، خاصة بالنظر الى حجم الأصوات الكبير الذي حصده منافسو الوفاق، حتى لم يؤهل أي منهم للفوز هذه المرة.
التنوع والتعدد هو سمة المجتمع البحريني، كما هو سمة أي مجتمع من المجتمعات، حيث التراتبية الاجتماعية والتمايزات الثقافية واختلاف أنماط الحياة لدى الشرائح المختلفة، وبعد ثماني سنوات من التجربة النيابية في البلاد يمكن القول إن المجتمع خطا ولو خطوات قليلة للأمام في أن تعكس مخرجات الانتخابات هذا الأمر، مما يشير الى ان التطور الموضوعي للأمور يسير في الاتجاه الصحيح.
لكن الأمور لن تظل سائرة في هذا الاتجاه من تلقاء نفسها، ولنا حديث حول الدروس المريرة التي تعلمناها من خوضنا للانتخابات الأخيرة، التي تشير الى كم من الجهد يجب أن يبذل في سبيل ذلك، والى الجرأة المطلوبة في اقتحام الدروب غير المطروقة، لا الاحجام عن ذلك بالتماس التبريرات والأعذار.

صحيفة الايام
6 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

انتخابات 2010 والتداعيات



 

في البدء نتقدم بالتهنئة لجميع الذين فازوا في الانتخابات، ففي الانتخابات هناك قاعدة رئيسية تقوم عليها وتتأسس الانطلاقة منها، وهما الفوز والخسارة، هذا يحدث في الانتخابات الخاصة للأندية الرياضية أو الاتحادات المهنية والنقابية والصناديق الخيرية وفي العديد من منظمات وهيئات المجتمع المدني.
 
 لا يختلف اثنان على تلك القاعدة، وهي الأساس في أي انتخابات، فكيف الحال في انتخابات مجلس النواب أو مجلس الأمة أو الشعب وغيرها من التسميات في بلداننا العربية.
 
قراءة متواضعة لبعض التداعيات التي حدثت في الانتخابات:- 

أرى من الضرورة الحديث عن فشل قوي التنسيق السداسي في تشكيل قائمة وطنية موحدة للمعارضة في البحرين، حيث سعينا ومعنا آخرون من اجل تحقيق ذلك ولكننا لم نستطع انجاز تلك المهمة الوطنية، لتمسك البعض بقناعاته وساق العديد من التبريرات، كان ذلك على مدار أكثر من عام، وحاول الأمناء العامون للتقدمي ووعد والقومي، فيما بعد مواصلة المشاورات والحوارات، ولم تجدي نفعاً، كان علينا ان نتخذ قراراً بالمشاركة والمنافسة مع بعضنا البعض كقوى معارضة على أسس المنافسة الشريفة، بعيداً عن التسقيط أو التشهير.
 
طالما الآخرين أصروا على موقفهم، وان نزل في المناطق التي نريد فيها حظوظ لنا وتحديداً المناطق المختلطة، وهذا يعود بشكل رئيسي، لكون تنظيماتنا السياسية وتحديداً نحن أبناء الحركة الوطنية البحرينية قائمة على أسس انصهار معظم مكونات وأعراق أبناء شعبنا فيها، كما توجد مناطق فيها لنا تواجد تاريخي ، وتحديداً الدائرة الثانية في العاصمة، حيث ترشحت فيها، في تلك المنطقة ولدت وترعرعت ولا زلت اسكن فيها، وهو قرار جاء بعد دراسة واستطلاع بعض آراء أهالي المنطقة، لن ادخل في التفاصيل، في خصوصية تلك المنطقة.
 
ولكن الحديث الذي نحن بصدده هو لماذا شنت علينا تلك الحملة الظالمة، والتي استخدمت فيها كل الأساليب التي لا تمت بصلة إلى تنافس شريف والذي كان يجب ان يكون على أسس البرامج ويترك الحرية للناخب ليحدد خياراته، بدل من سوق الأباطيل والأقاويل والافتراءات، تارة بأنهم ملحدين وكفار وعلمانيين، فإذا كنا ذلك، فلماذا التنسيق والتعاون معنا طوال أربع سنوات من خلال التنسيق السداسي، وقيام الفعاليات والأنشطة المشتركة.
 
نتساءل لماذا يجلس رجال الدين والمشايخ مع العلمانيين واليساريين والشيوعيين هل يجوز هذا شرعاً والاتفاق معهم على قضايا تهم الوطن والمواطن، فلماذا هذه الانتقائية في المواقف، والأكثر من هذا وذلك، إدخال الرعب والخوف في قلوب البسطاء من الناس بطرق الترهيب والترغيب، بان من يصوت لتلك القائمة سوف يدخل النار، كان البعض منهم يبشر الناس البسطاء بان من ينتخبوا فلاناً سوف يدخلون الجنة، وكأن  مفاتيح الجنة أصبحت في جيوبهم، هكذا مارسوا الدجل والكذب والنفاق على الناخبين.
 
 سوف احكي إليكم قصة ذلك الشاب المختل عقلياً، ظل شقيقه وآخرون يحاولون إقناعه بالتصويت لمن يريدونه، لأكثر من أربع ساعات، وفبركوا له حكاية لكي يصدقهم وهو في وضعه، في النهاية تحقق ما أرادوه، جاءني لحظة خروجه من المركز الانتخابي، ليعتذر مني، لأنه صوت لمن لا يريد، واعتذر في اليوم الثاني لشقيقي، هذه حكاية من عشرات الحكايات.
 
أرسلوا المسجات التحريضية والتخوينية، يقول احدها “إن الإدلاء بصوتك لمن يحارب الدين، خيانة للدين، انظر لمن تعطي صوتك”، هذا واحد من عشرات.
 
الصقوا خطاب ديني لأحد رجال الدين المعروفين تحت صوري تدعوا الناخبين للتصويت “للمؤمنين”، وعرفنا رجل الدين الذي قام بالصاق الصورفي منطقتنا، و

قبل الانتخابات بعام تحدثت مع الأمين العام لأحد الجمعيات السياسية، قلت له، انتم تريدونها منافسة، فلتكن منافسة شريفة، وافقني الرأي، وكررت عليه ذلك في فعالية التضامن مع جمعية حقوق الإنسان البحرينية، بعد حل مجلس إداراتها، فذكرته إياه بكلامه السابق، وكذلك وقع البعض على ميثاق الشرف بين المتنافسين وأخلاقيات المنافسة الانتخابية، السؤال: أين  التطبيق؟ أوليس هذا العمل يعد إنتهاكا صارخا للمنافسة الشريفة ولميثاق العمل الذي وقعه المرشحون قبل الانتخابات وإعتداء وتخريب ليس من الإيمان في شيئ؟



أيها الإخوة،

كان الواقع غير ذلك، طلبت من احدهم وهو كادر متقدم في منطقتنا زارني في مقري الانتخابي، قلت له، بدل تلك المسجات والأقاويل والأباطيل، لماذا لا تنظم مناظرة علنية، وتطرح فيها كل التساؤلات من قبل الناس، لم احصل على جواب.
 
أيها الإخوة،
 
اطرح تلك المنغصات وما حدث في الانتخابات، من اجل توثيق الأحداث وحقيقة ما جرى وهي كثيرة ربما نتحدث عنها في مناسبات أخرى، مطالبين بوقفة جادة من الجميع إزاء ما حدث، عظة للمستقبل.
 

اقرأ المزيد

الانتخابات وتداعياتها – 3

 
أكثر الإعلام الخارجي الذي غطى الانتخابات الأخيرة الحديث، بعد إعلان نتائج هذه الانتخابات، عن فوز المعارضة الشيعية بكل المقاعد التي ترشحت لها، وربما يكون للإعلام الخارجي فيما يذهب إليه مآرب، لكن السؤال الذي يثيره هذا التوصيف الإشكالي يطرح على طاولة النقاش التحدي الكبير الذي على المعارضة أن تجيب عليه.
هل ينال هذا التوصيف هوى لدى جمعية الوفاق؟ هل يرضيها أن تقدم نفسها، قبل أن يقدمها الإعلام الخارجي على أنها معارضة شيعية، مع ما يجره ذلك من تداعيات منها: ماذا عن بقية الشيعة في البحرين، ممن هم ليسوا تحت مظلة الوفاق ؟

وهذا بالمناسبة هو أقل الأسئلة وطأة، فهو ليس السؤال الوحيد بعد أن أصبحت الوفاق مرجحة، في عدد من الدوائر غير دوائرها، لفوز من كانت تصفهم حتى وقت قصـيـر مـن الموالين السنة، وكانت تعتبر معركتها في مجلس النواب معركة معهم، لأنهم، وفق التقدير المتـداول، كـانوا أدوات حكومـية في مواجهة الوفاق في الفصل التشريعي المنقضي.

وهو سؤال برسم الوفاق، عليها أن تجيب عليه لكي تتضح الحدود بين ما يعد معارضة وما يعد موالاة، ولسنا هنا نجادل في حق الوفاق في أن تقف مع من تشاء أو ضد من تشاء، بل لعل في التوضيح المطلوب ما يساعد على أن تبدد صفة المعارضة الشيعية التي يخلعها عليها الإعلام الخارجي، لكي تقترب من مفهوم المعارضة الوطنية، التي لا يضيرها، والحال كذلك، أن يكون لها أنداد حتى في الدوائر التي أطلقت عليها وصف الدوائر المغلقة، وهو مفهوم لا يمكن أن يتسق مع مفاهيم الممارسة الديمقراطية، فالديمقراطية هي الانفتاح على الخيارات المختلفة، وليس الانغلاق على خيار واحد.

مفهوم الدوائر المغلقة هو الذي حدا بالفرق الانتخابية للوفاق في يوم الانتخاب أن تحصي أنفاس كل الشيعة الذين ذهبـوا للتصـويـت في المقار الانتخابية، من خلال تسجيل اسم كل واحد منهم مع بياناته، وهو إجراء يحمـل من الإكراه الرمزي على التصويت لمرشحيها، ما يفوق أي إكراه آخر.

وهذا الإجراء بالذات، فضلاً عن وسائل ضغط أخرى، سنـأتي على ذكرها إذا لزم الأمر، هي ما حملت المئات من الشيعة الذين وقفـوا معـنا للتصـويـت في المراكز العامة، هربأً من الضغوط ومحـاولات الإكراه.

ولم نكن يوماً مع فكرة المراكز العامة، فلتلغى هذه المراكز منعـاً للقـيـل والـقـال، ولـكـن ليـقـتـرن ذلـك مع تجريم وتحـريم كافة أشكال الإكراه والترهيب الذي يتخذ من الدين أو الولاء الطائفي مظلة له، بالطريقة التي تجعل من قطاعات واسعة تلجأ لهذه المراكز، حين تشعر أنها محاصرة في خياراتها.

من حقنا وواجبنا أن نطالب الدولة بأقصى شفافية ممكنة للعملية الانتخابية في البلاد، وأن تكون هناك رقابة محايدة عليها، لكن من حقنا وواجبنا أن نطالب الآخرين، خاصة إذا كانوا يقدمون أنفسهم على أنهم معارضة، أن يقدموا الأسوة الحسنة في ضمان حق الناخب في الاختيار الحر، وبكامل إرادته، لا أن يصادروا هذه الإرادة، تارة بالتشهير بالمنافسين، وأخرى بالفتاوى والتزكيات الدينية، وثالثة بالتسجيل القسري لأسماء الناخبين وهم ذاهبون إلى صناديق الاقتراع.
 


صحيفة الايام
4 نوفمبر 2010
اقرأ المزيد

الانتخابات وتداعياتها – 2

 
قامت الدنيا، ولا أعرف اذا كانت قد قعدت بعد أم لا، لأننا تجاسرنا على الترشح في دائرتين ازاء مرشحي جمعية الوفاق، ولم تخل مقابلة في الصحافة معي أو مع الأخ فاضل الحليبي من سؤال عن هذا الأمر، كأن مجرد منافسة الوفاق في خوض الانتخابات باتت في نطاق المحرم، واشترك في حملة التعريض بنا بسبب هذا الترشح أصوات من مشارب شتى، ومنابر إعلامية واليكترونية لم تترك من الكبائر شيئاً إلا وألصقته بنا.

وكان نصيبي من هذا التعريض ما يفوق الخيال، للدرجة التي تدعو للتساؤل: هل يمكن أن يثير شخص مفرد مثلي كل هذه الكمية من الحنق والغضب لمجرد انه مارس، وبتفويض من تنظيمه السياسي الذي ينتمي اليه ويعبر عن نهجه، حقه في الترشح للانتخابات في دائرة من الدوائر.

لم يكن حبر البيانات التي تصدر باسم الجمعيات السياسية الست، وعليها توقيعنا، قد جف بعد، ولم يجف، بعد، حبر الكلمات التي القيتها أنا شخصياً أو رفاقي من قادة المنبر التقدمي باسم هذه الجمعيات في الفعاليات والمهرجانات المختلفة، حين جندت جوقة متعددة الأصوات لرمينا بكل ما في ترسانة التخوين من بذاءات، وهو الأمر الذي خلق لدى اعضائنا وأصدقائنا مرارات، لا يجب أن يظن كائن من كان انها ستزال بجرة قلم، أو بدعوة تفتعل التذاكي على الآخرين بالخروج من قوقعة الانتخابات الى ما زعم أنه «رحابة» العمل المشترك، على طريقة عفا الله عما سلف.

أين كانت كل هذه الرحابة والنزاهة والنبل الأخلاقي المفتعل فترة الانتخابات التي تفننت جمعية الوفاق خلالها في اختراع الأكاذيب والافتراءات ضدنا، وفي مقدمتها الاكذوبة المخزية لمن أطلقها والتي عمموها على أوسع نطاق اننا ترشحنا من أجل اغلاق المآتم، وغيرها من أكاذيب بلغت حد فبركة الصور ب «الفوتو شوب» وتوزيعها عبر البريد الاليكتروني.

يكثر البعض الحديث عن تداول السلطة، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، اذا كانت الوفاق لا تحتمل قائمة انتخابية وطنية مشتركة مع من تزعم انهم حلفاء لها، وهو السبب الذي أضطرنا للترشح مقابل مرشحيها في دائرتين فقط من أصل ثماني عشرة دائرة، واذا كانت غير قادرة على تحمل مجرد ان تنافسها قوة سياسية أخرى على مقعد نيابي أو بلدي، ومستعدة في سبيل ذلك أن تنال من سمعة ومكانة الآخرين بكل الوسائل وبدون رادع لمجرد تجاسرهم على المنافسة، فكيف تريد أن تقنع المجتمع بأهليتها للحديث عن تداول السلطة، مع ما يفترضه ذلك من احترام للتعددية والتنوع في المجتمع والقبول بهما.

وهذا الاحترام للتعددية يجب أن يتجسد بدرجة أساسية في اظهار الاستعداد للقبول بالتنوع الموجود في المحيط الذي تنشط فيه الوفاق، أي المحيط الشيعي، فليس كل الشيعة أعضاء في الوفاق، وليسوا كلهم متفقين معها في البرنامج وطريقة العمل، بل ان لدى قطاعات واسعة من الشيعة رأيا حتى في أشخاص النواب الذين اختارتهم، وما الأصوات الشيعية التي ذهبت لعبدالنبي سلمان في انتخابات 2006، أو التي نالها فاضل الحليبي ونلتها شخصيا الا مظاهر على ذلك، دون أن نتحدث عن لوبيات المقاطعة الشيعية أو عن موقف اطراف شيعية آخرى كجمعية العمل الاسلامي مثلاً.
 

صحيفة الايام
3 نوفمبر 2010
اقرأ المزيد

البرلمان الجديد ومؤشرات الفساد!!

كيف نقرأ النتائج الأخيرة التي أظهرها التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية حول مؤشر مدركات الفساد للعام 2010 فيما يتعلق بأوضاع مكافحة الفساد في العالم، وما يعنيننا هنا بالطبع هو وضع البحرين فيه حيث جاءت في المرتبة 48 عالميا لهذا العام.
في البدء يجب أن لا يغيب عن البال والمتابعة أن مغزى العام 2003 ومقاربته بمؤشر مدركات الفساد بالنسبة لأوضاع مكافحة الفساد في البحرين إنما يرتبط أصلا بالبداية الحقيقية للمؤسسة التشريعية والرقابية ممثلة في مجلس النواب وتدشينها لدورها الرقابي، والذي كان لدور لجان التحقيق البرلمانية الأربع التي شكلت في الفصل التشريعي الأول وفي مقدمتها لجنة التحقيق في فساد هيئتي التأمينات وصندوق التقاعد الحكومي ولجنة التحقيق في تدهور أوضاع خليج توبلي وما أظهرته اللجنتان من تقارير موثقة وواضحة حول ما اشتملت عليه التقارير من أرقام وحقائق دامغة، وما وضعته لجنة التحقيق حينها من معالجات تم الأخذ بالكثير منها، وما تلا ذلك من تشكيل للجان التحقيق في الفصل التشريعي الثاني ومن متابعات نيابية لأداء الحكومة من خلال طرح الملفات والأسئلة المختلفة على مدى الفصلين التشريعيين المنتهيين حتى الآن، وبكل تأكيد فان تدشين الدور الرقابي على أداء السلطة التنفيذية ومنذ عودة الحياة النيابية في العام 2002 وهو الدور الذي غاب لقرابة الثلاثة عقود يعتبر العلامة الفارقة عند مقارنة ما يجري من كشف مستمر لممارسات الفساد المختلفة وما يستتبعها من معالجات لازلنا نعتقد بقصورها على الرغم من تحركها ، إلا أن ذلك بحد ذاته يعطي جوابا شافيا ومقارنة جديرة بالمتابعة بين ما يجري لدينا وما يجري في بعض الدول ، التي بحسب المؤشر تتقدم في مؤشر مدركات الفساد الذي نحن بصدده، حيث تغيب هناك الكثير من وجوه الرقابة على أداء السلطات التنفيذية، وذلك بالطبع نظرا لغياب الممارسة الديمقراطية مما يجعل من أوضاع مكافحة الفساد لديهم مسؤولية رسمية ليست ذات بعد شعبي أو حتى مؤسسي.
إذا هي مفاضلة يجب أن لا تستهلكنا كثيراً، بقدر ما يمكن أن نستنتج منها من أهمية لوجود المؤسسات الرقابية والتشريعية وضرورة ممارستها لدورها وإن كان منتقصا في بعض وجوهه، لكنها تبقى مطلوبة وملحة، وذلك بإعطاء البعد الرقابي الشعبي دوره في متابعة أداء السلطة التنفيذية، والتأسيس لنهج جديد ومغاير في تعاطي الحكومات والشعوب مع مسائل جوهرية ترمي لتحقيق ضمانات لدى الطرفين في الرقابة على المال العام والثروات العامة.
نستطيع أن نؤكد أن تعاطينا مع قضايا الفساد يجب أن لا يكون مقتصرا فقط على كشف بعض وجوه الفساد، بل يجب أن يكون مرتبطا بوضع برامج ومعالجات حقيقية ملموسة، من شأنها أن ترتقي بسجلنا في مكافحة الفساد وتحقيق نجاحات ملموسة في هذا الجانب، ولذلك كما نعلم انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الكثير من وجوه التنمية والأوضاع المعيشية وحركة الاستثمارات إلى الداخل، وهو توجه لا شك أن رؤية البحرين 2030 قد وضعته ضمن أولوياتها، ليصبح العمل على تحقيق نجاحات في مؤشر مدركات الفساد ضرورة وليس ترفا لدولة ذات اقتصاد صغير وإمكانيات وموارد محدودة، ويبقى ذلك مرهونا بقدرتنا على تجاوز أنفسنا عبر الجرأة والجدية والإخلاص في التعاطي مع قضايا المال العام والثروات باعتبارها مسؤولية وأمانة على الجميع تحملها، وفي المقدمة منها السلطتان التنفيذية ممثلة في الحكومة والتشريعية ممثلة بمجلس النواب بتركيبته الجديدة وتمايز كتله الواضح، وذلك ما يضع الجميع على المحك ليكونوا بحق أوفياء لما رفعوا من شعارات وبرامج، وأمامنا في القريب العاجل ملفان على درجة كبيرة من الأهمية سوف يطرحان ابتداء من اليوم الأول على طاولة نواب الشعب وهما ملف الموازنة العامة للدولة للعامين 2011 -2012 وكذلك ملف آخر طالته المساومات على ما يبدو في الفصل التشريعي المنقضي، ألا وهو ملف تقرير ديوان الرقابة المالية الذي سيرفع لجلالة الملك والحكومة ومجلس النواب قريبا جدا. أما من جانب الحكومة فنأمل أن يحتوي برنامج عمل الحكومة الذي سيقدم للمجلس الوطني قريبا على معالجات وبرامج فاعلة لمكافحة الفساد، لتتم الاستفادة مما حدث على مدى السنوات الثماني المنتهية لصياغة عقد من المسؤولية تجاه حماية المال العام وحماية ثروات الأجيال، فهل لنا أن نطمح في بداية قوية لمؤسستنا التشريعية، مع بداية فصل تشريعي جديد يأمل الجميع أن يكون بحجم الزخم الذي كانت عليه الانتخابات الأخيرة وما يعنيه الإقبال الشعبي الكبير على التصويت الذي فاقت نسبتة 67%..دعونا نتفاءل لعل ذلك يكون مجديا هذه المرة!
 
صحيفة الايام
3 نوفمبر 2010
اقرأ المزيد

مجلس النواب الجديد

كان المتوقع هو استمرار أحجام الكتل المذهبية السياسية الثلاث، لكن الصورة تبدلت، وأشار تطور وضع المستقلين إلى أن الليبرالية الواعدة تتقدم بأشكالٍ غامضة غير مبتلورة سياسيا حتى الآن، وهذه تعبر عن أن الناخبين لم يكونوا جامدين عن الدورة السابقة.
المدن ذات التوجهات الاقتصادية والتجارية تتطور باتجاه الانفتاح أكثر، فلا تشكل اتجاهات محافظة ثابتة.
والمناطق الريفية خاصة تتعاضدُ راغبةً في مزيدٍ من التطورات الإيجابية في الحياة الاقتصادية والمعيشية والتعليمية والإسكانية.
ويبدو ان المجلس القادم سيكون أكثر تعاوناً مع الحكومة في مسائل التطورات الحداثية، والإسراع في إنجاز التحولات الاقتصادية والخدماتية المختلفة.
إن استمرار الوضع السياسي البرلماني كما هو يعبر عن وضع المنطقة التي تعيش ظروفاً محفوفة بالمخاطر الكبيرة، وخاصة بروز طابع المواجهة والمخاطر العسكرية المركزة على ما يُسمى البرنامج النووي الإيراني، هذه تفرضُ على المؤسسات الرسمية البحرينية البقاء في الخطوط السياسية الحمراء نفسها، مع إتاحةِ الفرص للقوى السياسية ذات الحضور السكاني في نقدِ المشكلات وتقديم الحلول لها وتطوير الوضع في البلد.
الجماهير ذات ثقافة سياسية شفافة متحسسة للتطورات والأوضاع العامة والمناطقية ويتنوع حراكها لتفرز مثل هذه القوى، ويغدو حراك النواب في المجلس متحسساً أكثر فأكثر لحاجات الناس، الذين لا يريدون لافتات سياسية براقة بل أعمالاً محسوسة على الأرض.
ربما لو كانت الظروف الإقليمية غير ما هي عليه لكانت صيغة المجلس المنتخب مختلفة، وتشجيع التطرف والعنف ينعكس سلباً على تطور العلاقات بين القوى الحكومية والشعبية وعلى صيغة هذا “البرلمان” الذي يبقى بشكله الراهن، وهذه القوى السياسية المتعددة يجب أن تتعاون بشكل واسع لحل مشكلات اجتماعية أكثر منها سياسية، والطرفان مارسا خبرة في التعامل تتيح لهما أن يعملا بقوة وتوسع وانفتاح على بعض من أجل حل هذه المشكلات ولتغييب المماحكات والتوجه إلى درس المشكلات والقضايا الكبرى الاقتصادية والإسكانية والصحية والمعيشية وتقديم المشروعات لها بدلاً من إضاعة الوقت الثمين في الخلافات.
وكلما قدرت هذه القوى على تحقيق تقدم ملموس لحال الشعب كسبت ثقته وجددت نفسها وطورت الهياكل المنتخبة وحولتها إلى مؤسسة راسخة ذات إمكانيات سياسية ومعرفية لها مدى واسع في رصد المشكلات وأرشفتها وتحليلها وتشكيل اللجان الخبيرة، بحيث يتركز دور النواب فيما هو جوهري في مشكلات الواقع، بدلاً من البداية من الصفر وتكون أمامهم ملفات عميقة وخلفيات اجتماعية سياسية وقدرة على تقديم الأسئلة والمشروعات.
لا شك أن التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية هو بؤرة الحالة السياسية المحلية، ولم نصل حتى إلى معرفة أسباب هذه المشكلة المحورية في الحياة السياسية وضعف العلاقة بين الطرفين، وعدم تطورها العميق.
يقول أحدُ نواب كتلة الأصالة إن الجواب عن سؤالٍ طرحهُ استغرق أكثر من سنة ونصف سنة! (راجع تقرير كتلة الأصالة عن إنجازاتها في الدورة السابقة).
هذا الجمود النسبي تستغلهُ قوى أخرى للمزايدة وتطرح فشل هذا التعاون وبضرورة نقضه بقفزات في الهواء.
لا شك أن دراسات النواب للوضع السياسي العام وللتحولات الاقتصادية الهائلة في العالم، ومشكلات الموارد، سوف تتجه إلى التركيز فيما هو جوهري من تغيير أحوال الناس، وتناول القضايا الاقتصادية والاجتماعية الكبرى من قضايا سكن وبطالة وضعف أجور خاصة في القطاع الخاص وضعف إدخال النساء في ميدان العمل الاقتصادي وضرورة تطور الخدمات الصحية بشكل نوعي، وضرورة أن ينعطف التعليم لإنتاج كوادر تقنية وفنية وعمالية ماهرة بدلا من سيادة المناهج النظرية والدراسات الفكرية، وبضرورة إيجاد ترابط بين التطورات الاقتصادية والسكانية البحرينية وبين التدفقات العمالية الأجنبية والاستيرادية، أي طرح خطط عامة أساسية تحدث فيها توازنات بين تطور الخدمات والإنجازات المحلية وبين الانفتاح على الخارج، وليس أن يطغى الاستيراد وحاجاته على النمو الداخلي الأقل.
ربما تتخفف الأدلجة والشعاراتُ من هذا المجلس المنتخب ويركز فيما هو عملي وتحولي في حياة الناس، ويجمع النواب بين تحسس مشكلات الناس في مناطقهم والقضايا الجوهرية العامة للبلد.

صحيفة اخبار الخليج
2 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد

الانتخابات وتداعياتها – 1

أبدأ بتوجيه تحية الشكر والامتنان للناخبين من أبناء الدائرة الثامنة بالمحافظة الشمالية، مدينة حمد ودار كليب، من مختلف الانتماءات والتوجهات الذين منحوني نحو أربعة آلاف وثمانمائة صوت، كما أعبر، بالنيابة عن زملائي في قائمة البديل الوطني: غازي الحمر وفاضل الحليبي وعادل درويش، وبالنيابة كذلك عن المنبر الديمقراطي التقدمي عن مشاعر التقدير والشكر لجميع الناخبين، من النساء والرجال، الذين وقفوا معنا في الدوائر التي ترشحنا فيها، والتفوا حول برنامجنا وحول خطابنا الوطني.
كانت التجربة الانتخابية التي خضناها تجربة غنية ثرية بالدروس، مكنتنا من الاقتراب إلى أذهان وقلوب الآلاف من أبناء وبنات شعبنا، ممن صوتوا لنا أو حتى الذين صوتوا لغيرنا، وبرهنت هذه التجربة على أن مجتمعنا أكثر جاهزية، مما كان عليه، لقبول الخيار الوطني، غير الطائفي، الملتزم بقضايا الناس المعيشية وحقوقهم في الحياة الحرة الكريمة، وأن هذا المجتمع يُقدر عالياً من يرفعون راية هذا الخطاب، ومستعد لمنحهم ثقته.
صحيح اننا لم نوفق في الفوز في أي من الدوائر الثلاث التي ترشحنا فيها، نيابياً وبلدياً، ولكننا فزنا بمحبة الآلاف من الناخبين، وأكدنا مقدرة برنامجنا الوطني على الوصول للناس، ولمسنا مقادير تفاعلهم الكبير معه، وهو الأمر الذي عبر عن نفسه في الحضور الحاشد لفعالياتنا، الذي أوصل رسالته بوضوح.
المنصفون من المراقبين والمتابعين والإعلاميين قدروا عالياً فكرة البديل الوطني التي اتخذنا منها مسمى لكتلتنا الانتخابية، من منطلق إدراكهم وتلمسهم لمظاهر الوعي المتزايد في المجتمع بالحاجة إلى هذا البديل، رغم حملات التهويش التي مورست وستمارس في المستقبل.
هناك من أغاظته وتغيظه مجرد فكرة أن يكون هناك بديل، كأن قدر الناس في هذا البلد قدر واحد لا مناص منه، وبالتالي على الناس أن يبصموا على ما جرب في الفصل التشريعي المنقضي، ولا يتطلعوا لسواه، رغم أن هذا المجرب أثبت إخفاقاته في أكثر من ملف، وأكثر من قضية، رغم المحاولات التي بذلت لتسويق «الانجازات»، التي اتضح أن الكثير منها وهمي، لا وجود لها على أرض الواقع.
ولم تغظهم فكرة البديل وحدها، وإنما فكرة أن يكون هذا البديل وطنياً، لأن من يتخندقون في الخيارات الفئوية والطائفية، ويبرعوا في التحشيد الطائفي لا قَبل لهم على مواجهة البديل الوطني ببرنامج مشابه، لأن التيار الوطني الديمقراطي في البحرين هو وحده القادر على إنتاج وممارسة هذا الخطاب الوطني، ولا يتصل الأمر بعبارات يطلقها البعض هنا وهناك من قبيل: كلنا وطنيون، لأن الحديث لا يدور عن تسميات وإنما عن ممارسة فعلية، وعن بنية تنظيمية وفكرية غير طائفية، ليس بوسعهم أن يبلغوها.
الناس بحدسها الذي لا يخطئ ناصرت هذا البديل ودعمته والتفت حوله، وآية ذلك ما حققه المرشحون الوطنيون في الدوائر التي خاضوا فيها المعترك الانتخابي، فكانوا على مشارف الفوز في أكثر من دائرة، وهم بذلك يمضون في الطريق التراكمــي لتحسيـــن مواقعهــم في المجتمع، والبناء للمستقبل.
 
صحيفة الايام
2 نوفمبر 2010
اقرأ المزيد

الطوائفُ والحروبُ (1)

لم تشهدْ الطوائف الإسلاميةُ خلال القرنِ العشرين حروباً بينها، وانغمرتْ الجماهيرُ بشكلٍ عامٍ وواسعٍ في الحروب من أجلِ التحرير والاستقلال والنهوض، نظراً لصعودِ أفكارِ النضالِ الوطني الديمقراطي العلمانية عامةً كسحابةِ ربيعٍ عابرٍ عظيم، لكن هذه الأفكار كانت قشرةً رقيقةً فوق الجسد الاجتماعي العربي الإسلامي الذي لم يظهرْ بعدُ من تحتِ جليدِ القرونِ الوسطى إلا عبر رؤوسٍ صغيرة.
بعد الاستقلالات الوطنية ولمددٍ معينةٍ حسب الدول ومستويات تطورها، انجرفتْ هذه الأفكارُ للصراع بينها بأشكالٍ مختلفة متخلفة وبعد عقود تآكلت.
الأجسامُ الغارقةُ في محيطِ الماضي تصاعدتْ، والبُنى الاجتماعيةُ ظهرتْ على حقيقتها، والمكياجُ الحداثي للقرنِ العشرين تساقط، وبان توجهُ القوى المحافظة لاستعادةِ الهياكل المتخلفة السياسية والايديولوجية لما بعد سقوطِ الدولةِ العباسية.
كانت هذه العودة بسببِ الذعر السياسي من الماركسية الانقلابية الاستئصالية للأديان، ولقوى الاستغلالِ المرعوبةِ من مثل هذه البرامج الخطيرة، ولهجومِ قوى الغرب الاستعمارية والحداثية معاً في تشابك معقد، فراح العالمُ العربي الإسلامي يتخلى عن رموزِ النهضةِ في الزمنين القديم والمعاصر، ويحولُ أبطالَهُ التوحيديين إلى أبطال مذهبيين، ومضى هذا العالم يتفككُ سياسياً وايديولوجياً في قيعانه التحتية، عبر تسييسِ دور العبادة، وتفعيل المناسبات الدينية بأشكالٍ من الهوسِ ومن القراءاتِ السطحية للتراث، ومن التحفيظ النصوصي المسدل ستائر العتمة على العقل، وتم إغراق العروبة وازالتها بدعوى علو الإسلام عليها، وبنشرِ المؤلفات العتيقة ودرسها كأنها درر الزمان، وتحويل الشباب إلى كهول محنطين جسدياً وعقلياً، ومجزئين للمعرفة عبر حفظِ الشعاراتِ السياسية الصفراء، وبنفخِ الروحِ الطائفية فيهم، وتوجيههم للعداء للحداثة والنهضة والعروبة.
الحركاتُ السياسيةُ الطائفية تحولتْ إلى دول.
كانت الأنظمةُ العربيةُ والإسلامية على تبعيتِها أو تحررِها الجزئي تمثل مقاربات متعددة مع الغرب الديمقراطي بأشكالٍ متباينة، ولم تستطعْ بطبيعةِ أحوالها أن تجذرَ هذه الحداثة، باختلاف بعض دول المغرب العربي الأكثر قرباً منها، فيما كانت دولُ المشرق أكثر بعداً عن الحداثة.
فهي تحملُ مواريثَ الأديان الكبرى التي صيغتْ وهُيمن عليها من قبل قوى التخلفِ والاستغلال على مدى قرونٍ طويلة، ولم تُحلْ التناقضاتُ بين هذه الأديانِ والمذاهب، وأُضيفتْ كارثةٌ أخرى بتشكيلِ دولةٍ يهوديةٍ غيرِ ديمقراطيةٍ وغيرِ علمانية، وهي شكلٌ آخر للاستعمار الغربي العنصري القديم، ولم تُحلْ قضايا الصراع بين الطوائفِ الإسلاميةِ أثناء التحرر الوطني وزمن دول الاستقلال.
وجاءتْ العودةُ للماضي المحافظ لأسبابِ صعودِ النفط وقدرته على تجديدِ الدول ذات الجذور الإقطاعية الواسعة، وصباغة القبح الماضوي بألوانٍ تحديثية زائفة.
وهكذا بدتْ الثورةُ الإيرانيةُ الشعبية للشباب المعبأ ايديولوجياً في ظلِ المنظماتِ الطائفيةِ كانفجارٍ سماوي غيبي قادرٍ على النقلِ الفوري لصيغٍ غامضةٍ من السعادةِ الأبدية والجنان الأرضية، وهو أمرٌ مثل قطعاً بنيوياً حاداً في تطورِ الإثناعشرية المتدرجِ المحافظ الهادئ، وجرَّ قسماً كبيراً من الشيعة للمغامراتِ السياسية المحفوفة بالمخاطر على إيران أولاً والمنطقة ثانياً.
الأقسامُ الصحراويةُ والقروية الشديدة العزلة التي لم تشهد تطورات فقهية نهضوية جنينية في الماضي خاصة في إيران والجزيرة العربية كانت حبلى بتأييدِ التطرف القومي أو التطرف الديني، ولسانها يهتفُ اما عرب وإما فرس، وكان الهجومُ على القوميةِ العربيةِ في الجزيرةِ العربية نفسها يمثلُ انتكاسةً للوعي العام الذي حُضر للانتقالِ للنزعاتِ الطائفية الحربيةِ عبر الهجوم على اليمن التحديثي الناشئ أو عبر الاشتراك مع القوى الغربية لضربِ دول القومية التحررية التي لم تكن تقدمُ هي الأخرى بديلاً عربياً قومياً تحررياً ديمقراطياً، لكن الطرفين العربيين خسرا المستقبلَ ولم يربحا الماضي.
بل راحتْ الدولُ العربيةُ القوميةُ التحررية تتآكل غير قادرةٍ على مجابهةِ النزعاتِ الطائفية المتصاعدة، بل تشجعها وتستغلها في المعارك السياسية الصغيرة وتقدم لها الأسلحة للتدرب على الهجوم عليها مستقبلاً كما في بلاد الأفغان.
وإذ ظهرتْ الدولةُ الشيعيةُ الإيرانية القومية كعدوٍّ للغربِ فإن المقصودَ من ذلك هو عداؤها للحداثة والديمقراطية، وهو أمرٌ تجسدَ بسبب ضعفِ الهياكل النهضوية وتآكل قوى المثقفين الديمقراطيين وهيمنة الوعي الإقطاعي عليهم، وكذلك الوعي القومي المحافظ الغائر. السيادة الذكورية المتخلفة، وضعف العناصر العقلانية وحفرياتها في المذهب الشيعي، كل هذا جعل الإيرانيين يخضعون للدكتاتوريةِ الدينيةِ العسكرية ومخاطرها الحربية.

صحيفة اخبار الخليج
1 نوفمبر 2010

اقرأ المزيد